Define your generation here. Generation What

كيف سيهبط الدولار إلى 10 جنيهات (3): في انتظار المُحَكِّمين

في الجزء الأول من هذا المقال ظهر تجار الضوضاء وكأنهم يملكون قوة كاسحة. فبمجرد نشاطهم في السوق، والذي يحفزه البنك المركزي المصري بنفسه غالبًا، تقل الدولارات في البنوك، فيزداد السعر في السوق الموازية زيادات تغذي نفسها بنفسها، ولا يستطيع الجهاز المصرفي ككل منافسة السوق الموازية نتيجة شح الدولارات فيه وترتبك كل ضوابط سعر الصرف الاقتصادية والإدارية.

تلك الصورة التي ظهر بها تجار الضوضاء في الجزء الأول من المقال، باعتبارهم القوة الكاسحة القادرة على قلب الموازين بمجرد ظهورها، هي صورة غير واقعية، أو لا تنطبق في كل الأوقات على كل الأسواق المالية.  فبرغم السهولة التي يهزم بها تجار الضوضاء المركزي المصري تحديدًا، تتم هزيمتهم بسهولة في عديد من الأسواق المالية وفي كثير من الأوقات، باستثناء أوقات التذبذب العنيف في الأسعار. تتطلب هيمنة تجار الضوضاء على السوق أن يتجاوزوا عقبات كثيرة أكبرها أن يستطيعوا هزيمة نوع آخر من المضاربين والمستثمرين تنتجه السوق الحرة بشكل آلي، وهو نوع منيع تسميهم الأدبيات المالية «المُحَكِّمين». حددت طبيعة هؤلاء المُحَكِّمين في سوق الصرف المصرية بشكل رئيسي كيف انهارت العملة المصرية في الأربع سنوات السابقة، وطبيعة هؤلاء المُحَكِّمين هي التي ستحدد إذا ما كان الدولار سيهبط إلى مستوى 10 جنيه في الفترة المقبلة أم لا. لذا تعالوا نمر سريعاً على الأدبيات المالية التي تناولت مفهوم المُحَكِّمين لرسم ملامح هذه الفئة، وبعدها نعود الى سوق الصرف المصرية ومستقبلها في ظل التعويم الحالي.

كيف تهزم السوق الحرة المضاربين؟  

لا ينفي أنصار السوق الحرة، ومنظروها الذين يملكون دراية ببنية السوق الدقيقة وكيفية عملها وليس أنصارها بمعني المؤمنين بقدرتها بشكل غيبي وعصابي، وجود تجار الضوضاء في الأسواق وخصوصًا الاسواق المالية. لكن هؤلاء الآباء المؤسسين لنظريات كفاءة الأسواق الحرة مثل يوجين فاما أو ميلتون فريدمان، يؤمنون بسهولة التغلب عليهم نظراً لوجود ما يسمى بالمُحَكِّمين أو المضاربين العقلانيين، بتعبير فريدمان. المُحَكِّمون تجار سلوكهم منضبط وبديهي للغاية، لذا يصعب أن يخسروا في الاسواق وتصعب هزيمتهم.

ويشبه سلوك المُحَكِّمين السلوك البديهي للتجار المبتدئين. يشترون السلعة من السوق الأقل سعرًا ويبيعونها في السوق الأعلى سعرًا. وحتى في البيئات الأكثر تعقيدًا مثل الأسواق المالية، وفي النظريات التي تتبنى نماذج رياضية معقدة مثل نظرية التسعير المحكم أو نموذج تسعير الأصول الرأسمالية، يشبه سلوك المُحَكِّمين السلوك البسيط الآمن لتاجر مبتدئ. فهم مستثمرون ومضاربون يعرفون أكثر من غيرهم القيمة الفعلية للأصول المالية. مثلاً، يعرفون بدقة ما يسمى بـ«القيمة العادلة» للجنيه مقابل الدولار، والتي تتحدد وفقاً للأساسيات الاقتصادية لمصر. ويرتبط بيعهم وشراؤهم للدولار، أو لأي أصل مالي، بمقارنتهم بين سعره في السوق وقيمته العادلة. يبيعون عندما ترتفع الأسعار في السوق عن القيمة العادلة، ويشترون عندما تنخفض أسعار السوق عن القيمة العادلة. فلو كانت القيمة العادلة للدولار 10 جنيهات مثلاً، سيزيدون عرضهم لبيع الدولار إذا ارتفع سعره فوق ال 10، وسيطلبونه إذا انخفض تحت الـ10. هكذا تبقى الأسعار في الأسواق الحرة قريبة من قيمتها العادلة، وهكذا يربح المُحَكِّمون. هم فقط ينتظرون ظهور تفاؤل أو تشاؤم غير مبرر اقتصاديًا، كذلك الذي يملكه دائمًا تجار الضوضاء، الذين يشترون مع ارتفاعات الأسعار ويبيعون مع انخفاضها بغض النظر عن وضع الأساسيات الاقتصادية. يخلق هذا التفاؤل أو التشاؤم غير المبرر اقتصاديًا انحرافات سعرية عن القيمة العادلة. وهذه الانحرافات هي بالضبط ما ينتظره المُحَكِّمون لتحقيق ارباحهم الآمنة. هم فقط ينتظرون طيش وجهل تجار الضوضاء ليبيعوا الدولار بأكثر من قيمته الفعلية ويشتروه بأقل من قيمته الفعلية.

في منتصف القرن الماضي نشر ميلتون فريدمان، وهو من هو بالنسبة لأنصار السوق الحرة، كتابه «مقالات في الاقتصاد الواقعي Essays In Positive Economics». نظر فريدمان لكلمة واقعي positive باعتبارها مضاد كلمة normative أو معياري. وكان يحاول تقديم صورة أكثر واقعية لإدارة الاقتصاد، وخالية من معايير «ما يجب أن يكون»، مثل العدل والحق.. إلخ، والتي تضعف فهمنا لطريقة عمل الآلة المعقدة التي تسمى الاقتصاد الكلي.

في المقال الخاص بتعويم أسعار الصرف، قدم فريدمان التصور الأكثر تقليدية وشيوعًا فيما يخص المعركة بين تجار الضوضاء والمُحَكِّمين.  يقول فريدمان: بالطبع سينجح المضاربون أصحاب الرشادة، أي المُحَكِّمون، في تحقيق استقرار الأسعار في سوق حرة. فالمضاربون الذين يزعزعون استقرار الأسعار، أو تجار الضوضاء، يشترون عادة عندما ترتفع الأسعار ويبيعون عندما تنخفض. وهم بذلك يخالفون البديهية الأولى للتجارة «بع عاليًا واشتري منخفضًا».  وهذه الفئة غالباً ما تخسر أو يتم طردها من السوق سريعًا. في مقابل هذا، هناك مضاربون، أو مُحَكِّمون، يحققون أرباحاً عن طريق التداول ضد المضاربين الأقل عقلانية من تجار الضوضاء، ممن يدفعون السعر بعيدًا عن الأساسيات الاقتصادية. المستثمرون أصحاب الرشادة حتمًا يلغون الانحرافات السعرية عن القيمة وفق الأساسيات، ويعملون على استقرار الأسعار.

كانت إجابة فريدمان هذه مفارقة عجيبة. فقد كانت شديدة المعيارية في كتاب فكرته الأساسية وضع تصور واقعي مقابل التصورات المعيارية. اعتبر فريدمان أن العقلاء سيهزمون غير العقلاء منتصرًا لمعيار الرشادة بدون أي دليل تجريبي أو مادي. وقد انهالت الأدلة التجريبية في منتصف الثمانينيات لتثبت أنه، في ظروف كثيرة، العقلاء لا ينتصرون. ويؤكد كم هائل من الدراسات التجريبية، التي تؤيدها نتائج اختبارات إحصائية، إمكانية تفوق مضاربي الضوضاء على القوى التحكيمية في أسواق متعددة كأسواق الأسهم والعملات والعقارات.

وبغض النظر عن الجدل الأكاديمي حول حدود قوة المُحَكِّمين، فإن ما يهمنا في الحالة المصرية هي أنهم لا ينتصرون بصفتهم عقلاء، بل يتوقف انتصارهم على قوة مراكزهم المالية. هل يملك المُحَكِّمون في سوق الصرف المصرية الدولارات الكافية لبيعها عندما ترتفع أسعار الدولار عن القيمة العادلة؟ وهل يستطيعون زيادة عرض الدولار بكميات لا يستطيع طلب تجار الضوضاء غير العقلاني التهامها والصعود بالأسعار بعيدًا عن الأساسيات الاقتصادية رغم أنوف المُحَكِّمين؟ من هم المُحَكِّمون في سوق الصرف المصرية أصلا؟

المركزي المصري كمُحَكِّم: سياسات تثبيت سعر الصرف من 2005 الى 2012

يمكن النظر لسياسات تثبيت سعر الصرف باعتبارها شكلًا عنيفًا من أشكال التحكيم يختلف عما هو سائد من التحكيم باعتباره نشاطًا عفويًا في السوق، يلغي الانحرافات السعرية التي يصنعها مضاربو الضوضاء. تثبيت سعر الصرف إجراء مركزي يقتل أثر مضاربي الضوضاء قبل أن يبدأ. فالبنك المركزي لا يحرك أسعار الصرف إلا في نطاق ضيق (مثلاً من 5.70 الي 6.10). وحتى إذا قامت حفنة من مضاربي الضوضاء بحجب الدولار عن التداول أو شرائه بأعلى من سعره في البنك بسبب هذه الحركات الطفيفة، فسيحققون خسائر لأن البنوك تبيعه فعليا عند 6.10، وهو مستوى أقل من أسعارهم التي اشتروا بها وأقل من توقعاتهم. بالتالي، فإن التثبيت يقوم بفعل المُحَكِّمين في السوق الحر بشكل أكثر عنفًا وأقل عفوية.

ليس جوهر سياسات تثبيت سعر الصرف هو تحديد سعر معين وعدم التخلي عنه، بل توفير دولارات عند هذا السعر المحدد رسميًا. في حالة جفاف الدولارات في الجهاز المصرفي، وهي الحالة التي تحدث عند التخلي عن تثبيت سعر الصرف، يتم استدعاء مضاربي الضوضاء من خلال المركزي المصري، وتختفي نسب تنازلهم عن الدولار للبنوك وتغذي توقعاتهم نفسها بنفسها في السوق الموازية. أما حالة تثبيت سعر الصرف فهي نقيض ذلك. ففي التثبيت، تكون نسب تنازل حائزي الدولار عالية ومستقرة، فتزداد حصيلة البنوك من الدولار نتيجة خمول مضاربي الضوضاء. لدرجة أنه أحيانا يدخل المركزي المصري كمشترٍ للدولار من البنوك. وقد كانت هذه الحالة التي يشتري فيها المركزي الدولارات من البنوك موجودة في أوقات استقرار سعر الصرف 1994-1997، كما ورد في دراسة محمود ابو العينين محافظ المركزي السابق لفاروق العقدة. كما حدثت أيضاً في عهد العقدة من 2005 إلى 2009. جوهر سياسات تثبيت سعر الصرف هو عرض الدولار عند الأسعار التي حددتها بنفسك، وسيضمن هذا العرض استقرار الأسعار، وسيضمن تدفق الدولارات إلى البنوك، وبالتالي يضمن قدرة المركزي على تجديد احتياطيات النقد الأجنبي والاستمرار في السوق كمحكم.

المركزي المصري كنصف محكم: سياسات سعر الصرف المرن من 2012 إلى قرار التعويم

عندما تحدث صدمات لإيرادات الدولار في الاقتصاد العيني، كصدمة السياحة والاستثمارات الأجنبية بعد 2011، يضطر المركزي المصري للدخول كبائع للدولار في البنوك بصفته مُحَكِّمًا، فتنخفض احتياطاته النقدية الأجنبية، فيخشى عليها من التآكل أو تتطوع جهات معينة، على الأرجح صندوق النقد الدولي، للنصح بالتوقف عن ضخ الدولارات في السوق وترك السوق الحرة تفرز محكميها العضويين. ودائمًا ما تتزامن هذه الخطة لتقليل ضخ دولارات في السوق مع تحريك المركزي سعر صرف الدولار لأعلى، متصورًا أن ذلك يمكن أن يزيد من تدفق الدولارات للبنوك. بدأت هذه السياسات عندما ذهب محمد مرسي في 2012 إلى صندوق النقد الدولي بعد الثورة، واستمرت السياسات إلى الآن بدرجات أعنف.

في ديسمبر 2012، تم تغيير نظام تداول الدولار بين البنوك من نظام الإنتربنك إلى العطاءات حتى يستطيع صندوق النقد مراقبة كمية الدولارات التي يضخها المركزي في السوق بوضوح. وبدأ المركزي في رفع أسعار الدولار، وفي ضخ الدولارات للبنوك بصورة أكثر تحفظًا مما سبق. كل ذلك طبعا حفاظاً على احتياطاته النقدية من التآكل.  نعلم الآن ماذا حدث. نعلم أنه أيقظ مضاربي الضوضاء. وأول ما فعلوه هو الانسحاب من البنوك بدولاراتهم، لتجف حصيلة البنوك الدولارية. في هذه الحالة صارت معظم التزامات البنوك التجارية تجاه العملاء ممولة من المركزي المصري مباشرة. تحول البنك المركزي إلى بائع للدولارات. في هذه الحالة تصبح الاعتمادات المستندية الخاصة بالمستوردين وطلبات تخارج المستثمرين الأجانب ممولة مباشرة من البنك المركزي، إذا لم تكن هناك دولارات كافية في الجهاز المصرفي. ولو استخدمنا هذه العلاقة البسيطة بين كمية الدولارات في البنوك ووضع المركزي كبائع او مشترٍ للدولارات، نستطيع تفسير أشياء وتصريحات تبدو غريبة، مثل تصريح عامر الأخير أنه يتوقع ارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي بسبب التعويم في الشهور القليلة القادمة بـ6 مليارات جنيه برغم أنه يستحيل أن يحقق ميزان المدفوعات فائضاً بـ6 مليارات جنيه في هذه الفترة القصيرة. والأهم أننا سيمكننا تفسير الشكل الغريب للاحتياطيات النقدية الأجنبية لمصر منذ بداية الألفية الثالثة.

شكل (1)

%d8%a7%d8%ad%d8%aa%d9%8a%d8%a7%d8%b7%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%82%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ac%d9%86%d8%a8%d9%8a

شكل (2)

%d9%82%d9%8a%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%aa%d8%b1%d8%a8%d9%86%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a7%d8%b1%d9%8a

شكل (3)

%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%ac%d8%b2-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%8a%d8%b2%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ac%d8%a7%d8%b1%d9%8a

لو نظرنا للشكل رقم 1، نجد أن فترات التخلي عن تثبيت سعر الصرف، وهي السياسات التي تهدف أساساً للحفاظ على الاحتياطي النقدي، أو بنائه بعدم ضخ دولارات في السوق، هي تحديدًا الفترات التي يجمد بها الاحتياطي النقدي، وتقل فيها نسب نموه بشكل ملحوظ. في حين أنه في الفترات التي يتبنى فيها المركزي المصري سياسات التثبيت، أو يقوم بدوره التحكيمي بشكل كامل، يزداد الاحتياطي النقدي بشكل ملحوظ. فقد ازداد من 2005 إلى 2008 بنسبة 130% برغم أنه لا يوجد في ميزان المدفوعات ما يفسر هذه الزيادة العنيفة. يتعلق الأمر غالباً بأن الضغط على الاحتياطي النقدي يقل كلما ارتفعت حصيلة البنوك من الدولار. فسياسات تحرير سعر الصرف، التي تبدأ أساساً لتخفيف الضغط على الاحتياطي من خلال تقليل كمية الدولارات التي يضخها المركزي في السوق، تخلق جفافًا في حصيلة البنوك الدولارية، لأنها تحفز مضاربي الضوضاء فينسحبون من البنوك، ويخلقون ضوضاء تغذي نفسها بنفسها خالقةً انسحابات جديدة من البنوك للسوق الموازية. هكذا يظهر ضغط استثنائي على البنك المركزي مجددًا، وهو ضغط أعنف من الذي حاول التملص منه بسياساته الغبية بتخفيض سعر الصرف وتقليل ضخ دولارات في السوق في أوقات الأزمات. ويمثل الشكل 2 كمية الإنتربنك الدولاري (يعني كمية الدولارات المتداولة بين البنوك وبعضها بما فيها البنك المركزي، وبالطبع أرقام الإنتربنك الدولاري لا تتطابق مع حصيلة البنوك من الدولار، فهي حصيلة مباعة ومشتراة أكثر من مرة. لكن يمكن أن تعبر الزيادة والنقصان في الإنتربنك عن زيادة او نقصان الحصيلة الدولارية في البنوك).

أما الشكل 3 فهو يمثل تطور عجز الميزان التجاري. انظر كيف يزداد الاحتياطي النقدي الأجنبي بزيادة الإنتربنك الدولاري. الشكلان 1 و2 متطابقان تقريبًا. عندما يزداد الإنتربنك، يزداد الاحتياطي والعكس صحيح. ثم انظر لشكل الخط الذي يصور العجز في ميزان التجاري لتجد أن لا علاقة له بالشكلين السابقين تقريبًا. يوضح ذلك أن حصيلة البنوك من الدولار هي القناة الأساسية لدخول إيرادات ميزان المدفوعات إلى احتياطي النقد الأجنبي، وكيف سد عامر ومن سبقوه هذه القناة بسياساتهم طوال الأربع سنوات السابقة.

في أواخر عام 2015 استدعى  بنك الاستثمار اي اف جي هيرمس كل كهنوته المالي باعتباره أكبر بنك استثمار في الشرق الأوسط ونشر تقريراً بعنوان «ماذا تخبئ 2016 لمنطقة الشرق الأوسط».  يشيد التقرير الذي يحتوي على نزعة تنبؤية عالية، كما هو واضح من عنوانه، بسياسات تخفيض سعر صرف الجنيه السابقة، ويؤكد أن السوق تحتاج لمزيد من التخفيض في قيمة الجنيه حتى تزداد السيولة ويزداد تدفق الاستثمارات، إلى آخره من هذا الكلام المستهلك.

كان تقرير هيرمس يتوقع أن يصعد سعر الدولار في 2016 إلى 8.3 جنيهات وفي 2017 إلى 9 جنيهات. تعرف أنت الان -بسبب الأسعار التي تختبرها حاليًا- أن هذه التوقعات هي بهذا القدر من الخطأ لأنها تهمل أثر تجار الضوضاء وتهمل فكرة أن تخفيض سعر الصرف، والضوضاء التي يحدثها، يقللان من سيولة السوق، وليس العكس. ففي ظل وجود مضاربي ضوضاء بهذا الحجم الموجود في السوق المصرية، فإن كل خفض للجنيه يتلازم مع خفض في كميات عرض الدولار في السوق الرسمية سيستدعي جفافًا في تدفقات الدولار الداخلة لهذه السوق.

سيستدعي الخفض الاول الاختياري خفضًا ثانيًا وثالثًا، تستدعي بدورها تخفيضات أخرى جبرية ثم تعويمًا. من ضمن الحقائق التي باتت جلية في هذه الازمة أن المركزي يستحيل أن يستمر في السوق كنصف محكم. إما أن يعود لدوره التحكيمي كاملًا، وإما أن يترك دوره التحكيمي نهائيًا. ولقد اختار أن يتركه نهائياً، ويقوم بالتعويم. فهل يفرز التعويم مُحَكِّمين قادرين على إرجاع أسعار الجنيه مقابل الدولار إلى قيمة عادلة؟

——————————————————————————————————–

الجزء القادم: «المُحَكِّمون في سوق حرة: التعويم الحالي» هو المقال الاخير من هذه السلسلة.

اعلان