Define your generation here. Generation What

البوصلات المصرية المتأرجحة على الساحة السورية

صباح أمس الخميس نشرت السفير اللبنانية خبرًا عن وصول طلائع لقوات مصرية إلى سوريا، وتواجد حوالي 24 من العسكريين المصريين على الساحة العسكرية هناك؛ وحدة جوية قوامها 18 من طياري المروحيات وصلوا لقاعدة حماة الجوية، تقدمها أربعة من ضباط الأركان الكبار، فضلًا عن اثنين يحملان رتبة اللواء، تواجدوا في قيادة الأركان السورية بالعاصمة دمشق، وقاموا بتفقد مواقع عسكرية.

الخبر الذي نُشر مثيلًا له قبل ثلاثة أسابيع في وكالة أنباء تسنيم الإيرانية، وسارعت الخارجية المصرية على لسان المتحدث باسمها لنفيه في حينه، عاد بصيغة مشابهة وإن كان بتفاصيل أكبر، وأعيد نفيه. ورغم سيناريو إثارة الخبر من جهات إعلامية محسوبة على النظام في سوريا، وإعادة نفيه مصريًا، تظل هناك مساحة للتداول حول بواعث هذا الاستدعاء لمصر في معادلة الأزمة السورية، فمؤشرات عديدة تدعمه، وتكشف صعودًا واضحًا في منحنى العلاقات المصرية السورية، معلق بحسب ما وصف وزير الخارجية السوري وليد المعلم على «قفزة صغير» ليعود مسار العلاقات بين القاهرة ودمشق لسابقه. فهل تكون هذه المشاركة المتكهن بها هي القفزة؟

بعد سكوت طويل، لوَّح الرئيس السوري بشار الأسد، في تصريحات تليفزيونية قبل ما يزيد على العام، بثقل القاهرة في مواجهة الرياض، قائلًا إن «العلاقة بين سوريا ومصر هى التى تحقق التوازن على الساحة العربية.. وبكل تأكيد من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق مصر دولة مهمة والخصوم فى المنطقة يركزون الضغوط على مصر، لكي لا يسمحوا لها أن تلعب دورها المأمول.. ما نريده نحن في المرحلة الأولى ألا تكون مصر منصة انطلاق ضد سوريا أو ضد غيرها من الدول العربية». وتتضاعف قيمة إشارة كهذه إذا ما نُظر إليها ضمن سياق لإشارات تقارب عديدة أخرى جمعت بين السيسي وحليفي بشار الرئيسيين، روسيا إيران، في الوقت الذي تتدنى فيه سريعا العلاقات بين السعودية ومصر.

كما كانت زيارة اللواء علي المملوك، رئيس مكتب الأمن الوطني السوري، الرسمية المعلنة إلى القاهرة في الشهر الماضي بمثابة رافعة أخرى لسقف هذه التكهنات، في الاتجاه ذاته، لكن الإشارة الأكثر جلاءً جاءت من طرف القاهرة، في سياق تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي لفضائية برتغالية قبل يومين، والتي أكد فيها صراحة دعم مصر للجيش السوري، وحين استوضحه محاوره رد مؤكدًا الأمر دونما لبس.

في إطار ظاهرة الإعلان والنفي المتكرر، ربما يُثار السؤال عن ارتباط التواجد العسكري (إن صح) بالأنشطة التدريبية للجيش المصري مع القوات الروسية. ووجود هؤلاء العسكريين ضمن برنامج تدريب لطياري المروحيات الروسية المجهزة بها حاملتي المروحيات المصريتين الجديدتين من طراز ميسترال. كانت أخبار عدة قد أفادت ببدء برنامج تدريب لأطقم حوالي خمسين مروحية روسية من طراز «تمساح كا 52» ستربض على الحاملتين، وتتواجد مثيلاتها بقاعدة حماة التي يهيمن عليها الروس حاليًا. ويرجح أن هؤلاء الطيارين أنفسهم كان جزءًا من تدريبهم ضمن مناورة بحرية وبرية مصرية روسية جرت أواخر الشهر الماضي في المتوسط، تحت عنوان «حماة الصداقة»، صممت بتصور عمليات إنزال جوي بالمروحيات المنطلقة من البحر ضد قوات ميليشياوية، في ما يشابه الوضع على الساحة السورية والعمل ضد داعش.

يذكر أن القطع البحرية التي شاركت في هذه المناورة وسلسلة أخرى من المناورات مثلت النشاط العسكري الأكبر لروسيا في شرق المتوسط منذ انتهاء الحرب الباردة- قد جرى استقبالها في قاعدة سيدي براني (كانت قاعدة مجهزة للقوات الروسية العاملة في مصر منذ ستينيات القرن الماضي وأخليت قبيل حرب أكتوبر 1973). وقد انضمت لاحقًا إلى قوة مشتركة من أساطيل روسيا الأربعة وعلى رأسها أسطول بحر الشمال الروسي، الذي حط رحاله في شرق المتوسط منذ أسبوعين، وانطلقت بالفعل هجمات جوية من حاملة الطائرات الأميرال كوزنتسوف العاملة ضمن هذا الأسطول استهدفت مواقع تنظيم داعش بريف حلب الشمالي.

وهل هذا يعزز الظن بأن التدريب المشترك جاء تمهيدًا لمشاركة مصرية في عمليات إسناد بحري للقوات الروسية؟ يظل السؤال عالقًا، فيما لا تتوافر أي معلومات عن احتياج سوري حال لمؤازرة عسكرية مصرية في عمليات جارية. الخلاصة أنه مع استبعاد مبرر وجود هؤلاء العسكريين كمقدمة لحشد بري، يظل احتمال أنه يأتي في إطار تدريبي أو تنسيقي (أو حتى استخباري ضد عناصر داعش) معاون للقوة الروسية دون انخراط قتالي مباشر، احتمالًا قائمًا.

ما ينسب إلى «مصادر عربية» مُجهلة أسندت إليها «السفير» هذا التكهن عن قرب وصول مدد مصري كبير قريبا (حددت له تلك المصادر يناير القادم موعدًا) يعزز ما في الطرح من حس دعائي يتعجل تغير التوازنات والمشهد في سوريا، ويكرر التلويح باتساع مساحة تأييد نظام الأسد، وهو ما دأبت عليه آلة الدعاية الموالية لدمشق.

التهليل بحشد بري مصري في سوريا يبدو بعيدًا عن المنطق حاليًا ولا توجد أدنى مؤشرات على إمكانه. وحتى وإن حدث مثل هذا الاتفاق على مشاركة مصرية في الساحة السورية، فالأقرب إلى المنطق هو أن تركز على إسناد قتالي نوعي، يدفع بالقدرات البحرية والجوية والدفاع الجوي والاستخبارية لدعم عمليات السوريين والروس، هذا دون تمرير قوات برية مصرية كبيرة، أو حتى الدفع بفرق عمليات خاصة وقوات من الصاعقة كما يذهب توقع المصدر المجهل. والظن أن أقصى التصور الآن هو تدخل مصري على غرار مشاركات قوات جنوب أوروبا (الفرنسية والإيطالية بالخصوص) في الساحة السورية.

تقارب القاهرة جهة روسيا وسوريا وإيران يستهدف في ما يبدو استعادة دور مصري إقليمي على غرار ما كان موجودًا قبل الثورة. وثمّة حوافز لدى النظام للقيام بتحركات إقليمية منافسة لتطلعين للقيادة الإقليمية: أحدهما تركي، له بالفعل وجود على الأرض، حيث تقف قواته وميليشات حليفه له في مواجهات بشمالي سوريا وفي العراق، وهو تطلع مدفوع بضغوط المسألة الكردية في تركيا والتي تمتد للبلدين العربيين، فضلًا عن رهان أردوغاني على فرصة سانحة لممارسة نفوذ إقليمي واسع يعزز المصالح الاقتصادية والاستراتيجية التركية في المنطقة. أما الآخر فسعودي، أسندته إلى الرياض حالة ضعف القوى العربية الرئيسية ومنها مصر، وتضاعف مع صعود المواجهة غير المباشرة بين طهران والرياض. بدا للنظام في القاهرة أن الروس قد دفعوا بأنقرة بعيدًا عن الشمال السوري وعطلوا تطلعاتها، فيما محاولات الرياض لضبط الأوضاع الإقليمية لصالح استراتيجيتها في مجابهة الطموحات الإيرانية، قد منيت بالفشل، وباتت عمليتها في اليمن تستنزف هذه القيادة سريعًا بأكثر مما كان متوقعا، الأمر الذي يغوي بالمبادرة لحلول القاهرة محل المملكة في الوفاء بمقتضيات هذا الدور.

والواضح أن ساحة سوريا باتت تغري السيسي لاستعراض إمكانياته كمالك لقوة مسلحة كبيرة بمقدورها لعب دور شرطي هذه المنطقة المضطربة، لذا نراه يلح في التقافز المغامر على حبلي علاقاته بروسيا والولايات المتحدة. المسلك الذي وصل بالقاهرة أحيانًا لانتهاج سلوك دبلوماسي ينبو عن المنطق.

والخشية أن بعض الاستراتيجيين في القاهرة ما زالوا يقرأون خرائط قديمة تعود لأيام الحرب الباردة، ويتطلعون للحظة طواها الزمن نجحت حينها مناورات القاهرة في اللعب على القطبين الدوليين لجلب الدعم للعسكرية المصرية. لعل مشكلة هذه القراءة يتلخص في أنها تتجاهل حقيقة تغير الظروف والسياقات. فما يبدو من مشابهات ظاهرية أنتجتها حالة الشد والجذب بين روسيا والقوى الغربية، ونجاح السلوك الروسي الاستباقي في فرض إرادة موسكو في أوروبا الشرقية وشرقي المتوسط، يعزز هذا التوهم. ويكمله اتساع نطاق التأثير الإيراني الضاغط على أمن الخليج والهلال الخصيب الذي يغوي بأن حلفاء الروس على قائمة الرابحين.

طبيعة الصراع الراهن في سوريا لا شك أنها بعيدة كل البعد عما كان عليه الحال في حقبة الحروب العربية الإسرائيلية وفي سياق المد القومي العربي. وبعيدًا عن القفزات المغامرة، التي لا يمكن بحال الإمساك بها تحليليًا، فإن أي تقييم واقعي للوضع الراهن يبين مدى قصور أوراق السيسي، وضآلة فاعليتها. صحيح يمكن للسيسي استعراض القوة العسكرية المصرية إقليميًا، لكن لكي ينتج هذا الاستعراض أثره في تحصيل ثقة الفاعلين الدوليين به كوكيل إقليمي مهيمن ومسيطر، لا بد له من حد أدنى من توافق عربي، يقوم بالأساس على رضا، أو لنقل رضوخ سعودي خليجي لهذا الدور الجديد للقاهرة، وهو ما لا نجد عليه أي دلائل.

والقلق أن هذا الاندفاع المصري إقليميًا يتوهم إمكانية التوسل باللعبة العسكرية الإقليمية لتغيير ساحة الأزمة الداخلية المنهكة بوضع اقتصادي مترد للغاية، واستقطاب سياسي حاد ترجم بمصادرة كاملة للمجال السياسي والعودة لسياسات القمع الواسع. هذه الأزمة الداخلية التي تستغرق قدرات النظام كما تغوي على خوض مغامرة إقليمية لصالح أطراف دولية علها تجلب الدعم والمساندة الاستراتيجية، لكنها أيضًا تقف بذاتها كعامل يحد من رهان هذه القوى الدولية على قدرة نظام السيسي لعب دور إقليمي واسع. وما أثبتته الأحوال منذ اندلاع ثورة يناير 2011 تقول كثيرًا عن هذا الأمر، فالاستنزاف الداخلي للنظام بسبب الاضطراب السياسي، وتنامي التوجهات القمعية وتعمق فشله الاقتصادي ظل يستهلك حركته.

ومن منظور واقعي بحت، يظل السيسي، وقطاع مؤثر في الجيش في مصر، يربط مصالحه الاستراتيجية بالمصالح الأمريكية، وتتشكل السياسات الدفاعية الخارجية للقاهرة على خطوط استراتيجية الأمن القومي الأمريكية في الشرق الأوسط. والمتابع للحركة الخارجية للقاهرة، يدرك أن ما يتوق إليه السيسي هو الدعم الغربي، واستعادة علاقات التحالف مع الأطراف الأوروبية والأمريكية، التي تقف اليوم في مواجهة مع الروس. الرجل ربما لا يجد سبيلًا لاستعادة هذه العلاقات إلا بمسالك الابتزاز السياسي. وفي هذا لا اختلاف بين مواقفه وموقف أردوغان المتقارب سريعًا مع الروس، إلا في فوارق القدرة والثقل الإقليمي التي تروح لصالح الأتراك.

في نهاية الأمر حجم مصالح القاهرة مع القوى الغربية والقوى الإقليمية الرئيسية خصوصًا السعودية ما زال يحدد مسار الحل لمأزق النظام على الساحة الداخلية، ومن ثم حركته الخارجية، سواء لطبيعة الارتباط العسكري الراهن بالغرب، أو لجهة الدعم الاقتصادي الكبير المقدم من الخليج والحلفاء الغربيين في صورة منح  أو تسهيلات ائتمانية واتفاقات للقروض مع المؤسسات الدولية، ما يراهن عليه النظام في تخفيف وطأة مأزقه وإبعاد شبح الغضب الشعبي الذي يؤرقه. ورغم كل ألعاب الهواء السياسي، تدرك القاهرة حقيقة أن الروس لا يملكون حاليًا مكافئًا حقيقيًا لهذا الدعم الذي تتلقاه من الخليج والقوى الغربية.

ربما يقول البعض إن صعود ترامب ومعه فريق يميني ذو نزوع تدخلي حتمًا سيغير كل هذه البوصلات المغامرة. هذا صحيح، رغم أن ترامب وفريقه لا يمانعون من حيث المبدأ في فرض تسوية روسية في سوريا لصالح بشار. لكنهم حساسون جدًا لتمديد النفوذ الروسي لما دون هذه المنطقة التي ظلت تقليديًا ضمن نفوذ روسيا حتى بعد انتهاء الحرب الباردة. هذه خطوط حمراء أمريكية قديمة ويرجح أن تستمر وتشتد. المشهد في العراق مختلف تمامًا، وفيه تلعب روسيا بوسيطها الإيراني، وهو ما لا يبدو مرحبًا به أمريكيًا بعد فترة تقارب بين واشنطن وطهران لا يرجح استمرارها مع ترامب. المؤشرات كثيرة على تشدد أمريكي قادم إزاء ما تقوم به إيران خصوصًا في الخليج، ما قد يعزز الموقف السعودي ويعيد الثقة لقيادتها، ويفرض اتجاهًا مغايرًا لبوصلة القاهرة المضطربة.

بالعموم، لا يبدو أن السيسي يريد مفارقة تصورات هذا الفريق اليميني، وتحفل تصريحاته بممالأة واضحة لتوجهاته. ما يعني أن حدود تقافز مواقفه بين الروس والأمريكيين تتوقف على تقييمه لنواتج أي توافق روسي أمريكي في شأن سوريا، ومنه يحدد لأي جهة سيمضي.

نرجح أنه سيعود لقواعد اللعبة الشرق أوسطية المعتادة بخطوطها الأمريكية المستقرة منذ حرب الخليج الثانية. لكن إن كان يتوق إلى التقارب المغامر مع الروس، والارتباط بمشروعهم الشرق أوسطي، لقاء قطعة من كعكة سوريا أو ليبيا، تفتح له أبواب مواردها مكافأة على الارتباط بها، فهذا أيضًا مزلق خطير.

اعلان
 
 
عبده البرماوي