Define your generation here. Generation What

الملوك نزلوا من القلعة والرؤساء عادوا إليها!

ربما لا تكون هناك خطة مقصودة بوعي وراء الظاهرة التي سنتحدث عنها، ولكنها في كل الأحوال باتت أوضح من أن نمر عليها مرور الكرام، والأهم أنها تعبر -ولو بطريقة لا شعورية- عن التحولات التي انجرف إليها نظام يوليو 1952.

هذه الظاهرة هي ميل الرؤساء إلى الابتعاد عن مركز القاهرة أولًا، ثم عن القاهرة كلها فيما بعد، أي التباعد عن الكتلة الأكبر من السكان المواطنين. وبالمقارنة التاريخية تبدو هذه الظاهرة معاكسة تمامًا في الاتجاه لما فعله الحكام من أسرة محمد علي، إذ بعد أن استتبت دولتهم أخذوا في النزول من القلعة -مقر الحكم منذ العصر الأيوبي- إلى المعيشة وسط كتلة سكان القاهرة، بالإضافة طبعًا إلى نشر دواوين حكوماتهم بين ربوع العاصمة.

كان محمد علي نفسه أول النازلين -تجريبيًا- من القلعة حين أقام قصورًا جديدة على أطراف القاهرة المعروفة آنذاك، منها قصر شبرا، وسراي الجزيرة، ثم أعقبه ابنه إبراهيم باشا، الذي أقام «القصر العالي» على النيل قريبًا من قصر العيني (عند المدخل الجنوبي الغربي لحي جاردن سيتي).

وضحت الظاهرة أكثر بقرار الوالي محمد سعيد باشا نقل مقر الحكم كلية من القلعة، وكذلك نقل مقر إقامته الرسمية إلى قصر «العتبة الخضراء»، الذي أعطى الميدان الشهير بوسط القاهرة اسمه الحالي، وكان هذا القرار متسقًا مع رؤية سعيد باشا لنفسه حاكمًا منتميًا إلى مصر فقط، أو لنقل إنه كان التطور الطبيعي لمنهج سعيد باشا في الحكم اعتمادًا على العنصر المصري، فقد كان معروفًا عنه أنه يبغض الأتراك والجراكسة الذين اعتمد عليهم والده الباشا الكبير، وشقيقه إبراهيم باشا، وابن أخيه عباس الأول في المناصب الكبرى في حكوماتهم، وفي المراتب العليا في قيادة الجيش.

ومن هذا الشعور، أو من هذه العقيدة -على الأصح- أحدث سعيد باشا أهم تطورين في الحياة السياسية المصرية في ذلك العصر، وهما، أولًا: ترقية أبناء الفلاحين في الجيش المصري إلى رتب الضباط، (وهؤلاء هم من خرج الضباط العرابيون من بين صفوفهم)، وثانيًا: اللائحة السعيدية التي ألغت نظام الالتزام في إدارة الأراضي والثروة الزراعية، ومن ثم السماح بملكية المصريين (الأقحاح) مع غيرهم من المتمصرين للأطيان الزراعية، ليستقل المجتمع في مجمله اقتصاديًا عن السلطة الحاكمة، ولتظهر طبقة كبار ومتوسطي الملاك، التي ستطمح في ما بعد إلى المشاركة في السلطة.

اكتملت الظاهرة، وترسخت رسوخًا نهائيًا مع تولي الخديوي إسماعيل حكم مصر خلفًا لعمه سعيد. ففي الوقت الذي كان فيه إسماعيل يسعى لتوسيع نطاق الاستقلال المصري عن الدولة العثمانية، عمل على تشجيع من أسموا أنفسهم حوله بالحزب المصري، في مواجهة «الحزب العثماني»، والحزب الأوروباوي (بلغة تلك الأيام)، والذي كان مواليًا لبريطانيا العظمى بالدرجة الأولى.

وبغض النظر عن أخطاء إسماعيل الكثيرة (والتي ليست هي موضوعنا اليوم)، فإنه اتساقًا مع مشروعه لاستقلال مصر، والاعتماد على المصريين أنفسهم في كل المجالات، فإنه هو الذي أتم مشروع القطيعة النهائية مع «القلعة»، ليس كمبنى فقط، وإنما كرمز لتقاليد الحكم المنحدرة من العصور الوسطى، أي الحكم القائم على قوة السيف وحدها.

ولذلك ظل قصر عابدين الذي أقامه وسط أحياء القاهرة «الشعبية» هو مقر الحكم، ورمز السلطة، حتى العصر الجمهوري الأول، فتوالى عليه الخديوي توفيق، والخديوي عباس حلمي الثاني، والسلطان حسين كامل، والملك فؤاد، والملك فاروق.

وحين نقول إن إسماعيل أقام مقر حكمه وسط الأحياء الشعبية، فإننا نقصد أحياء الحسين والسيدة زينب وباب الشعرية وبركة الفيل، امتدادًا إلى بولاق، فمصر القديمة.. إلخ.

فما الذي حدث في العصر الجمهوري، وجعلنا نقول في عنوان هذا المقال إن الرؤساء عادوا إلى «القلعة» التي نزل منها الملوك؟

قبل الإجابة نعيد تأكيد ما بدأنا به، وهو أنه لا يوجد دليل على أن عودة الرؤساء إلى «القلعة» بمعناها الرمزي هي عمل واع ومقصود لذاته، ولكن الظاهرة تبقى أوضح من أن نغفلها، ويبقى اطّرادها، وازدياد وضوحها مع كل رئيس مقارنًا بمن سبقه في حاجة إلى تفسير.

مثلًا سرعان ما نقل جمال عبد الناصر مقر الحكم من قصر عابدين إلى قصر القبة، والذي كان أيضًا أحد القصور الملكية، ولكن قصر القبة لا يقع وسط الأحياء الشعبية، بقدر ما يقع وسط معسكرات الجيش الذي خرج من صفوفه جمال عبد الناصر، كما أنه يوجد على بعد خطوات من مقر القيادة العامة للقوات المسلحة ووزارة الدفاع، وكذلك كان جمال عبد الناصر يقيم في بيته (القديم) المجاور بدوره لوزارة الدفاع، وقيادة القوات الجوية.

وإذا كنا قد وضعنا وصف «القديم» لبيت عبد الناصر بين قوسين، فذلك كان للدلالة مرة أخرى على أننا نعي أنه كان يقيم في هذا البيت قبل استيلاء الضباط على السلطة، ومن ثم فليس في الأمر ترتيب مقصود.

أكثر من ذلك، قد يكون اختيار جمال عبد الناصر لقصر القبة راجعًا في المقام الأول إلى قربه من مسكنه، لكن الملاحظة تبقى قائمة وصادقة، وهي أن الرئيس الفعلي الأول لجمهورية يوليو 1952 كان يقيم ويعمل على مقربة من معسكرات الجيش، في حين أن الملوك كانوا يقيمون ويعملون على مقربة من جماهير الشعب.

مع رئاسة أنور السادات تطورت الظاهرة في اتجاه آخر، فقد كانت الاستراحات الرئاسية الكثيرة خارج القاهرة هي الأمكنة المفضلة له، فهو إما في القناطر الخيرية، أو استراحة الهرم، إلى أن استقر به المقام تقريبًا في جزيرة الفرسان بالإسماعيلية، وبالطبع كانت هناك المقرات الصيفية في برج العرب، ورأس الحكمة، ومرسى مطروح، والشتوية في أسوان.. إلخ.

السادات نفسه فسر ولعه بالاستراحات خارج القاهرة بأن سنوات سجنه أورثته ضيقًا من الأماكن المغلقة، ولكن من لا يضيق بالأماكن المغلقة؟

بالطبع كان الملوك يذهبون إلى الاستراحات والمصايف، ولكن كل ذلك كان يجري وفقًا لتقاليد ومواقيت ثابتة ومعلنة، حتى للجمهور العادي. أما في حالة السادات، فقد كانت المسألة ضجرًا من القاهرة، وصخب «أفندياتها»، ولم تكن صدفة أن أكبر أزمتين سياسيتين داخليتين هددتا حكمه بعد أزمة مايو 1971، وقعتا وهو خارج القاهرة، فقد اندلعت مظاهرات الطلبة عام 1972، وهو في القناطر الخيرية، وعلى ما روى الأستاذ محمد حسنين هيكل فقد رفض العودة إلى العاصمة لمواجهة هذه الأزمة، كدلالة رمزية على قوة قبضته، وفضّل البقاء وإدارة الأزمة من استراحة القناطر، ولا نقول إنه فعل ذلك خوفًا، وإنما فعله إظهارًا للاستهانة بحركة الطلاب على الأغلب.

أما الأزمة الثانية فكانت مظاهرات الطعام في يناير 1977، التي وقعت وهو في استراحة أسوان، ولكنه اضطر هذه المرة للعودة إلى القاهرة بعد أن أمنها الجيش، لأن الأزمة كانت في تلك المرة أوسع وأعمق، وترتبت عليها إقالة حكومة وتولية أخرى، كما أنه لم يكن ليأمن البقاء على هذا البعد من القاهرة وهي في قبضة المشير الجمسي، وزير الدفاع وقتها.

ويأتي حسني مبارك خلفًا للسادات، فتتحول شرم الشيخ تدريجيًا إلى عاصمة مصر الحقيقية، فالرئيس يقيم فيها إقامة شبه دائمة، ويستقبل ضيوفه الرسميين فيها، ولا ينفض مؤتمر دولي هناك إلا ليتلوه مؤتمر آخر.

قيل تفسيرًا لذلك إن الرئيس يريد أن يشجع حركة السياحة الدولية إلى شرم الشيخ، وأنه يريد التخفيف عن سكان القاهرة الذين تثقل المؤتمرات الدولية عليهم، ولكن الحقيقة أن مبارك لم يكن مشغولًا بأي من هذين الاعتبارين، وإنما كان جل اهتمامه بأمنه الشخصي، وكان بعده عن القاهرة -كلما أمكن- هو أفضل ضمانات هذا الأمن، وهنا تجسد معنى القلعة بدرجة أعلى من الوضوح.

لكن فكرة القلعة ربما تكتسب معناها ومبناها الكاملين مع إنشاء ما يسمى بالعاصمة الإدارية الجديدة، وهو المشروع الذي يجرى تنفيذه حاليًا، وسط حالة من الغموض المقصود، باستثناء الحديث العام عنها، بوصفها من المشروعات القومية العملاقة.

إن اختيار موقع هذه العاصمة الجديدة على مبعدة سبعين كيلومترًا إلى الشرق من القاهرة، ووسط الصحراء، وبحيث لا يربطها بالقاهرة، ومن ثم بقية أقاليم البلاد، سوى طريق القاهرة-السويس وطريق القاهرة-العين السخنة، هو موقع مناسب “لقلعة” بامتياز، ومن ثم فإن وظيفتها الأمنية تعلو على وظيفتها الخدمية والعمرانية.

ولو كانت الوظيفة الخدمية والعمرانية هي الأساس لكان الموقع الذى سبق أن اقترحته شعبة المعماريين بنقابة المهندسين، وحاز تأييد كل أساتذة وخبراء التخطيط العمراني، هو الأنسب تمامًا، أي المنطقة الواقعة شرق النيل مباشرة عند التقاء القاهرة وشمال الصعيد مع الصحراء الشرقية، أي على مداخل الطرق الرئيسية إلى الصعيد والدلتا والبحر الأحمر، ومن ثم شرق الدلتا ووسطها وغربها، بالإضافة إلى قربه من نهر النيل، بوصفه المصدر الوحيد للمياه لكل الأغراض، الزراعية منها والصناعية والمنزلية، بما يوفر التكاليف الضخمة لمد أنابيب المياه إلى المكان الذي يجري فيه العمل حاليًا، فضلًا عن توسطه للكتلة السكانية الرئيسية في العاصمة القديمة، والوجهين القبلي والبحري، التي من المفترض أن العاصمة الإدارية سوف تنشأ لتلبية احتياجاتها الحكومية بعيدًا عن زحام القاهرة.

بالطبع هناك فوائد سوف تتحقق من المشروع الحالي، لعل أهمها إضافة مساحة هائلة جديدة من الأراضي للتداول العقاري، ولكن ذلك كان سيتحقق في أي مكان آخر، وعليه فاعتبارات أمن القلعة هي (مرة أخرى) الأصل والأساس لذلك المشروع.

السؤال الآن: لماذا فرض فكر القلعة نفسه على رؤساء جمهورية يوليو 1952 منذ تأسيسها وحتى الآن؟ هل هو شعور بنقص ما في الشرعية؟

فإذا كان الأمر كذلك، فكيف يشعر الرؤساء القادمون من صفوف الشعب، ومن طبقته المتوسطة، بنقص في شرعية سلطتهم، بينما كان الولاة والخديويون والسلاطين والملوك من أسرة محمد علي، التركية-الألبانية، يشعرون ويعتقدون بتمام شرعيتهم؟

أم هو التخوف الدائم لدى رؤساء جمهورية يوليو من منافسات زملائهم، أو بالأحرى من صراعات السلطة التي تحسمها القوة، ولا يُرجع فيها إلى الشعب بالوسائل الديمقراطية؟

مهما يكن التفسير -وكل التفسيرات واردة- فإن اتجاه الرؤساء إلى العودة للقلعة التي نزل منها الملوك، هو -بكل أسف- دليل على أن الهوة بينهم وبين الشعب أوسع كثيرًا من الهوة التي كانت بين هذا الشعب وبين حكام الأسرة العلوية.

ليس معنى ذلك أن حكم الأسرة العلوية كان مثاليًا، بل العكس هو الصحيح، خاصة وأن كل من تعاقبوا على عرش محمد علي الكبير لم يرضخوا يومًا لإرادة الشعب في اختيار حكومته طبقا للنظام الدستوري، فضلًا عن أنهم لم يقبلوا فكرة الحكم الدستوري إلا على مضض، وكانوا إما ينقلبون على الدستور، أو يفرغونه من مضمونه، ولكن الحقيقة تبقى -على ما يبدو لنا- أن النظام الملكي كان أرحم وأحشم.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد