Define your generation here. Generation What

صحافة الاستقصاء تصمد في العالم العربي رغم القمع

في يوم شديد الحرارة من أيام أغسطس 2004 جلس إعلاميون عرب ودنماركيون حول نافورة رقراقة وسط باحة منزل عتيق في دمشق، وهم يتناولون عصير ليمون طازج لإطفاء عطش الصيف.

لم تخطر ببالهم آنذاك مسارح القتل والاضطرابات التي عصفت لاحقًا بالعالم العربي، وطوّقت دوله بدءًا من ربيع 2011.

لكنهم كانوا يمتلكون رؤية لإطلاق مشروع إعلامي عابر للحدود على أمل إحداث تغيير سلمي في المجتمعات العربية الموبوءة بسوء الإدارة والفساد والمحسوبية. وهكذا ولد برنامج صحافة الاستقصاء بتمويل دنماركي بهدف تعزيز مبدأ الرقابة والمحاسبة، إشاعة حرية الرأي ودعم الإعلام المستقبل. كانت تلك محاولة جسورة لري الأرض العطشى للحرية في المنطقة.

وبعد استعراض عدد من الأسماء المقترحة للمولود الجديد، استقر رأي المجتمعين على (أريج)؛ وهو اختصار لعنوان مُركب بالإنجليزية: (إعلاميون عرب من أجل صحافة استقصائية). ويعني أيضًا رحيق الورد.

بعد عام، عقد الروّاد أول اجتماع لمجلس إدارة الشبكة في عَمان، واتفقوا على أن تعمل (أريج) -عبر مراحل- على ترويج ثقافة صحافة الاستقصاء الممنهج في غرف الأخبار وكليات الإعلام من خلال برامج مدروسة، لبناء قدرات الإعلاميين والإعلاميات، وشحذ مهاراتهم ورفع كفاءاتهم.

وقررت (أريج) أيضًا مساعدة الصحفيين في التركيز على قضايا تهم المجتمع، ووضعت ترسيخ الديمقراطية وسيادة القانون على رأس الأولويات. على أن الشبكة وأعضاءها الأوائل تحركوا بحذر شديد. ففي الدول التي تضع قيودًا مشددة على الإعلام، كان النبش والتقصي يقتصران على مواضيع «آمنة» في قطاعات الصحة والبيئة والتربية والتعليم، إلى جانب مشاكل المستهلك وقضايا المرأة.

وبفضل التمويل الأولي القادم من البرلمان الدنماركي، تمكنت شبكة (أريج) من إطلاق برامج تدريب/ تأهيل، وتمويل، والإشراف على  إعلاميين وإعلاميات، ثم مساعدتهم على فحص محتوى التحقيقات قانونيًا قبل النشر/ البث من أجل تلافي المخاطر. ووضعت مؤشرات لقياس الجودة والتميز على امتداد المشروع.

في البدء، تعاقد المجلس مع مديرة تنفيذية لإدارة المشروع في الأردن وسوريا ولبنان؛ ثلاث دول متجاورة بمناخات سياسية وإعلامية متفاوتة. ثم تمددت الشبكة إلى دول عربية أخرى، وصولًا إلى تسع الآن في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وبدا التغيير – التغيير الإيجابي- في متناول اليد لفترة ما.

في الأردن وسوريا، كان زعيما البلدين قد أطلقا وعودًا بالإصلاح بعد ما ورثا القيادة عن والديهما. وانتشرت كالفطر مؤسسات إعلامية خاصة وسط مناخ من الانفتاح.

ومن مكتبها المكون من غرفة واحدة بعمان، شرعت أريج في غرس بذور الاستقصاء عبر دول المنطقة. بحلول 2008، كانت الشبكة قد توسعت لتشمل مصر ثم البحرين فالعراق وفلسطين واليمن وتونس.

اليوم، تحتفل (أريج) بإطفاء شمعتها العاشرة، وقد انتشرت أفقيًا وعموديًا في تسع دول عربية.  وتخطط الشبكة لمواصلة التوسع في السنوات المقبلة، والعمل مع صحفيين/ صحفيات مستقلين وشبكات استقصاء محلية.

لكنها سبق أن حقّقت إنجازها الجوهري؛ وهو إطلاق صحافة استقصاء ممنهجة في منطقة كانت تخلو من هذا التقليد. ومنذ أن استهلت مهامها مطلع 2006، درّبت (أريج) ما يزيد عن 1869 صحفي/ة، وأساتذة وطلاب كليات إعلام، على تقنيات الاستقصاء الاحترافي. وساعدت على نشر/ بث ما يزيد عن 400 تحقيق استقصائي مؤثر في وسائط إعلام محلية، إقليمية ودولية. العديد من تلك التقارير فتحت الأبواب أمام إصلاحات ملحة، بعضها نُفذ على الفور بعد النشر/ البث.

بالتزامن مع بث تقرير أريجي، أمر الملك عبد الثاني حكومته بإجراء تحقيق سريع، وحماية حقوق الأطفال ذوي إعاقات حركية ونفسية، بما يتماشى مع المعايير الدولية. وسارع الملك إلى لجم إساءات وقعت على هذه الفئة المستضعفة بأيدي مقدمي الخدمات لهم خلف أبواب موصدة.

في تونس، مرّت سنتان قبل أن تبادر الحكومة لإغلاق حضانات كانت تحضّر الأطفال المنتسبين إليها لكي يصبحوا جهاديين. ولم تتدخل إلا بعد أن أنجزت إعلامية أريجية تحقيقًا عالي الخطورة يتضمن تخفيًا واستخدام كاميرا مخفية ملصقة بجسمها.

ولأول مرة، تتشارك سبع جامعات عربية في تدريس منهج طورته (أريج)، من ثلاث ساعات معتمدة في الفصل، لمأسسة صحافة الاستقصاء في كليات الإعلام على نسق دليل الشبكة الإرشادي «على درب الحقيقة». كما تستخدم هذا الدليل 20 جامعة على الأقل لتعريف الطلبة بمنهجية الاستقصاء المتقدمة. أنجز الدليل الإرشادي والمنهج الإعلامي حاصد الجوائز مارك لي هنتر، الذي يدرس في جامعة (إنسياد) الفرنسية.

خلال العامين الفائتين، ساعد مكتب (أريج) للأبحاث والبيانات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عشرات الصحفيين العرب والأجانب على كشف حالات غش وفساد في المنطقة وخارجها. ولعب هذا المكتب دورا محوريًا في إطار الشبكة الأممية لصحفيي الاستقصاء، في التنقيب في «أوراق بنما»؛ ضمن أضخم تحقيق استقصائي عابر للحدود حتى الآن.

عشرة صحفيين عرب على الأقل نشروا/ بثوا تحقيقات في العمق في الإعلام الأجنبي، غالبيتهم بأسماء مستعارة، كاشفين عن خفايا شبكة من شركات «الأوفشور» المسجلة في ملذات ضريبية آمنة. كما نبشوا الروابط بينها وبين حسابات بنكية مرتبطة بأصحاب نفوذ عرب وشركائهم في عالم الأعمال والتجارة.

أحد الاستقصائيين كشف كيف تمكن الرئيس السوري بشار الأسد وحلفاؤه من التحايل على العقوبات الدولية، من خلال تسجيل شركات «شل» في جزر سيشل الآمنة ضريبيًا. وأضاء صحفي آخر على ثروات كبار المسؤولين السابقين ورجال الأعمال في اليمن.

تلك كانت سابقة مهمة في التعاون بين إعلاميين عرب وأجانب لتقصي ثروات مستبدين عرب والكشف عن صفقات مالية سرية تربطهم بعالم المال والأعمال.

وبمساعدة خبراء الحاسوب وتمويل الاتحاد الأوروبي، يعكف مكتب أريج للأبحاث والبيانات على بناء قاعدة بيانات عن الشركات المسجلة، العطاءات الحكومية وتسجيلات صكوك الأراضي في 18 دولة عربية. ونجح أيضًا في جمع وحفظ بيانات ذات صلة من مواقع الكترونية حكومية، قبل أن يُمحى بعضها من الشبكة العنكبوتية. وتأمل الشبكة في الكشف قريبًا عما يمكن وصفها بقاعدة البيانات الأكثر شمولية وتوفيرًا للسجلات الحكومية في العالم العربي.

ويتلقى الباحثون في (أريج) ما معدله 18 طلبًا للمساعدة شهريًا، بحثًا عن معلومات، من صحفيين عرب ودوليين. هذه الإنجازات تشكّل بقع ضوء وسط محيط إعلامي قاتم غير قابل للاختراق، حيث تتهاوى حرية الصحافة باضطراد منذ خمس سنوات.

في الأثناء، تتعقد مهمة الاستقصاء يومًا بعد يوم ويصبح وضع أصحاب النفوذ أمام مسؤولياتهم أكثر خطورة. فالرقابة تتعمق فيما يحبس صحفيون و/ أو يقتلون ويُجهز مقص الرقيب على بقايا الإعلام المستقل.

بعد الصين، باتت مصر تصنف ثانيًا على سلم أكثر البلدان سجنًا للصحفيين. التنظيمات المتطرفة تستهدف الصحفيين وتنل منهم أيضًا. في 2015، اعتقلت عناصر مما تعرف بالدولة الإسلامية صحفيًا مستقلًا من سورية، أثناء انهماكه بالتصوير داخل إحدى المدارس الواقعة ضمن دائرة نفوذهم. وأخضعت داعش المصور المرافق للصحفي للاستجواب، ثم جزّت عنقه أمام الكاميرا بعد أسبوع.

في ربيع هذا العام، تعرض مصطفى المرصفاوي، صحفي تدعمه (أريج) للطرد من عمله. جاء هذا العقاب بعد أن وثّق الصحفي حالات موت، تعذيب وإساءات يحدثّها ضباط بحق أفراد في جهاز الأمن المركزي.

أما (البي بي سي) التي بثت تقرير الصحفي المصري فتعرضت لهجمات شرسة شنّها أربعة مقدمي برامج حوارية مقربون من الحكومة. سهام النقد والتجريح طالت (أريج) كذلك.

وظل وسم (البي بي سي #مؤامره) ضد مصر Hashtag #BBC#plots  دارجًا على موقع تويتر يومًا كاملًا.

على أن بواعث قلق الصحفيين في هذه المنطقة لا تقتصر على الحكومات. فمن يجازف بحياته وحريته يصطدم عادة بضعف صادم في التأييد الشعبي. وفي كل محطة، يجدون المواطن العربي وقد تخلّى عن الحريات الأساسية وحقوقه الديمقراطية مقابل لا شيء سوى وعود غامضة بالاستقرار والازدهار السياسي. يشاهد الصحفيون أناسًا يخافون من الفوضى أكثر من القمع العربي «الاعتيادي». يرون مواطنين تقبلوا المحدّدات التي رسمها الاستبداد، وتصالحوا معها.

ليس من المستغرب إذن تراجع حرية الإعلام واستقلاله على سلم أولويات المواطنين.

إذن ما العمل؟ هل يستسلم صحفيو الاستقصاء العرب أمام مجتمع غير مؤازر وينتظرون تغير الأحوال في قادم الأيام؟ العديد منهم يصرون على أنهم اجتازوا مسافة طويلة، بحيث لا يرغبون في العودة.

مع ذلك يبقى ثمن الاستمرار على النهج  شاقًا ومحفوفًا بالمخاطر.

مصر والأردن وتونس والسعودية، سنّت قانونا لمنع الإرهاب ووضع قيودا على الانترنت، وبالتالي سدّدت ضربة شديدة لصحافة الاستقصاء. ونتيجة ذلك تهيمن سردية السلطات على الفضاء العام، بينما يفلت المسؤولون بسهولة من المحاسبة.

وفوق انسداد أفق الحريات تتفاقم الأوضاع الاقتصادية التي تعقد حياة الصحفيين. معلوم أن صحافة الاستقصاء لم تكن يومًا عملًا مربحًا، خصوصًا عندما تعتمد على دعم الحكومات والهيئات غير الربحية. ونشهد الآن جفافًا مضطردًا في ينابيع التمويل مقابل ارتفاع كلف التقصي وبناء التحقيقات الاحترافية.

فالممولون يواجهون الآن أولويات جديدة، ليس أقلّها استفحال أزمة اللاجئين حول العالم. يبحث العالم اليوم عن مأوى وطعام لـ 60 مليون لاجئ ونازح يفرّون من مناطق النزاع والانهيارات الاقتصادية، في أضخم موجة من نوعها منذ الحرب العالمية الثانية.

لذلك علينا نحن معشر الصحفيين تعلم كيفية استدامة عملنا بوسائل جديدة.

لنتذكر مع ذلك أن حرية التعبير ونزاهة الإعلام يجب أن لا تكونا إضافات اختيارية في ميزان أي من كان. ذلك أنهما مكونان لا يمكن الاستغناء عنهما في المجتمعات الديمقراطية؛ وفوق ذلك حماية لا بد منها في مواجهة الاستبداد وغياب القانون.

كافحنا معًا لترسيخ هذه المبادئ في منطقتنا. وسنحارب من أجل استدامتها. ولا ننوي الاستسلام الآن.

بهذه الروح، يلتئم منتدى (أريج) التاسع للصحفيين الاستقصائيين في الأول من كانون الأول/ ديسمبر 2016. وسيجتمع أيام تزيد عن 340 صحفيًا وأستاذ إعلام وخبير في الاستقصاء، عرب وأجانب، على شاطئ البحر الميت، أخفض بقعة على وجه البسيطة.

ككل عام، يناقش المشاركون، على مدى ثلاثة أيام، واقع الإعلام في العالم العربي، تعمق الرقابة وسبل مواجهة التضليل الإعلامي عبر المنطقة.  تحت عنوان: «أريج.. عقد من الاستقصاء في العالم العربي؛ نسمع، نرى ونكشف»، يتبادل الأريجيون ومؤازروهم المعرفة والخبرات، خصوصًا تلك المتعلقة بتشفير بياناتهم وحماية أنفسهم في مناطق النزاع إلى جانب بناء السرد الإبداعي الذي يخطف الأبصار.

ننتظر الكثير من هذا التجمع السنوي. وهم يحتاجون دعمكم ويستحقونه.

اعلان
 
 
رنا الصباغ