Define your generation here. Generation What

العصيان المدني في السودان.. هل نحن في انتظار ميلاد ثورة؟

في الوقت الذي كان فيه الرئيس السوداني عمر البشير يستمتع بالرقصات المغربية الشعبية أثناء حضوره قمة المناخ بالمملكة المغربية قبل عدة أيام، كانت حكومته بالخرطوم تصدر قرارات اقتصادية صعبة قضت بتعويم الجنيه السوداني، ورفع الدعم عن السلع البترولية والأدوية لترتفع الأسعار بنسبة 150%، وأصبح الدولار الواحد يعادل 20 جنيهًا ليمثل هذا الأمر صدمة للمواطنين خاصة وأن الأوضاع الاقتصادية في الأساس ليست بحالة جيدة مع ارتفاع نسب البطالة ومعدلات الفقر، لتبدأ النقاشات حول كيفية التصرف حيال هذا الأمر.

(1)

بدأت تحركات بعض القوى السياسية في الشارع السوداني، خاصة في العاصمة الخرطوم، في شكل تنظيم وقفات احتجاجية، واجهتها السلطات بالقمع واعتقال ما يُقارب مئة شخص ليذهب الناس للخطة (ب)، ويبدأ ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي بالدعوة لعصيان مدني؛ رفضًا لكل ما يدور في البلاد، وحُدد يوم الأحد 27 نوفمبر لتنفيذ هذا الأمر، وبعد مرور يومين من هذا الإعلان أصبح يتصدر الميديا وانتقل ليصبح حديث الناس في الشارع.

في بداية الأمر تعامل النظام السوداني معه بلا مبالاة، وواصل البشير غيابه عن البلاد في المغرب وغينيا ومنها للإمارات العربية المتحدة حيث لا يزال هناك. ومع اقتراب اليوم المحدد حدث تحول كبير بعد إعلان قطاعات كبيرة استجابتها لدعوة العصيان، وتتالت بيانات القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني التي تدعوا الجماهير للعصيان، وأعلن نجوم المجتمع على صفحاتهم بفيسبوك استجابتهم للدعوة، في ذلك الوقت أحس النظام بالخطر، فسارع لعقد مؤتمر صحفي يوم الجمعة، قبل بدء سريان العصيان بيوم، وأعلن تراجعه عن رفع الدعم عن الأدوية وأنها ستعود بأسعارٍ أخرى، وعندما سُئل وزير الصحة عن العصيان المدني في المؤتمر الصحفي قال إنه لم يسمع به.

(2)

مساء السبت 26 نوفمبر نامت الخرطوم وأغلب السودانيين يتساءلون: ما الذي سيحدث غدًا، هل سينجح العصيان، أم أن تهديدات الحكومة، أن أي موظف سيتغيب عن العمل سيتم فصله، ستؤثر على الأمر؟

بحلول بداية الأسبوع، يوم الأحد «يوم العصيان»، والذي تكون الشوارع فيه عادة مزدحمة بشكل كبير، ويشهد ندرة في المواصلات، كان المشهد مختلفًا حيث خلت الشوارع من المارة والسيارات وأغلقت المحلات التجارية أبوابها ورفضت الأسر إرسال أبنائها للمدارس وحتى الجامعات.

عندها حلت الصدمة على الأجهزة الحكومية التي تعاملت مع الأمر وكأنها عاصفة إسفيرية/ إلكترونية وستمر، سارع التلفزيون الرسمي والقنوات لنقل مشاهد مباشرة من المصالح الحكومية واجتهد مصورو تلك القنوات في التقاط مشاهد تشير لشوارع مليئة بالسيارات والمارة ولكن «الشوارع لا تخون»*، ويومها لم تخن الشعب السوداني فحلَّت الصدمة والشلل على الأجهزة الأمنية التي تدربت على التصدي للمظاهرات والاحتجاجات، فكيف ستتصدى لبقاء الناس في منازلهم؟، والمربك في الأمر حتى الآن أنه لم تظهر شخصيات بعينها أو لجنة تبنت هذا العصيان ليتم اعتقالها أو التعامل معها بأي شكلٍ كان.

(3)

لماذا العصيان؟

قد يتساءل الناس: لماذا لجأ السودانيون للعصيان المدني بدلًا عن التظاهرات؟، والإجابة هي أن الشعب السوداني استرجع ذاكرته النضالية، حيث يُعتبر العصيان المدني سلاحًا مجربًا بالنسبة له، ونفذه في اقتلاع الحكم الديكتاتوري للرئيس عبود والإطاحة به في ثورة شعبية في أكتوبر 1964، و نفذه أيضًا في ثورة أبريل 1985 واقتلع الرئيس جعفر نميري.

الأمر الثاني أن التظاهرات تم تجريبها في هبّة سبتمبر 2013، التي كاد نظام البشير أن يسقط فيها لولا استخدامه للقوة المفرطة في قتل المدنيين؛ حيث سقط في تلك التظاهرات السلمية أكثر من 100 شخص أغلبهم من الشباب، وهو لن يتوانى عن تكرار هذا الأمر، كونه نظام لم يعد لديه ما يخسره ورئيسه مطلوب للمحكمة الجنائية بتهمة ارتكاب جرائم إبادة جماعية، فكان خيار العصيان المدني وسيلة للاحتجاج بجانب تجنب سقوط المدنيين مجددًا.

بجانب ذلك كان العصيان المدني خيارًا أفضل، بعدما عمل نظام الإخوان المسلمين في السودان على تجريف الحياة النقابية؛ حيث كانت النقابات في السابق تنظم وتقود حركة الاحتجاجات، فضلًا عن ضعف القوى السياسية المعارضة في تنظيم تظاهرات كبيرة ومؤثرة.

(4)

ما بعد العصيان

نجح العصيان ووصلت الرسالة من الشعب السوداني للنظام ولرئيسه البشير رغم قوله في حوار مع إحدى الصحف الخليجية إن «العصيان فشل بنسبة مليون في المئة»، ولكن التقارير التي وصلته ستكون أعلمته بحقيقة الأمر وليبقى السؤال: كيف سيتعامل مع هذا الأمر؟

النظام السوداني يعتقد أنه في وضع أفضل خاصة بعد تخفيف ضغوط المجتمع الدولي عليه، لا سيما أمريكا، بجانب تحسن علاقاته بدول الخليج خاصة السعودية والإمارات بعد «عاصفة الحزم»، وتدفق الأموال الخليجية، إضافة إلى ذلك تراجع العمل العسكري للحركات المسلحة في إقليم دارفور وفي جنوب كردفان والنيل الأزرق وهي جبهات تقود فيها المعارضة المسلحة حربًا ضد النظام في الخرطوم.

تحسنت أيضًا علاقات النظام مع دول الجوار التي كانت القوى المعارضة المدنية والعسكرية تعتمد عليها في السابق، حيث تحسنت العلاقة بين الخرطوم والقاهرة بجانب تشاد وإثيوبيا وليبيا وإريتريا.

لكن كل هذه العوامل لم تنعكس على الواقع في الداخل، حيث ترتفع معدلات الفقر والعطالة، بجانب انخفاض قيمة الجنيه السوداني مقابل الدولار وتعطل حركة الإنتاج، بجانب وجود أكثر من ثلاثة ملايين نازح نتيجة الحروب، وشلل الحياة السياسية واستمرار سياسات القتل والتشريد وقمع الحريات العامة والفساد المالي.

بعد هذا التمرين السلمي -العصيان المدني- وحالة الرفض والهلع التي أصابت الحكومة، سارعت لإغلاق قناة فضائية ومصادرة عدد من الصحف ومنع نشر أخبار العصيان، ولكن فات عليها أننا في عصر «فيسبوك وتويتر»، حيث تغيرت قواعد اللعبة ونجح الشباب -وأغلبهم غير منتمين لأحزابٍ سياسية- في تنظيم أنفسهم إسفيريًا/ إلكترونيًا، حيث لا تستطيع الأجهزة الأمنية أن تصل إليهم، وانتقل التأثير للشارع السوداني وللمواطن البسيط وأصبحت الشعارات الدينية للنظام لا تؤثر ولا تجدي.

هنالك خياران للنظام السوداني الآن: أما الدخول في حوار سياسي شامل يؤدي لإحداث تغيير جذري يقضي بتفكيك نظام الحزب الواحد، ووقف الحرب وإقامة حكومة انتقالية تحدث التغييرات المطلوبة لإقامة انتخابات عامة عادلة بعد فترة انتقالية كافية يكون هو جزء منها. أو الدخول في مواجهة مع الشعب السوداني الذي أصبح في حالة رفض للنظام ولسياساته التي أثبتت فشلها.

أعتقد أن النظام السوداني لن يعي الدرس، وهذا ديدن الشموليات، وأنه وصل لمرحلة من الصعوبة فيها إصلاحه، فخلال 27 عامًا دمَّر كل شيء وحوَّل صورة السودان من بلد ديمقراطي ومتحضر لبلد متخلف تنتشر فيه الحروبات والمجاعات، وعمل على تقسيمه وهدر موارده.

وبعد نجاح هذا التمرين العصيان المدني سيدخل السودانيون في أي وقتٍ المباراة الأخيرة لتغيير النظام بالأدوات السلمية، ولن يحتاج الشعب السوداني هذه المرة للمعارضة لكي تحركه حيث لن يستطيع الصبر على الأوضاع الاقتصادية وارتفاع الأسعار بشكل جنوني في ظل انعدام سياسات إصلاح هذا الأمر.

الخوف الآن هو أن يحوِّل النظام عملية التغيير من الطريق السلمي للحلول العنيفة، خاصة وأن وضع السودان حساس نسبة للاختلافات العرقية والدينية التي عمل النظام على تأجيجها، بالإضافة إلى انتشار السلاح واستعار الحروب في ثلاث جبهات داخلية، حينها سيكون ما يحدث في سوريا والعراق مجرد نزهة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*«الشوارع لا تخون» تعبير من قصيدة للشاعر السوداني محمد الحسن سالم حميد بعنوان «ماريل»، شاركه فيها الشاعر أسامة الخواض، و«ماريل» هي كلمة ظهرت مع الثورة السودانية في مارس-أبريل 1985، وأصبحت رمزًا لها بعدما مزجت اسما الشهرين.

اعلان