Define your generation here. Generation What
عين على السينما الجديدة: كوثر يونس.. وتسجيل الواقع والذاكرة
 
 

في العشرين من سبتمبر سنة 2013 أهدت المخرجة كوثر يونس والدها الدكتور مختار يونس، الأستاذ بالمعهد العالي للسينما، بطاقة طيران، بصحبتها، إلى إيطاليا بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسبعين. كان الهدف المعلن هو محاولة لقاء إمرأة كان قد أحبها في الماضي وحكى عنها لابنته قصصًا متناثرة، أما الهدف الخفي فكان رغبة كوثر أن تخوض تجربة صناعة فيلم تسجيلي من واقع الرحلة واللقاء، ورصد علاقتها بوالدها بتفاصيلها وتعقيداتها وثراء المشاعر التي تجمعهما.

كانت النتيجة مثيرة للانتباه. فقلما نجد اليوم فيلمًا تسجيليًا بهذا القدر من الإثارة والجذب وسهولة الوصول للمتلقين، كما لو كان فيلمًا روائيًا تشكلت فيه عناصر الإثارة عن طريق مكونات غير واقعية لترك أثر عميق في نفوس مشاهديه. ولكن في فيلم كوثر يونس «20 سبتمبر» نضحك ونبكي وننتظر النهاية على مدار العمل بالرغم من اعتيادية مشاهده وقصته وشدة واقعيتها.

التقطت المخرجة هذا الواقع بواسطة تليفون محمول أخفته عن والدها وكل من لعب دورًا في الفيلم؛ حتى لا يصنع حاجزًا لواقع قررت تأليهه في فيلمها. كانت عدستها، ومن ورائها عيونها، تخترق اعتيادية هذا الواقع لتلتقط مشاعرًا قلما نجهر بها، سواء كانت العلاقة الباطنة لأب وابنته في أسرة تقليدية٬ أو الحب كماضي غير معلن.

تحدثنا مع كوثر عن «20 سبتمبر»، بمناسبة عرضه في سينما «زاوية» في الثلاثين من الشهر الجاري.

*مدى مصر: كيف فكرتِ في القيام بفيلم عن والدك؟ ما هو السبب الشخصي الذي دفعك للقيام بهذا، ولماذا أردتِ أن تصنعي من أمر شخصي مشروعًا فنيًا، وتحديدًا فيلم تسجيلي؟

كوثر: قمت بالفيلم لثلاثة أسباب: في صغري٬ حكى لي أبي كثيرًا عن امرأة كان قد عرفها تدعى بتريتسيا، ولم تبدو أنها كانت قصة منتهية، كان يبدو متأثرا جدًا بها. وعندما كان عليّ أن أقوم بفيلم تسجيلي كجزء من دراستي في المعهد العالي للسينما٬ فكرت أنه ربما كان لدي إخوة، بما أن والدي كان على علاقات مع نساء في إيطاليا وبما أنه ترك بتريتسيا فجأة. ومن هنا جاءت فكرة أن أنظم لقاء بينهما. ولتحقيق هذه الفكرة٬ كان علي توفير المال.

وفي وقت تفكيري في الفيلم كنت قد خرجت من علاقة بشكل قاطع، وبت لا أعرف شيئًا عن الشخص الآخر، وهو أمر مشابه لما فعله والدي ببتريتسيا. فربما كان الفيلم طريقة للتعامل مع نفسي. لم أكن أريد أي شيء من هذا الشخص سوى الاعتذار. وتخيلت أن بتريتسيا شعرت بالشعور نفسه لفترة طويلة. فقلت لنفسي إننا ربما سوف نجدها، أو ستكون قد ماتت، ولكن إن وجدناها فسيكون إحساسًا مريحًا، لها ولي.

هناك شيء أخر، وهو أن عائلتي قامت بالكثير من أجلي وأعطتني الكثير. كنت أريد من خلال الفيلم أن أقدم لهم شيئًا ما، وخاصة لوالدي. كنت في التاسعة عشر آنذاك وكان أبناء جيلي وقتها لا يهتمون بعائلاتهم ولكني أردت، إن نجحت في توفير المال، أن أقدم شيئًا له.

*مدى مصر: هل كانت هناك لحظات شعرتِ فيها أن الفيلم يُظهر الكثير من التفاصيل الشخصية الكاشفة؟ وهل استخدمتِ المونتاج للتعامل مع هذه اللحظات وحذف بعضها؟

كوثر: نعم كانت هناك لحظات من هذا النوع. عند تصوير الفيلم٬ قابلتني لحظات من عدم التأكد إن كنت سأنجح في إنجازه من الأساس. ولكن في كل الأحوال كنت أقول لنفسي إنه حتى في حالة عدم إنجازه فأنني سعيدة بالتجربة على المستوى الإنساني. طبعًا كانت هناك لحظات كثيرة من القلق مع والدي لأني كنت أصوره دون علمه. أما أثناء المونتاج٬ فكنت مهتمة بإبراز واقعية الفيلم. كانت إحدى مشاكلي أنني أرى نفسي كشخص سخيف في الفيلم٬ فالمونتاج أعطاني فرصة أن أنظر إلى ذاتي من الخارج. ولذا أمضيت وقتًا طويلًا فيه، وتوقفت فترة من حدة اكتئابي مما كنت أراه، ولكنني لم أقم بحذف مشاهد أُحرجت منها.

*مدى مصر: ما الذي تعلمتيه من عملية صناعة هذا الفيلم، كابنة، وكمخرجة تبحث عمّا هو شخصي في صناعة السينما؟

كوثر: بعد الفيلم اختلفت علاقتي بوالدي تمامًا؛ فهمته أكثر، وأعتقد أنني فهمت الرجال أكثر بشكل عام.

13

لقطة من الفيلم

كمخرجة٬ تفهمت أهمية الواقع في صناعة السينما وأهمية أن يكون الأداء حقيقيًا في أي فيلم خاصة في نوع الأفلام التي أقوم بها والتي تقوم بالأساس على الشخصيات أكثر من الأحداث. أصبح لدي وعي أكبر بأهمية الشخصيات في الفيلم، وتعلمت أيضًا كيف أتعامل مع من أصورهم حتى يتحقق أداء واقعي وحقيقي منهم. فقد كانت إحدى مشاكلي المتكررة مع الأفلام هي أني لا أصدق الشخصيات أو أشعر أنها غير كاملة. فهمت أكثر في المجمل بُعد الشخصيات في الدراما. فالإنسان كائن شديد التعقيد ولذا كنت أصور طوال الوقت على أمل أن ألتقط هذه التفاصيل وهذا التعقيد. كما أعطاني الفيلم فرصة التعرف على عائلتي بشكل أحسن. فتعرفت مثلًا أكثر على تصرفات والدتي، ولحظات غيرتها عندما عرفت أننا سوف نبحث عن بتريتسيا، واللحظات الأخرى التي كانت تظهر فيها لا مبالتها.

*مدى مصر: من الواضح أن المشاعر لعبت دورًا كبيرًا في الفيلم ولذا خرج لنا كعمل مؤثر للغاية. هل كان ذلك مقصودًا، وإذا كان كذلك، كيف عملتِ على إبراز المشاعر والتقاطها؟

كوثر: لعبت المشاعر دورًا كبيرًا جدًا في الفيلم بالفعل. كنت أريد أن أُضحك الناس وأُبكيهم. ولذا كان التقاط مشاعر حقيقية من أصعب عناصر العمل. فلو كنت قد أبلغت والدي بأنني أصوره لم يكن ليظهر بهذه الواقعية في مشاعره. فهو بطبعه شخص ذو كاريزما وخفيف الظل. كما أنه كان قام بالتدريس لي في فترة بالمعهد، ولذا أعرف الفرق عندما يكون نفسه وعندما يؤدي دورًا. كان يهمني أن أبرز علاقتي به كأب وليس كأستاذ في الجامعة، ولم يكن هذا ممكنًا دون التقاط المشاعر طوال الوقت، وهو ما تطلب التصوير طوال الوقت. فأصبح لدي 350 ساعة من التصوير المستمر.

*مدى مصر: كيف تفاوضتِ مع جميع من ظهروا في الفيلم لقبول عرضه بعد الانتهاء منه؟

film-still-1

لقطة من الفيلم

كوثر: كان مشروع الفيلم من البداية مجازفة كبيرة حيث توقعت عدم موافقة والدي على عرضه. وفي حين وافقت والدتي وأختي اللتين ظهرتا في الفيلم٬ كان الوضع مختلفًا مع والدي؛ قمت بعرض خاص له في قاعة بمركز الإبداع الفني. خرج سعيدًا جدًا بالفيلم ولكن حين عدنا إلى المنزل قال لي إنها حياته الشخصية، وأنه ليس من حقي عرضها على الملأ. تقبلت الأمر، وفي اليوم التالي كانت هناك جلسة تحكيم لي في المعهد فأبلغني بموافقته على عرض الفيلم. أعتقد أنه أحبه جدًا. وكما نرى في الفيلم٬ فهو في كثير من الأحيان يبدأ بالاعتراض على الأشياء ثم يوافق. ولقد توقعت اعتراضه وتقبلته وتعاملت مع الفيلم كعمل للعائلة، ولكن بداخلي كان لديّ شعور أنه سوف يوافق كما لو كان قد توقع هذا الفيلم أثناء قيامي به. ولقد كان سعيدًا جدًا بالفكرة، والآن أسعد أيام حياته هي عندما يسافر معي لحضور مهرجانات وعندما يحدثه الناس عن الفيلم ودوره فيه.

*مدى مصر: هل كان اعتمادك على تليفون محمول في التصوير محاولة للتصوير الخفي؟ وهل كنتِ تحاولين إبراز إمكانية تصوير فيلم بالكامل باستخدام التليفون؟

كوثر: استخدام التليفون في التصوير كان مهمًا جدًا، لأنه الآلة الوحيدة التي أحملها معي في كل مكان وكل الوقت. أعتقد أنني بعد تصوير الفيلم وإتمامه أثبت لنفسي ولغيري أننا لسنا متوقفين على المعدات والتكنولوجيا والإمكانيات والأموال عندما نريد أن نصنع أفلامًا. بالتأكيد التمويل عنصر مؤثر ولكن يمكننا فعل الكثير حتى لو لم يتوفر التمويل.

كما كنت أحاول أن أبتكر في أساليب التوثيق، استخدمت نظارة بها كاميرا خفية وأحيانًا كنت أترك كاميرا اللاب توب مفتوحة. في النهاية ساعدتني هذه التجربة في التأكد من إمكانية القيام بأي شيء بغض النظر عن الموارد.

كان يمكنني أن أنجز هذا الفيلم بميزانية أكبر ولكنه خرج بصورته هذه بهذا التمويل المحدود. أعلم مدى صعوبة إيجاد تمويل للأفلام في مصر ولكن إذا قمنا بالبحث والاجتهاد يمكننا إيجاد حلول حتى لو تطلب ذلك الكثير من الوقت.

*مدى مصر: كيف قمتِ بإنتاج هذا الفيلم؟

كوثر: لم يكن لدي أي مال للقيام بهذا الفيلم. لم يكن لدي حتى ما يكفي لشراء جهاز الآي فون الذي صورت به، وكنت وقتها أستخدم تليفون نوكيا قديم يستوعب عشرة صور فوتوغرافية فقط. فكان عليّ أن أوفر المال لشراء التليفون واللاب توب وتذاكر الطيران. كان علي توفير الكثير من المال. فبدأت أعمل كمساعد مخرج في إعلانات لمدة عام ونصف العام، حتى وفرت ما احتجته من مال. لم يكن الأمر سهلًا، ولكنه لم يكن شديد الصعوبة أيضًا. فعندما تعمل من أجل هدف ما، لا تشعر بضيق خاصة عندما ترى النتيجة. كان يمكنني أن أنجز هذا الفيلم بميزانية أكبر ولكنه خرج بصورته هذه بهذا التمويل المحدود. أعلم مدى صعوبة إيجاد تمويل للأفلام في مصر ولكن إذا قمنا بالبحث والاجتهاد يمكننا إيجاد حلول حتى لو تطلب ذلك الكثير من الوقت.

*مدى مصر: ما هو مشروعك القادم؟

كوثر: فيلمي القادم هو عن يوم غريب في حياتي قررت أن أحوله لفيلم روائي قصير يحكي عن آخر ساعات قضيتها مع إحدى أعز صديقاتي في القاهرة قبل هجرتها من البلد. أحاول من خلال هذا الفيلم أن أعتمد على عناصر حقيقية وشخصيات حقيقية، وآمل أن استطيع دعوة صديقتي وزوجها للقيام بدورهما في الفيلم، كذلك آمل ان أقوم بالتصوير في الشقة نفسها التي كانا يقطنان بها قبل رحيلهما. سيتم تنفيذ الفيلم بشكل تشاركي معتمد على استخدام سيناريو مستوحى من أحداث هذا اليوم كدليل إرشادي للفريق، ثم يقوم كل ممثل/ة بإضافة أجزاء نصية وتفاصيل تخدم شخصيته والمشهد الذي نريد تصويره، بهدف إبداع رؤية جديدة لهذا اليوم العجيب. أنا الآن بصدد الإعداد لهذا العمل وسوف أضع كل العائد المادي من فيلمي الأول في تحضيره.

اعلان
 
 
لينا عطاالله