Define your generation here. Generation What

بين اليمين الإسلامي واليمين الأوروبي.. يا قلبي لا تحزن

في ليلة رطبة ومشحونة من ليالي صيف القاهرة الماضي، وخلال لقاء فخم ضم رجال أعمال وصفوة المجتمع في فيلا بحي الزمالك الراقي، قال أحد أهم القيادات الدينية الرسمية في البلاد، والقريب من السلطة لجلسائه: «المسلم صادق، أمين، خلوق، عطوف، يحترم المؤسسات والشركات والدولة». لا جدال في حرمة التعدي على الممتلكات والعقود، ولكن، أليس الأولى وفق المبادئ الدينية في دولة جاوز معدل التضخم بها 16٪، وتخطت نسبة البطالة فيها «الحدود الآمنة»، ويمزق اقتصادها الفساد والمحسوبية؟ أليس الأولى التذكير بحرمة الغش وفاجعة الغلاء، والتأثيرات المقترنة بشيوع الفقر، الذي دائمًا ما اقترن بالكفر فيما يعتاذ منه في الدعاء النبوي؟

تُظهر المقولة السابقة مدى تداخل الفكر اليميني في العقلية الإسلامية. يمكن القول أن الاتجاه السائد في العقود الأخيرة في الفكر الإسلامي، سواء في الأوساط الرسمية القريبة من السلطة أو في المعارضة، هو في الأساس يميني الطابع. ضع المقولة السابقة في مقابل صوت أم كلثوم الشجي وهو يتغنى، بأشعار أمير الشعراء أحمد شوقي، في يسارية نبي الإسلام تحت لواء الحكم الاشتراكي الناصري، محتفية بالمولد النبوي الشريف: «الاشتراكيون أنت إمامهم.. لولا دعاوي القوم والغلواء»، لترى المفارقة.

نتساءل إذًا، أي الإسلاميين على حق، اليميني النيوليبرالي أم اليساري الاشتراكي؟ هل تتلاعب الدول والحركات -عمدًا أو غفلة- بإعادة تشكيل الإسلام لخدمة أهدافها السياسية، يمينية كانت أو يسارية؟ هل يمكن أن نجد في الإسلام، إذا بحثنا فيه انتقائيًا، ما يمكننا أن نعيد صياغته حسب الاحتياجات والمصالح والأهواء؟ هل المسلمون عالقون بين مؤسسات وخطاب ديني يميني في العالم الإسلامي، وبين موجة يمينية محافظة في الغرب تستعدي دينهم وتضطهد جالياتهم؟ السؤال الأهم، هل يقدم الخطاب اليميني في الداخل الإسلامي خدمة لليمين في الغرب، يقوي مشروعه المرتكز على الهوية في شيطنة الإسلام واضطهاد المسلمين؟ هل هناك اعتماد متبادل بينهما؟ هل يغذيان بعضهما؟

الإسلام المعاصر واقع تحت تأثير حكومات سلطوية تحكم برؤى نيوليبرالية اقتصادية، وقوى معارضة أغلبها خلافها مع السلطة على الحكم وليس الفكر. سواء في مصر أو تركيا أو إندونيسيا أو المغرب، فهذا الفكر الإسلامي اليميني متصالح مع رجال الأعمال والشركات، وهم أصحاب المصلحة الأهم في عيون النظم ذات التوجه اليميني النيوليبرالي، ويناصرهم أكثر من مناصرته للعامة، ومن حمل عبء مشاكل الفقر والتهميش وحقوق الإنسان، والوقوف في وجه فشل الحوكمة ونقد المشكلات الهيكلية التي تتسبب فيها السلطة. ولذلك يكثر الحديث في الخطاب الديني عن كسل العمال، وقلة الاهتمام بقيمة العمل والإنتاجية، ويقل الحديث عن الحقوق وأوضاع الطبقات المتدنية، واستشراء الاستهلاكية، وتدني أو انعدام الخدمات المقدمة لهم. يظل هناك لوم لهم أن قلة تديّنهم هي السبب، وأن تديّن العامة سينتج عنه تقدم. يزيد الأمر وضوحًا في دول الخليج النفطية، حيث يتجاهل الخطاب الإسلامي مناوئة الثقافة الاستهلاكية المستشرية.

كما يُعرف عن الدعاة الجدد من أصحاب الحضور والتأثير الإعلامي، تمجيدهم للنجاح المهني، وتأكيدهم أن النجاح الدنيوي، وبخاصة المهني والرأسمالي، هو دليل على الفلاح الأخروي. كثير من المؤسسات الدينية الرسمية وغير الرسمية تستلهم من نظام «الكوربرت» في إدارة وتطوير مؤسساتها الإسلامية باسم التحديث، على الرغم من تعارض قيمه الجوهرية مع القيم الدينية. كذلك أصبحت دور الإفتاء شديدة العداء للإضرابات والحركات العمالية، ولم تعارض بيع القطاع العام أو تقف ضد رفع الدعم في المجتمعات التي تدكها المشكلات الاقتصادية أو تندد بأي شكل بالحكام الذين يضرون بمصالح المواطنين. وبالطبع تتأثر الخطابات الدينية في العالم أجمع بقوة وأسلوبية اليمين الديني المؤثر في أمريكا بسبب العولمة.  

ولكن الأمر لم يكن دومًا هكذا. فمثلما أخذ الخطاب الإسلامي منحًا وطنيًا تحريريًا تحت الاستعمار الأوروبي، أخذ منحًا يساريًا اشتراكيًا في فكر عبد الرحمن الكواكبي ورفيق الأعظم، ممن تحدثوا عن مشاكل التنافسية والحداثة وتجميع الثروات والاقتصاد الرأسمالي، بل وحاول آخرون إثبات ماركسية الإمام علي ابن أبي طالب، والصحابي أبي ذر الغفاري. يدل ما سبق على القدرة على تلفيق مبادئ الدين ليتوافق مع المصالح الأيديولوجية، وأنه يمكن أن يجد الراغب ما يريد في الإسلام. بالطبع ليس الأمر مقتصرًا على المؤسسات الرسمية الإسلامية، فالظاهرة تنسحب على الحركات الإسلامية أيضًا، فالتوجهات الشيوعية لسيد قطب قبل تدينه ومناداته بفكر شيوعي إسلامي هي أمر معروف.

في جوهره، ليس الإسلام بالفضفاض المترهل، الذي يمكن أن يُجر به في أي اتجاه، ورؤيته لقضايا العدالة الاجتماعية رؤية خاصة، لا هي يمينية ولا يسارية.

في ندوة نظمها «منتدى الدين والحريات» بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية في الرابع من أكتوبر الماضي، تحدث الصحفي الفرنسي المخضرم، آلان جريش، رئيس تحرير موقع أورينت Orientxxi، ورئيس التحرير السابق لصحيفة «لوموند ديبلوماتيك»، عن موضوع «الإسلام وكارهوه في أوروبا». أشار جريش إلى استفحال العداء للإسلام لدرجة إعادة تشكيل مفهوم العلمانية بشكل انتقائي، واستغلاله سياسيًا لإقصاء المسلمين على الخصوص، وغياب المشروعات النضالية في المشهد السياسي الأوروبي وانتصار معارك الهوية التي تتجاهل المشكلات الأساسية الاجتماعية، ويتساوى هنا اليمين واليسار الفرنسيان في هذا، وفقًا لجريش. تفتح أفكار جريش الباب للتدليل على العلاقة بين اليمينين، الإسلامي والغربي المحافظ.

يلتقي اليمينان الإسلامي والأوروبي حول عدة محاور، أهمها، التركيز على التعامل مع مشكلة الإرهاب من أعلى، والرضوخ إلى فكرة أن صخبها لا يعلو عليه صوت، وبخاصة صوت التظلمات حول الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وحقوق الإنسان، وكلاهما محافظ أيدلوجيًا، ويرتكز على مشروع هوياتي، وليس مبنيًا على قضايا ونضالات. وبما أن العلمانية أصبح لها تأثير حكم الدين في الدخول إلى الحياة الشخصية والتحكم بها، فيمكن اعتبار العلمانية الفرنسية «دينًا» بشكل ما، وهنا أيضًا يعيد اليمينان صياغة الدين والعلمانية للوصول لأهدافهما. لا يمكننا أيضًا تجاهل الإشارة إلى التقارب السياسي بين النظامين المصري والفرنسي والعلاقات الاقتصادية، إذ أن مصر هي أكبر مستورد أسلحة من فرنسا.   

التقارب بين اليمين الإسلامي واليمين الأوروبي في الخطاب بدا أوضح ما يكون في مصر بعد حادثة مركب رشيد التي ما زالت تعصر القلب، والفورة التي حدثت في الحديث عن الهجرة غير الشرعية في مصر. أفضل مثال على ذلك حوار الأهرام البروباجاندي في 10 أكتوبر الماضي، مع مارين لوبان، اليمينية المتطرفة، شديدة العداء للإسلام والمسلمين. بعد مقدمة وصفتها بـ «الاعتدال والتواضع»، أكدت لوبان في الحوار على أن زيارتها السابقة لشيخ الأزهر أتاحت لها التعرف على «الحاجة إلى تعزيز نموذج مختلف للتنمية والتعاون من أجل تأمين السكان في بلدانهم الأصلية».

وخرجت فتوى أزهرية تجرم فعل المهاجرين، وتغض الطرف عن الأوضاع التي دفعتهم إلى هذا، وخصصت الأوقاف موضوع خطبة الجمعة التالية للحادثة، حيث جرمت من حاول السفر وخاطر فغرق، وطالبت بالصبر.

لنأخذ مثالًا أخيرًا؛ كيف رأت احتفالية بالهجرة النبوية بمسجد الأزهر أن تتناول هذا الحدث؟ وكيف أن حدثًا دينًيا كالهجرة من البطش والتضحية بالاستقرار والانتماء من أجل الدين، قُلب إلى أداة سياسية يمينية الهوى تنتقد المهاجرين الفارين من أجل العمل وإرسال الأموال لمن يعولون. تقول النبذة التعريفية بالفعالية «الهجرة النبوية درس ودعوة للمسلمين للعمل على تغيير واقع الأمة من خلال العمل على بناء المجتمعات والأوطان الإسلامية والنهوض باقتصادياتها، والهجرة بها من واقعها الحالي إلى المكان اللائق بها في مصاف الدول المتقدمة». نرى كيف تحول الديني إلى سياسي متعلق ببناء الأوطان أو بالأحرى الدولة، ناهيك عن الحديث عن النهوض الاقتصادي، والذي لم تعرفه قط التفسيرات الدينية للهجرة. يدلل ذلك على أننا كشعوب محاصرين لا بين يمين ويسار، ولكن بين يمينين، داخلي وخارجي.

اعلان