Define your generation here. Generation What

كيف فاز ترامب بالرئاسة.. وماذا بعد؟

برغم تخلفه في انتخابات 2016 الرئاسية بمليون صوتًا على الأقل أمام هيلاري كلينتون، سيصبح دونالد ترامب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الخامس والأربعين في يناير 2017. ومن المهم أن نتكلم في هذا الأمر، كيف حدث وما معناه، لا سيما في ما يتعلق بالشرق الأوسط. ولكي نفهم السياسة الأمريكية لا غنى لنا عن فهم أن الولايات المتحدة في واقع الأمر دولة فيدرالية شديدة اللا مركزية. والسلطة، من ثم، موزعة عمدًا بين الولايات الخمسين التي تلعب أدوارًا مستقلة إلى حد كبير في صياغة مصير البلد كله.

والتحليل الرزين الخبير الذي يقدمه شخص من خارج الولايات المتحدة للمؤسسات وللمجتمع في أمريكا قد يأتي على النحو التالي:

الولايات المتحدة بلد ذو مؤسسات سياسية عتيقة تمنح امتيازًا -في جميع مستويات الحكم تقريبًا- لأولئك الذين يعيشون في المناطق الريفية قليلة الكثافة السكانية. وهذه المناطق موطن عدد غير هيِّن من أبناء الطبقة العاملة البيض المسيحيين الإنجيليين الذين تمثل لهم القضايا الاجتماعية والاقتصادية أهمية عظيمة. ومع أن بداخل هذه الفئات اختلافات مهمة فإن تقاطعها في أمريكا الريف وأشباه الضواحي يوفر لها سلطة سياسية لا تتناسب وحجمها. ولقد أعيد إنتاج انقسامات النخبة بين جمهور الناخبين الأكبر بحيث أصبحت المراكز الحضرية في الساحل الغربي والشمال الشرقي قاعدة راسخة للحزب الديمقراطي، في حين أصبحت الولايات الأقل حضرية في الجنوب والغرب الجبلي الداخلي والوسط الجنوبي مؤيدين يعتمد عليهم الحزب الجمهوري.

سوف يصبح ترامب الرئيس برغم فوزه بعدد ناخبين يقل عمن فازت بهم كلينتون لأن للولايات المتحدة نظامًا انتخابيًا يعكس عدم ارتياح الرجال الذين وضعوا الدستور للديمقراطية المباشرة. فبات الرئيس الأمريكي ينتخب بطريقة غير مباشرة، إذ قد يبدو أن الناخبين يصوِّتون لمرشح رئاسي، لكنهم في واقع الأمر يختارون أعضاء «مجمع انتخابي». ولكل ولاية منتخِب مقابل عدد ما لديها من أعضاء في الكونجرس. ومجلس النواب يعكس السكان، لكن لكل ولاية -بغض النظر عن السكان- اثنين (واثنين فقط) من السيناتورات. وبذلك تكون المناطق الريفية قليلة السكان أعلى تمثيلًا عند اختيار الرئيس. ترامب على سبيل المثال فاز بثلاثة عشر صوتًا انتخابيًا بفوزه بألاسكا وإيداهو ومونتانا ووايومنج بأقل من مليون صوتًا في الصناديق. في حين أن ضعف هذا العدد من أصوات الصناديق في ولاية مساتشوستس لم يمنح كلينتون إلا 11 صوتًا انتخابيًا.

لم تكن أغلبية أصوات الصناديق التي حصلت عليها كلينتون موزعة على الولايات لتمنحها أغلبية انتخابية في المجمع الانتخابي. وهذه هي الانتخابات الثانية منذ عام 2000 التي لا تنعكس فيها الأغلبية الشعبية أغلبية في المجمع الانتخابي. كانت المرة الأولى في السنة التي انتصر فيها جورج بوش على آل جور. وأغلب الأمريكيين يرون من ذلك -حسبما قال دونالد ترامب نفسه قبل أربع سنوات- أن المجمع الانتخابي عدو الديمقراطية الأمريكية.

أبرز ما في انتخابات 2016 أن ترامب اعتمد على ما كان ليسمَّى في الهند ببنك الناخب الجمهوري. لقد كان إجمالي أصواته، الذي يقل عن 60 مليونًا، مماثلًا تقريبًا لإجمالي أصوات جون ماكين (60 مليون) وإجمالي أصوات ميت رومني (61 مليون). أما إجمالي أصوات كلينتون، البالغ 61 مليون، فكان أقل بوضوح من إجمالي أصوات أوباما، البالغ 66 مليونا، في 2012 والـ 69 مليونا التي فاز بها في 2008.

يكمن انتصار ترامب في الفوز بخمس ولايات سبق أن صوتت للرئيس أوباما، هي أوهايو وأيوا وبنسلفانيا ووسكونسن وفلوريدا. وحتى ذلك الفوز كان بفارق ضئيل. فقد كان تحول 115000 صوت من جملة أصوات تتجاوز العشرة ملايين في هذه الولايات كفيل بإعطاء أغلبية المجمع الانتخابي والرئاسة لكلينتون. لقد صوتت أغلبيات هذه الولايات الخمس لباراك أوباما في انتخابات 2012 وكان الكثيرون يفترضون أن كلينتون ستفوز بها أيضًا. إذ كان يعتقد أن ويسكونسن -وهي معقل عريق للسياسات الديمقراطية التقدمية- جزء من «حائط الصد» الحامي لكلينتون من الخسارة أمام ترامب. خاصة وأن المسجلين في هذه الولايات كديمقراطيين أكثر من المسجلين كجمهوريين.

وفي حين أنه يمكن للديمقراطيين الاعتماد إلى أقصى حدٍّ على ولايات مثل كاليفورينا أو ماساتشوستس، فقد كان من الخطأ الاعتقاد بأن كثيرًا من ولايات الوسط الغربي تندرج ضمن الفئة نفسها. لقد كانت حملة كلينتون شديدة الهزال في ويسكونسن، بناء على افتراض خاطئ بأنها ولاية آمنة. ففي النهاية فاز ترامب بويسكونسن بفارق 27000 صوت. وكانت أصوات ترامب مطابقة تقريبًا لأصوات رومني، في حين قلت أصوات كلينتون بنحو ربع مليون صوتًا عن إجمالي أصوات أوباما سنة 2012. ولو كان جميع ناخبي أوباما توجهوا إلى الصناديق وصوتوا مرة أخرى للحزب الديمقراطي لفازت كلينتون على ترامب. ولكانت فازت عليه حتى بدون حساب الأصوات التي ذهبت إلى غيرهما من المرشحين.

ويبقى السبب الذي منع هؤلاء الناخبين من التصويت عمومًا موضع جدال. من بين الأسباب المحتملة تثبيط الناخبين. إذ كان لزامًا على ناخبي ويسكونسن في 2016 -للمرة الأولى على الإطلاق- أن يحملوا بطاقة الهوية الصادرة من الولاية ليدلوا بأًصواتهم. ولما كان المواطنون الأمريكيون لا يحصلون من ولاياتهم أو حكومتهم الوطنية على مثل هذه الوثائق بصفة روتينية، ولأن استصدارها مكلف ومهدر للوقت، فقد قضت المحاكم بأن هذه النوعية من الاشتراطات قد تعد غير دستورية لتثبيطها بعض الناخبين، لا سيما الأكثر فقرًا وأبناء الأقليات الذين كان الأرجح أن يصوتوا لكلينتون. في كارولينا الشمالية أبطلت محكمة فيدرالية كذلك قانونًا لتقييده عرقيًا حقا التصويت. وفاز ترامب بكارولينا الشمالية لكنها ولاية سبق أن فاز بها الجمهوريون في 2012.

ويتمثل احتمال آخر في أن كلينتون لم تستطع بصفة شخصية أن تبث من الحماس مثل ما بثه باراك أوباما في 2008 و2012. فهي ليست خطيبة مفوهة، كما أن هجمات ضارية استهدفت أمانتها طوال عقود. وفي غياب منظمات قوية تحمل الناس على الذهاب إلى صناديق الاقتراع، يزداد اعتماد الساسة الأمريكيين على عفوية استجابة الناخبين للمرشحين. وقد عجزت كلينتون -حسب وجهة النظر هذه- عن تحفيز العدد الضخم الكافي من الديمقراطيين على الذهاب إلى الصناديق.

ويؤكد رأي أخير أن خسارة كلينتون جاءت نتيجة مواقفها السياسية. وهذا ما يذهب إليه كثير من أنصار السيناتور بيرني ساندرز، الذي نافس كلينتون على ترشيح الحزب الديمقراطي. لقد كان ساندرز -وهو الشخصية الجماهيرية الأكثر حركية- يتبنى سياسات أشد راديكالية من كلينتون. ودعواته إلى التعليم الجامعي المجاني والرعاية الصحية المجانية اجتذبت تأييدًا غير قليل من الناخبين الشباب في الربيع، ويعتقد أنصاره أن عجز كلينتون عن تبني مثل هذه السياسات هو الذي حرمها ميزة على ترامب. وتزداد هذه الحجة إقناعًا لو أن كلينتون كانت تنافس ترامب على ناخبي أوباما السابقين. ولكن استقرار الناخبين الجمهوريين النسبي يشي بأن الوضع ليس كذلك. لكنه قد يكون سببًا في عزوف بعض الناخبين عن التصويت. والبعض عزف. ففي ميشيجن على سبيل المثال نعرف أن 87000 حضروا التصويت دون أن يصوتوا على رئيس.

ولكن لو وضعنا فوز كلينتون بالأغلبية الشعبية دون أغلبية المجمع في سياق تاريخي لذهب بنا ذلك إلى احتمال آخر. وهذا الاحتمال أقل رواجًا لدى ساندرز وأنصاره في انتقادهم شخصية كلينتون وسياساتها. إن الولايات المتحدة بلد ذو انقسام سياسي غير هين اشتد في العقدين أو العقود الثلاثة الأخيرة. فاليوم لدينا مجموعة دائمة نسبيًا قوامها ستون مليونًا من الناخبين، من شأنها أن تصوت دائما للجمهوريين مهما يكن مرشحهم، ومجموعة، لعلها أكبر قليلًا، يمكن الاعتماد على تصويتها للديمقراطيين. يشكل الناخبون الديمقراطيون أغلبيات في ولايات الساحل الغربي والشمال الشرقي بينما يهيمن الجمهوريون على الولايات الأقل سكانًا في وسط أمريكا وجنوبها. ولسوف تبقى المؤسسات الأمريكية على دأبها في مناصرة الولايات الأقل سكانًا. ووفقًا لهذه القراءة تكون انتخابات 2008 استثناءً لأن خطر الأزمة الاقتصادية والحروب الخارجية غير ذات الشعبية دفعت الذين لا يصوتون في العادة إلى صناديق الاقتراع طلبًا للأمان لا للتغيير. وقد جاءت خسارة كلينتون نتيجة لتراكم مشكلات، برغم صغر كل منها على حدة، إلا أنها كانت في تراكمها كافية لإلحاق الهزيمة بها.

لو أوعزنا خسارة كلينتون إلى عجزها عن إعادة تكوين تحالف الناخبين الذي بث أوباما الطاقة فيه، فمن كان ناخبوها ومن كان ناخبو ترامب؟ نواة ناخبي كلينتون تتمثل في الأمريكين الأفارقة واللاتينيين والنساء ومن يكسبون أقل من 50000 دولار في السنة (أي العمال الفقراء في الاقتصاد الأمريكي اليوم). وقد صوَّتت لكلينتون أغلبيات هائلة من الناخبين في كل من هذه الفئات. وفي كل فئة تقريبًا نلحظ تناقصًا في نسبة من صوتوا لكلينتون عن المشاركين في التصويت الإجمالي.

أما نواة ناخبي ترامب فتتمثل في الرجال البيض المسنين الذين لم يحصلوا على تعليم جامعي، والناخبين الريفيين والمسيحيين الإنجيليين. وبرغم أن ناخبيه يوصفون في العادة بالطبقة العاملة البيضاء، فإن متوسط دخولهم أعلى من متوسط الأمريكيين العاديين. ولعل النواة الأشد صلابة من ناخبي الحزب الديمقراطي تقع عند تقاطع الفئات التالية: الإنجيليين البيض من سكان المناطق الريفية التي تحظى -وفقًا للنظام السياسي الأمريكي- بقوة لا تتناسب مع أحجامها. ويبدو أن تصريحات ترامب العدوانية ضد المسلمين وضد المهاجرين أثناء الانتخابات، وكذلك موقفه الاحتقاري من النساء هي التي بثت الطاقة في جماعته. فضلًا عن أن أغلبية أصغر من النساء البيض صوتت لترامب.

يعرف الجيمع أكثر وعود ترامب الانتخابية التهابًا. فقد وعد ببناء سور على الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك، وأن يرحِّل كل مهاجر لا يحمل وثائق، وأن يمنع المسلمين من دخول الولايات المتحدة، وأن يسمح لروسيا بحرية نسبية في السعي إلى دعم بشار الأسد في سوريا. ومن وعوده غير الشهيرة كثيرًا خارج أمريكا أن يعين في المحكمة العليا بديلًا للراحل أنطونين سكاليا. وكان المشرعون الجمهوريون قد رفضوا النظر في بديل مقترح من الرئيس أوباما، بينما أصدر ترامب قائمة بعشرين شخصية تشريعية من المحافظين وقال إنه سوف يختار من بينهم مرشحًا. ومن المنتظر أن يتحقق هذا بسرعة نسبيًا ليمنح الجمهوريين المحافظين سيطرة فعالة على أجنحة الحكم التشريعية والتنفيذية والقضائية.

على المستوى الدولي يرجح أن يزيد ترامب انسحاب أمريكا من أي تورط في سوريا مع معارضي بشار الأسد. وهو يسعى -شأن إدارة أوباما في بواكيرها- إلى تقارب مع روسيا. ومن المرجح كثيرًا أن يتساهل ترامب في مغامرات بوتين العسكرية خارج روسيا -في أوكرانيا وسوريا. ومن المرجح أيضًا أن يكون أكثر ميلًا ومحاباة لرئيس مصر عبد الفتاح السيسي من الرئيس أوباما. وبرغم المزاعم التي صاحبت حملته باعتباره مرشحًا من أجل التغيير، فإن المرجح أنه سوف يؤثر الاستقرار.

*ترجمة: أحمد شافعي

اعلان
 
 
إليس جولدبرج