Define your generation here. Generation What
تقرير: «التغريبة الثالثة للمصريين» بدأت في عهد المجلس العسكري واستمرت مع الإخوان وتصاعدت عقب 3 يوليو

«مش عاجبك روح كندا ولا أمريكا»، مقولة وجهها محمد حسين يعقوب، أحد أقطاب التيار السلفي، في مارس 2011، للمعترضين على الإعلان الدستوري الذي طرحه المجلس العسكري الحاكم في ذلك الوقت للاستفتاء. و«مش عاجبك روح قطر ولا تركيا»، وجهها الكاتب الصحفي والإعلامي، محمد الغيطي، لمعارضي الإطاحة بالرئيس السابق، محمد مرسي، على يد الجيش في الثالث من يوليو عام 2013.

لم تكن المقولتان سوى تعبير عن الاتجاه السائد المدعوم من النظام الحاكم، والرافض للمعارضين إلى حد دفعهم إلى اختيار المنفى خارج البلاد درءًا للمخاطر، كما يقول تقرير «التغريبة الثالثة.. عن هجرة ورحيل المصريين غير الطوعية للخارج»، الصادر، أمس، عن الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، حول موجة الهجرة غير الطوعية الثالثة للمعارضين السياسيين بعد تغريبتي الخمسينيات والسبعينيات.

شملت التغريبة الأولى، كما يقول التقرير، الإخوان المسلمين ومؤيديهم في منتصف الخمسينيات خلال حكم الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، مع تصاعد العداء بين النظام والجماعة، فيما شملت الثانية اليسار والقوميين في منتصف السبعينيات خلال حكم الرئيس الأسبق أنور السادات، مع بدء تطبيع العلاقات مع إسرائيل وتقاربه مع الإسلاميين.

ينقل التقرير في هذا السياق مقال للكاتب بلال فضل، ضمن ملحق التقرير، يصف به أصحاب المقولتين بمن «يعتبرون الديمقراطية الوسيلة التي تتيح لك أن تنتصر في الانتخابات لتقول بملء فمك لمن يعارضك: واللي مش عاجبه يهاجر كندا أو روحوا تركيا بقى وحلوا عن سمانا».

واستخلص التقرير من شهادات 31 من المصريين التي شملتهم الموجة الثالثة للهجرة غير الطوعية إن «تغريبة المصريين الثالثة، لم تكن فقط بعد مجيء نظام 3 يوليو 2013، بل بدأت خلال حكم المجلس العسكري عقب ثورة يناير، واستمرت خلال حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي وجماعة الإخوان، لكنها تصاعدت عقب نظام ما بعد 3 يوليو، وازدادت حدتها لتشكل ملامح تغريبة المصريين الثالثة».

وبعكس الموجتين السابقتين، يرى التقرير إن الموجة الثالثة لم تقتصر على بقعة واحدة في العالم، حيث ضمت العينة التي تواصلت معها الشبكة العربية 9 دول موزعة على العالم العربي وأوروبا والولايات المتحدة.

كما أنه وعلى عكس التغريبتين السابقتين، فإن الثالثة كانت مزيجًا بين أغلب الانتماءات والخلفيات السياسية والوطنية، إخوان ويسار وليبراليين، بل وقوميين، بالإضافة إلى أكاديميين ومهنيين رحلوا لتمسكهم بقيم المهنية، فضلًا عن أن الكثير منهم إما شباب أو متوسطي العمر، كما يقول التقرير.

يشمل التقرير ثلاثة أجزاء، الأول ينقل فيه شهادت أفراد العينة حول أسباب كل منهم التي دفعتهم للهجرة، والثاني ينقل فيه تجاربهم في المنافي، والثالث يعرض الخيارات بين العودة والبقاء.

ويستعرض الجزء الأول أسباب متباينة دفعت أصحاب الشهادات للرحيل عن مصر «من التضييق في العمل أو التهديدات المستترة، إلى التهديد المباشر ومحاولات الاغتيال». إذ ينقل التقرير مثلًا عن أحدهم قوله إن أنباءً قد بلغته من عدة مصادر تفيد بأن ثمة خطرا يهدد حياته، وأنه معرض للتصفية بسبب ما يكتبه، وبسبب نشاطه السياسي قبل أن تلاحقه بعدها مضايقات كثيرة جدًا من ضمنها احتجاز عاملين لديه والاعتداء عليهم في قسم الشرطة، واختلاق قضايا ومخالفات مالية بالإضافة لحملات إعلامية ضده وضد وأسرتي، على نحو اضطره لشهور عديدة إلى الإقامة خارج منزله، قبل أن يعلم بصدور قرار بضبطه وإحضاره دون إخطاره حتى استشعر الخطر على حياته «مع بدء التصفيات والاغتيالات السياسية بشكل فج »، ورحل عن مصر.

وفضلا عن ذلك، يضم الجزء الأول شهادات ممن رحلوا لأسباب تتعلق بقضايا سياسية استمرت لسنوات، كما يبدو مثلا من شهادة «ي.ل» الذي ينقل عنه التقرير قوله: «خرجت بسبب محاكمتي في قضية رأي معروفة، لم أكن ممنوعًا من السفر. لكن عند عودتي المتكررة لحضور محاكمتي في منتصف 2012 تعرضت لضغوط وتهديدات من النظام. حكم علي بسنتين، وبعد استقراري بالخارج، وبسبب عملي وموقفي من النظام، بعثوا لي بضباط ضبط وإحضار لتفتيش منزلي وإرهاب عائلتي، رغم علمهم بتواجدي خارج مصر».

وهو نفس ما يرويه تقريبا «ف.ر» المتهم في نفس القضية الذي ينقل عنه التقرير قوله «وجدت اسمي ضمن المتهمين في قضية شهيرة في 2012 أثناء عملي في الخارج، أصريت على إعلان موقفي بالعودة لمواجهة تلك التهم السياسية، وبالفعل عدت إلى مصر رغم وجود أمر ضبط وإحضار ومنع من السفر ضدي، وقبض على في المطار كما توقعت، ولكن أفرج عنى بعد حضور المحاكمة. على مدى أربعة شهور دافعت عن نفسي وعن المتهمين في القضية، واستطعت الحصول على حكم قضائي ببطلان أمر القبض على في أكتوبر 2012. وعندما تم رفع اسمي من قوائم منع السفر، سافرت إلى الخارج بعد أن أجلت القضية ضدي، وصدر الحكم بالفعل بإدانتي».

كما ينقل التقرير شهادة أحد المهاجرين الذي قال إنه يتمتع بمركز اجتماعي رفيع عصمه من أن يلقى نفس المعاملة، لكنه لم يكن كافيا لحمايته من قرار ضمني بالطرد من مصر. ويقول: «مع بداية التضييق على العمل السياسي المعارض بعد 30 يونيو، والدورة الثانية لملاحقة المنظمات الحقوقية في 2014، حدث استهداف لشخصي وملاحقة أمنية واستدعاءات لشرب القهوة إلى أن تم تخييري صراحة بين عملي الحزبي واستمراري في عملي، قدمت تعهد كتابي للسلطات بنقل عملي خارج مصر، والاستقالة من منصبي في الحزب، مع وعود ضمنية بعدم التعرض لي ولعائلتي لو ما اتهورتش وعملت دوشة، قطعها على نفسه أحد أعضاء المجلس العسكري شخصيًا».

وبالرغم من قسوة التجربة كما يبدو من شهادات الجزء الأول، يستخلص التقرير من شهادات العينة في الجزء الثالث رغبة معظمهم في العودة، إذ أجاب 4 فقط ممن شملتهم العينة بعدم الرغبة في العودة الطوعية بنسبة 12%، بينما أجاب 27 شخصًا بنسبة 88% من حجم العينة برغبة في العودة مشروطة بانفراجة في المجال العام وعدم الملاحقة»، حسبما يقول التقرير.

وضم ملحق التقرير شهادة للكاتب الصحفي المقيم حاليًا في لندن، وائل قنديل، الذي روى فيها قصة تغريبته بعدما سافر من القاهرة إلى الدوحة يوم 17 يوليو 2013 برفقة الأستاذ الجامعي حسن نافعة للتعليق وقتها على الأحداث في قناة الجزيرة، قبل أن يعلم من صديق أن أحد المحامين تقدم ببلاغ ضده مطالبًا بمحاكمته جنائيًا ومنعه من السفر، بتهمة إهانة الجيش وتهديد الأمن القومي بعدما وصف ما حدث بأنه انقلاب عسكري، وأن ما جرى عند دار الحرس الجمهوري مذبحة ارتكبتها قوات الجيش والشرطة.

وقال قنديل إن تطور الأحداث تزامن مع بدء التدخل في مقالاته بصحيفة «الشروق» قبل أن ينتهي الأمر بحذف أحدها، متواكبًا مع أنباء بلغته عن تصاعد الغضب الرسمي ضده، ما أدى في النهاية لقبوله منصب رئيس تحرير «جريدة العربي الجديد» في لندن.

يقول خالد فهمي، أستاذ التاريخ في جامعة هارفارد، في مقدمة التقرير إن تاريخ القانون الجنائي المصري في القرن التاسع عشر يكشف كيف كانت السلطات تميز بعقوبة النفي بين من هم «خارج الحكومة»، وهم غير الخاضعين لسلطتها، وبين من هم «داخلها»، مضيفًا: «فعند اقتراف الأول لجريمة ما كانت السلطات تأمر بنفيه لبلاده أما الثاني، أي المصري فكانت تأمر بحبسه أو تغريمه. وكأن النفي اقتصر على الأجانب، بل أمسى وسيلة لتمييز المصري عن الأجنبي».

ويشير فهمي إلى أنه «بمرور الوقت وبترسيخ مفاهيم الوطنية والمواطنة، أصبح من غير القانوني إصدار أحكام بالنفي في حق المصريين، بل أن الدساتير المصرية المتعاقبة حرمت النفي تحريمًا قاطعًا، مما يدمى له القلب أن نرى النفي الآن يُمارس على المصريين».

اعلان