Define your generation here. Generation What
التوسع العمراني يهدد محمية الغابة المتحجرة
 
 

تهدد سرقة الرمال، وإلقاء النفايات والأنقاض من مواقع البناء في القاهرة الجديدة، على نحوٍ متزايد، الغابةَ المُتحجِّرةَ، المعروفة أيضًا باسم «جبل الخشب»، وهي محميَّة صغيرة تبعد حوالي 30 كليومتر من حي المعادي بالقاهرة.

كانت وزارة البيئة قد صنفت الغابة المتحجرة كمحمية طبيعية في العام 1989، في محاولة للحفاظ على رواسب الأشجار المتبقية هناك، حيث يعتقد أن رافدًا من نهر النيل كان قد فاض عن ضفتيه منذ ما يقرب من 30 مليون سنة. واستجابةً للنداءات من أجل مزيد من الحماية لهذه المنطقة، خصَّصَت وزارة المالية تمويلًا لبناء جدارٍ حولها بعد 2010.

Petrified tree trunk

لكن العمالَ في مواقع البناءِ بالقاهرة الجديدة مستمرون في التخلص من النفايات والأنقاض في هذه المنطقة ذات الستة كيلومتر مربَّع. وغالبًا ما تتكدَّس النفايات عاليًا، بحيث يمكن أن تحجب جدار المحميَّة عن الأنظار، علاوة على هدمِ أجزاءٍ كبيرةٍ منه للسماح لشاحنات النقل بالدخول إلى المحميَّة وتحميل أطنانٍ من الرمال.

صار «جبل الخشب» عالقًا في نهضةٍ عمرانيةٍ في ظلِ اهتمامٍ رمزيٍ من جانب السلطات بحماية موارد مصر الطبيعية وتاريخها.

نقص التمويل

على عكسِ محمياتٍ طبيعيةٍ أخرى في مصر، هناك عددٌ قليلٌ للغاية من الحرَّاس الذين يحمون المنطقة، وما مِن رسومِ دخولٍ للمحميَّة، وبالتالي ما مِن أموالٍ تأتي للصيانة التي تشتد الحاجة إليها.

يقول أحد سكَّان المنطقة وعضوٌ قياديٌ في مجموعةٍ محلية تحمل اسم «أصدقاء الغابة المُتحجِّرة»، طلب عدم ذكر اسمه: «نسعى بفاعلية لإشراك منظمات المجتمع المدني في حماية هذه المحميَّة المُهدَّدة. لكن يبدو أن المسؤولين عنها لا يريدون تدخلنا في الأمر».

وأضاف أن المحميَّة ظلت تتعرض للتدمير البطيء منذ 2008، لكن هذا التدمير قد تسارَعَ في العامين ونصف الأخيرين، رغم الشكاوى المُقدَّمة من جانبِ سكَّان المنطقة والچيولوچيين.

ويقول الحرَّاس القلائل في الغابة المُتحجِّرة إن عددهم ليس كافيًا لحمايتها، كما أنهم بحاجةٍ إلى ميزانيةٍ أكبر للقيام بذلك. أما عضو «أصدقاء الغابة المتحجرة» فقد علَّق على ذلك قائلًا: «اقترحنا، نحن والحرَّاس، أن بيع التذاكر سيساهم في توفير هذه الميزانية، لكن دون جدوى».

ورفضت شيماء طه، مديرة المحميَّة، التحدث إلى الإعلام دون تصريحٍ رسميٍ من وزارة البيئة، لكن مسؤولًا بإدارة المحميَّات الطبيعية، طَلَبَ عدم ذِكر اسمه، صرَّح بأن المنطقة تفتقر إلى الموظفين ومن الصعب حمايتها.

Petrified Forest

تعزيز التوسع العقاري

يقف عامل أمن بالجامعة الألمانية بالقاهرة، طلب عدم ذكر اسمه، في الجهة المقابلة للغابة المُتحجِّرة من الشارع، ويشاهد تحميل الرمال من المحميَّة في جُنح الليلِ منذ 2013. يقول متولي إنهم «ينشطون هنا بصورةٍ يومية حتى قبل أسابيع قليلة، حين ردعت حملةٌ أمنيةٌ عملياتهم بشكل كبير».

أوضح متولي أن هناك قسميّ شرطة، علاوة على مقر المجلس المحلي، على بُعد خطواتٍ من المحميَّة لا تفصلهم عنها إلا مسافةٌ بسيطة، «إذن لماذا يتأخرون هكذا في التعامل مع هذه السرقة وهذا التدمير؟ وفي مصلحة من يُدمِّر هؤلاء الناس هذا الكنز القومي وينهبون رماله بالمجان؟»، قول متولي.

يقول مسؤول بإدارة المحميَّات الطبيعية، طلب عدم ذكر اسمه: «تدخل الشاحنات الكبيرة مع حلولِ الليل لتحميل الرمال لاستخدامها في مواقع البناء بالقاهرة الجديدة. ولقد حرَّرنا العديد من الشكاوى في أقسام الشرطة المحلية، حتى أننا سَدَدَنا ثغرات الجدار بالأسلاك الشائكة. وفي بعض الأيام، يكون هناك عدد كبير من السيارات المعطلة نتيجة ثقب إطاراتها».

يقول المسؤول إن شيئًا من ذلك لم يحل المشكلة، مضيفًا أن «الكثير مِمَن يرتكبون هذه الانتهاكات يعملون في مجموعاتٍ كبيرة، وغالبًا ما يكونوا مُسلَّحين، مما يضطر المحميَّة للجوء إلى الشرطة أو الجيش للدعم».

كانت قوات الشرطة قد أقامت كمائنَ تفتيشٍ حول المحميَّة، في يونيو 2015، بهدف إيقافِ استخراج الرمالِ منها. ووفقًا لتقارير الإعلام المحلية، فقد أوقفت 25 شاحنةً مُحمَّلةً بالرمالِ خلال تلك الفترة. وكان مسؤولٌ كبير بوزارة البيئة قد صرَّح لوسائل الإعلام المحلية، سبتمبر الماضي، أن القوات المُسلَّحة تشارك الآن في تأمين الغابةِ المُتحجِّرةِ من نهب رمالها.

وفي بيانٍ رسميٍ صادرٍ في أغسطس الماضي، أعلنت وزارة البيئة أن الغابة المُتحجِّرة يجري تطويرها لتصبح موقعًا چيولوچيًا ونباتيًا وعِلميًا خاصًا. إلا أن هناك تقارير تفيد بأن وزارة الإسكان تسعى للمطالبة بما يصل إلى 60% من المنطقة للعقارات السكنية.

ليست الشركات وحدها هي من تتخلص من نفاياتها في الغابة المُتحجِّرة، بل أن السكَّان المجاورين لها هم أيضًا يتخلصون من قمامتهم ونفاياتهم العضوية في المنطقة، بشكلٍ متزايد، مما يجذب الكلاب الضالة إلى المنطقة، وفقًا لمتولي. كما يؤثر ذلك على النظام البيئي للمنطقة، بالأخص على الثعالب، بالإضافةِ إلى أنواعٍ عديدةٍ من الزواحف التي من المُعتاد رؤيتها تخرج من جحورها.

Piles of garbage dumped in the Petrified Forest

هل الدولة مهتمة حقًا بالحماية؟

كان خالد فهمي، وزير البيئة، قد صرَّح مؤخرًا أن المحميَّات في مصر لن تُهمَل، وأن الانتهاكات التي تتعرض لها الغابة المُتحجِّرة ووادي دجلة والنبق، وغيرها من المحميَّات، تُعتبر «جريمة شنيعة».

لكنه قال إن الوزارة ستسمح بـ «مشروعاتِ تطويرٍ دائمة» داخل المحميَّات، تتضمن مبادراتٍ سياحية ودينية وزراعية وسكنية وإنشاء بنى تحتية، وحتى مبادراتٍ تعدينية، مضيفًا أن الوزارة ستسمح للمستثمرين باستئجارِ أراضٍ من المحميَّات لهذه الأغراض.

وتزعم مصر أنها مستمرة في التزاماتها الدولية باحترام اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بالتنوُّع البيولوچي. وقالت الحكومة، رسميًا، أنها تسعى لزيادة النُظُم البيئية المحميَّة ذات الأهمية العلمية، من 15 إلى 20% من الأراضي الوطنية بحلول العام 2017.

إلا أن السلطات المصرية كانت قد وافقت، في أبريل الماضي، على نقل السيادة على جزيرتي تيران وصنافير في البحر الأحمر إلى المملكة العربية السعودية، كجزءٍ من اتفاقية الحدود البحرية الجديدة. وتُعد الجزيرتان جزءًا لا يتجزأ من محميَّة رأس محمد البحرية، التي تصفها وزارة البيئة بأنها «معروفة دوليًا بثراءِ وتنوُّعِ شعابها المرجانية». ولا يزال الاتفاق مطعونًا فيه، إلا أنه إذا تم بالفعل، ستفقد مصر ما لا يقل عن 113 كليومتر مربَّع من الأراضي المحميَّة.

وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، تبدو الدولة مُمزَّقةً بين واجب حماية مثل هذه المناطق، وجذب المستثمرين والمطوِّرين. يقول «أ. أ» إن «هناك فقط القليل من الأفراد الذين مازالوا مهتمين بإنقاذ الغابةِ المُتحجِّرةِ، أو الذين يأملون ذلك، بالتنسيق مع المسؤولين»، موضحًا أن «أصدقاء الغابة المُتحجِّرة» لا تزال تسعى للمساهمة في ذلك منذ العام 2014.

——————————————————————————

ترجمة: أشرف عمر

اعلان
 
 
جانو شربل