Define your generation here. Generation What
أوليفر ستون: أغلقوا هواتفكم المحمولة
 
 

في بداية المقابلة المشوقة على قناة فرنسا 24، تقدم المذيعة البرازيلية الأصل، أوليفيا سالزار- وينسبير، المخرج الأمريكي الكبير أوليفر ستون، قائلة:«من فيلم Scarface وحتى فيلم Platoon، ومن فيلم Wall Street لفيلم JFK.. عالجت كل أفلام أوليفر ستون عالم المخدرات، والحرب، والثروة، والسياسة.. والآن وضع نصب عينيه قضية مراقبة الدولة للمدنيين لتصبح موضوعًا لآخر أعماله حول إدوراد سنودن.. وعلى الرغم من تقدير صناعة الأفلام الكبير له، ومنحه ثلاثة جوائز أوسكار، إلا أن ستون حفر لنفسه اسمًا كصانع أفلام معارضة للمؤسسات، ليس لديه أي مانع أن يشير بأصابع الاتهام إلى بلده نفسها.. الولايات المتحدة الأمريكية».

يتم عرض مقتطف قصير من فيلم «سنودن»، يظهر فيه الأخير بجوار زميل له في المخابرات الأمريكية يشرح له أحد نظم المراقبة قائلا: «فكر في هذه النظام وكأنه محرك بحث مثل جوجل، لكن بدلًا من أن يقوم بالبحث في المعلومات والصفحات المتاحة بشكل عام، فإنه بإمكانه البحث في المعلومات الخاصة الأخرى، مثل الرسائل الإلكترونية، ومحادثات الدردشة، والرسائل النصية القصيرة وما إلى ذلك».. يسأله سنودن: «حسنا، ولكنه يراقب أي مجموعة من الناس بالضبط؟».. يجيب صديقه بلهجة ساخرة: «المملكة كلها.. يا سنووايت!»، قاصدًا العالم بأسره.

تعود الكاميرا لأوليفيا، التي تبدأ الحوار قائلة: أوليفر ستون.. شكرا لك على الحديث إلينا.. علمنا أنك أثناء صناعة فيلم سنودن أخذت إجراءات احترازية كبيرة، للتأكد من عدم سرقة أي من المحتوى الرقمي الخاص بالفيلم.. قمتم بعمل تشفير للمحتويات، ووضعتم قيودًا على الاتصالات بين فريق العمل والعالم الخارجي.. هل كان ذلك أمرًا تقوم به في كل أفلامك؟ أم أنك كنت تخشى من خطر ما إذا ما حدث وتسرب الفيلم للخارج؟

يضحك ستون ضحكة قصيرة مجيبًا: حسنًا.. هناك العديد من الأمور التي يمكن أن تعرض أي فيلم للأذى، على سبيل المثال كل قراصنة الإنترنت العباقرة الموجودين حول العالم، الذين بالتأكيد سيسعد بعضهم أن يخترق معلومات مثل وثيقة السيناريو الخاصة بالفيلم ويعرضها على الإنترنت، سيكون أمرًا ساخرًا.. أن يقوم هاكر بقرصنة «سنودن».. الذي هو في الأصل فيلم يتحدث عن القرصنة.. ستكون مهزلة!. وبالتالي لم نكن لنريد لذلك أن يحدث، وإلا كان سيتم انتقاد السيناريو بشدة قبل عرض الفيلم. أيضًا كان يمكن أن يتم سرقة الفيلم نفسه، ولذلك حرصنا بشدة على حماية كل الشرائط واللقطات لكي يخرج الفيلم للعالم في نسخته الأخيرة المكتملة. إن لم نفعل كان يمكن لأشياء كثيرة أن تحدث، قد يكون أسوأها أن تقوم وكالة الأمن القومي NSA الأمريكية بقرصنة الفيلم وعرضه على الإنترنت، وبالتالي تقضي على أي نجاح تجاري قد يحققه.. كل تلك الأمور كانت تقلقنا، وعلى الرغم من ذلك لم أعتقد أن وكالة الأمن القومي كانت تتبعنا بشكل حثيث، أعتقد أنهم تقبلوا فكرة أن الفيلم سيتم عرضه وسيثير قليلًا من الجدل ثم سيختفى أثره بعد فترة.. ببساطة لأن لديهم المزيد من التحكم، الحكومة تستطيع أن تتحكم وتكرر ما يستمع إليه الناس، وبشكل دائم تتأكد أن كلمات مقلقة مثل «الإرهاب» و«الخوف»..«الخوف» و«الإرهاب» تتكرر على مسامع الناس طول الوقت.. أي فيلم قد يشاهده الناس وقد يتذكرونه لفترة، ثم يمضى من دائرة الضوء.. لكن الحكومة لا تزال تكرر «الخوف» و«الإرهاب»، «الإرهاب» و«الخوف».. أيًا كان ما يكررونه، فالأمر أشبه بفيلم من عالم جورج أورويل.. كرر، كرر، كرر.. هذا التكرار مؤثر وناجح بالفعل، البروباجاندا مؤثرة بالفعل.

تسأله أوليفيا: الآن يطلب إدوارد سنودن من الرئيس أوباما أن يصدر عفوًا عنه، زاعمًا أنه أسدى خدمة لمواطني الولايات المتحدة، هل ترى أن فيلمك سيؤثر في دعم الحملة الجارية من أجل استصدار العفو؟

يجيب ستون: قد يكون كذلك، وآمل في ذلك جدًا، لكن ليست لدي أمال عريضة بخصوص ذلك.. سيكون بالطبع فضلًا عظيمًا أن يصدر أوباما هذا العفو.. وخصوصًا أن النظام قد لاحق العديد من المبلغين والعديد من الصحفيين قضائيًا، مما يجعل الأمر صعبًا على الصحفيين أن ينشروا أمورًا تدين الحكومة. يبدو أن واشنطن تريد أن تغلق المجال أمام الصحافة والنشطاء والمبلغين، وأن تسرب فقط ما تريد تسريبه هي وحسب. تسريبات قد تفيد حكومة الولايات المتحدة مثل «وثائق بنما» على سبيل المثال. هم يتحكمون في مثل هذه التسريبات. وليست التسريبات التي تشكل حرجا على الحكومة. نحن نعيش في بيئة أخبار مغلقة، ما يجري هو حرب معلومات بالمعنى السيئ للوصف.

أوليفيا: ذُكر في الفيلم أكثر من مرة على لسان العاملين في برامج المراقبة والتجسس أنهم فقط يطيعون الأوامر، كيف ترى هذا التبرير من وجهة نظر العاملين في المخابرات المركزية الأمريكية أو وكالة الأمن القومي الأمريكي، كسبب يمنعهم عن كشف الحقائق والتجاوزات؟

ستون: من السهل جدًا أن يشير المرء إلى هتلر والنازيين ويدينهم بشكل واضح وسريع، لكن من الصعب أن ينظر المرء إلى نفسه وإلى وظيفته ويرى كيف يمكن أن يتحول ما يفعله إلى شيئ غير إنساني تماما. قد يكون هذا الشخص من ألطف الأشخاص الذين تقابلهم في حياتك، ولديه ألطف أسرة، لكنه يذهب يوميًا إلى مكتبه للمشاركة في تفجير أناس أبرياء في باكستان واليمن، عبر هجمات الطائرات بدون طيار. أو قد يكون عمله في مجال الحرب السيبرانية، وهو نوع آخر غير معلوم من الحروب. قد يكون يعمل تحت «القيادة السيبرانية» وهي قيادة عسكرية جديدة في الجيش الأمريكي. أو قد يكون مشاركًا في أعمال المراقبة المباشرة، مثل تنقيب البيانات، وهي مراقبة على نطاق واسع، وليست مراقبة لأشخاص محددين بإذن من القضاء. وهو أمر لم يثبت جدارته ولا فعاليته ولا يوجد دليل مادي على أنه جعل الولايات المتحدة مكانًا أكثر أمنًا.. كل ما فعله هو أن جعلها أكثر تحكمًا في العالم بأقصى قدر ممكن. المراقبة العالمية بدون إشراف ديمقراطي تجعل الناس في جهل عما يدور في الخفاء، لا يعلمون أن حكومتهم تراقب وتتجسس على حكومات أخرى، وقادة دول آخرين، وشركات آخرى، وأنها تستخدم هذه المعلومات في تغيير أنظمة في هذه الدول، وإثارة مشكلات. إنها أداة نحو قوة عالمية، قوة بوليسية عالمية. يتم إساءة استخدامها.

تعرض المقابلة جزءًا من فيديو دعائي لفيلم «سنودن» بعنوان «أغلقوا هواتفكم المحمولة» يظهر فيه أوليفر ستون ممسكًا بهاتف ذكي وهو يقول: «هذه الأجهزة المذهلة تمكننا من عمل العديد من الأشياء الرائعة، مثل مشاهدة فيديوهات للقطط بينما نطلب طعامًا صينيًا. لكن هذا ليس فقط ما يمكنها فعله، إنها تُمكِّن جهات معينة من تتبع كل حركة في كل مرة تقوم بعمل مكالمة أو ترسل رسالة نصية. نحن نعطيهم وسيلة للدخول؛ فالمعلومات التي تضعها من خلال هاتفك وبشكل طوعي، قد تكون كافية لأن تهدم حياتك بأكملها!».

تعود الكاميرا لأوليفيا التي تسأل: في العالم الذي نعيش فيه الآن، ومع كل التكنولوجيا التي نستخدمها ووسائل التواصل الاجتماعي، هناك جدل حول تواطؤ شركات التكنولوجيا في ما يحدث.. كيف ترى ذلك؟

ستون: بالطبع شركات التكنولوجيا متورطة في ذلك.. لقد أثبت إدوارد سنودن ذلك عندما خرج على العالم بوثائق «المنشور» -أحد برامج مراقبة الإنترنت، بالطبع كانوا متعاونين مع الحكومة في هذا الأمر، وكان مضطرين أن يفعلوا ذلك. يمكن للمرء فهم كم الضغط الواقع عليهم بالنظر إلى بيل جيتس، واحد من أكبر محبي الخير والإنسانية، عندما ينعت سنودن بأنه «خائن»!.. هذا يذهلني في الواقع. ومن الناحية الأخرى، بمجرد أن خرجت تلك المعلومات للملأ، بدأت تلك الشركات في الاتجاه ناحية حماية الخصوصية، لأنهم أدركوا أنهم سيخسرون كل عملائهم إن لم يفعلوا شيئًا.. لذلك بدأت ترى الشركات تدمج تشفير المحتوى في برامجها وتطبيقاتها، وهو أمر مهم بالطبع.. لكن من الناحية الأخرى، لن تستسلم حكومة الولايات المتحدة لذلك، فلديهم أبواب خلفية في الكثير من تلك الشركات، ويستطيعون الولوج لمعداتها وأجهزتها. إنه نظام صعب. نظام يقوم على التحكم. الحقيقة أننا نعيش في حقبة فاشية الشركات. لا يطلقون عليها كذلك في الولايات المتحدة، لكن هذا هو الوضع القائم. التعاون مع الدولة.. (يكرر).. التعاون مع الدولة!

أوليفيا: في فيلم سنودن، نعرف أن أحداث 11 سبتمبر كان لها أثرًا بالغًا على شخصية إدوارد سنودن.. ولقد قمت أنت من قبل باخراج فيلم عن الحدث نفسه.. كيف ترى عواقب ما يحدث على فنان مثلك في عالم ما بعد 11 سبتمبر؟

يعاجل ستون بالرد: كارثة! «خائن»

تبدو على وجهه ابتسامة مريرة سرعان ما تختفى وهو يتابع: إنه عالم قبيح يفضى إلى عالم أكثر قبحًا. قريب جدًا من عوالم جورج أورويل. يتم فيه استخدام «الإرهاب» كعذر ومبرر للاختراقات ولكل أنواع المراقبة. وكما قلت من قبل، المراقبة المحددة تعطي نتائج، لكن ليست المراقبة واسعة النطاق. إنها إهانة لذكاء الناس. لقد كانوا يراقبون شركة النفط «بتروبراس» في البرازيل لمدة طويلة، هي بالنسبة لهم هدف كبير. أيضًا شركات نفط أخرى في فنزويلا. أيًا كان، فالهدف هو الإطاحة بالنظام في البرازيل بشكل غير قانوني، كما حدث مع رئيسة البلاد اليسارية ديلما روسيف. شاهدنا هذا الأمر مرارًا وتكرارًا، الأنظمة يتم تغييرها أو يتم استهداف تغييرها، مثل الأسد في سوريا، سوف ترون هذا يحدث. وسوف ترونه يحدث أيضًا في أوكرانيا. سوف يحدث ذلك ضد روسيا، وضد الصين، وضد إيران. هذا عالم غير مستقر على الإطلاق، والولايات المتحدة هي من تخلق هذه الفوضى. فبدلًا من أن تتعايش مع أعدائها عبر الدخول في اتفاقيات ومعاهدات، فإنها لا تقاوم رغبة أن تعلم كل شيئ وتتحكم في كل شيئ. هذا أمر خطير للغاية. نحن (يقصد الولايات المتحدة) من بدأنا الحروب السيبرانية في 2007 في إيران، وبالطبع لم نعلن عن هذا، فقط بدأناه بالتعاون مع إسرائيل لكي نقوم بتدمير أجهزة الطرد المركزي داخل المفاعلات النووية الإيرانية. صحيح أنهم قاموا ببنائها مرة أخرى بعد 6 شهور، لكنهم اكتشفوا أيضًا الفيروس الذي زرعناه، وطوروا فيروس خاص بهم، ثم بدأ الكل في مهاجمة الكل، وبدأ الجميع في مهاجمتنا، لدرجة لم نعد نعلم فيها هل المهاجم هو فرد أم دولة! أي شخص يستطيع أن يفعل ذلك الآن، لأن مشكلة الحرب السيبرانية أننا لن نعلم من بدأ حربًا من هذا النوع. ومن سيبدأ حربًا قادمة.

تسأله أوليفيا: بالعودة إلى مسيرتك الفنية، وتحديدا في عام 1986 حين أصدرت فيلمك Platoon (الفصيلة)، والذي يعد عملًا مناهضًا للحرب وكاشفًا لأهوال حرب فيتنام، وحاز على عدة جوائز أوسكار منها جوائز أفضل فيلم وأفضل مخرج. أنت شخصيا تطوعت في الجيش أثناء تلك الفترة واختبرت الأحداث بنفسك. ماذا كانت قناعاتك في تلك الفترة؟

يضحك ستون مجيبًا: كنت غبيًا!.. كنت صغيرًا في السن، وتربيت في عائلة محافظة للغاية. وكانت نظرتي للعالم ضيقة، والحقيقة أن عيني تفتحتا هناك أثناء الحرب. لقد شعرت بالصدمة، بالشلل، وبالنفور. ولم أفهم حينها كل تعقيدات القوة والسطلة العالمية، وتأثيراتها الجيوسياسية. لم أفهم ذلك حتى بلغت العقد الثالث من العمر، وخصوصًا أثناء فترة حكم ريجان وتدخل الولايات المتحدة ضد محاولات الإصلاح في أمريكا الوسطى، هنا فهمت النمط المسيطر للحرب. الولايات المتحدة دائمًا ما تدعم الأنظمة الأوليجاركية (تحالف السلطة مع رأس المال). دائمًا ما تدعم الأنظمة الفاسدة لكي تقمع أي محاولات تفقدها التوازن في القوة. أمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية دائمًا ما كانتا فنائنا الخلفي، أما الآن فقد توسع فنائنا ليشمل آسيا وأوروبا وأفريقيا. نحن الآن في كل مكان في أفريقيا. فكرة أننا نحارب كل الآخرين هي فكرة غريبة. نحن في مجتمع غريب، دائمًا ما يبحث عن عدو. الغضب أصبح جزءًا من أرواحنا، فلقد تربينا على العنف. في الإعلام، والتليفزيون، والأخبار، والطريقة التي يقدم بها العنف، أيضًا في الأفلام بالطبع. العنف هو أكبر وحش في العالم الآن.

أوليفيا: مع نهاية عهد أوباما.. كيف ترى السنوات الثمانية الأخيرة من عمر الولايات المتحدة؟

يجيب أوليفر ستون: لقد أصبت بخيبة أمل بالطبع. كنت واضعًا أمال كبيرة عليه في 2008. كنت أعتقد أنه سيقوم بإصلاحات حقيقية، ويعارض سياسات بوش، لكن ما حدث كان العكس، لقد استمر على نهج سلفه في كل شيئ. زادت أعمال المراقبة والتجسس، زاد تأثير الولايات المتحدة في الحروب حول العالم. تسرّع في سحب القوات من أفغانستان، وكان مخطئًا في ذلك. وتسرّع في سحب القوات مع العراق. نعم، لم نخرج أبدًا من العراق. في فيلم سنودن يقول كوربين أوبراين (أحد المشرفين على برامج المراقبة في وكالة الأمن القومي) بعد 20 عامًا ستبقى العراق فوضى كالعراق حاليًا. لكن المشكلة الكبيرة هي الصين وروسيا وإيران. نفس حديث فترة الحرب الباردة لم يتغير، أعتقد أن أوباما شخص جيد وكل هذه الأمور، لكني أعتقد أنه سيكون أمرًا رائعًا إذا ما أصدر عفوًا عن الرجل الذي أعطى الفرصة لأمريكا أن تنظر لنفسها.

اعلان