Define your generation here. Generation What
محمود عبد العزيز: جامع التحف
 
 

في مشهد من فيلم «القبطان» للمخرج سيد سعيد يتحرك الحكمدار (الفنان أحمد توفيق) على رأس تجريدة من العساكر لاعتقال القبطان (محمود عبد العزيز)، وهو رجل عدمي شبيه بزوربا، يؤلب أهالي المنطقة على النظام. يفتح الحكمدار باب الكوخ الذي يقطنه القبطان على البحر ليقبض على الرجل الذي يؤرقه ويقلق مضجعه، فيجد الباب ينفتح على البحر؛ فالقابوطي، أو بطل شريط سيد سعيد البديع، يسكن البحر أو ربما يسكنه البحر، وهكذا كان البحر يسكن محمود.

شخصية القبطان هي غيض من فيض كاركترات جسدها المارد محمود عبد العزيز عبر رحلته الفنية الطويلة. كان الرجل يهوى اقتناء التحف، ويروي أقرب أصدقائه أنه أحيانًا كان يسافر وراء تمثال أو دولاب صغير من مشرق الأرض لمغربها، حتى أن التواليت «المرحاض» الموجود في بيته هو قطعة من الأنتيكة، حيث أن له مسند في الجانبين يشبه تواليتات ملوك عائلة البوربون.

مثلما كان محمود شغوفًا باقتناء التحف فقد كان أيضًا يقتني الشخصيات. ربما ما كان ينقصه هو أن يصنع تماثيل صغيرة من شخصيات أدواره يضعها على أرفف بيته مثلما كان يفعل كاتب روايات روكامبول الشهيرة: يقف جمال عزمي أبو العزم «الكيف» بجانب شيخون «أبناء وقتلة» متجاورًا مع «رأفت الهجان»، والريس علاولة «زيارة السيد الرئيس»، و«محمود المصري»، والشيخ حسني «الكيت كات»، والساحر الفاشل منصور بهجت في «الساحر»، والقواد في «درب الهوى»، وعايش سعيد أبو كرتونة «أبو كرتونة»، ورضا وبلحة في «الدنيا على جناح يمامة».. وباقي القائمة الطويلة في جاليري شخصيات محمود عبد العزيز ابن الورديان.

فكأنك، عندما تدلف إلى عالمه التمثيلي الرحب، تدخل إلى أحد محلات الأنتيكات الموجودة في حي العطارين بالإسكندرية، والذي كان محمود من أهم زبائن سوق التحف القديمة فيه. تبدو على المحل من الخارج البساطة والعتاقة، ويظهر فعل الزمن في طلائه المتقشر، ولكنه من الداخل يكدس أكداسًا من النفائس قد تفني عمرك في التقليب بينها وتعجز عن تقدير أيها أكثر قيمة.

mahmoud-abdelaziz

تكريم من جمعية الفيلم

قد يتخيل البعض أن الحديث عن العلاقة بين محمود والإسكندرية هو حديث مكرر؛ فالرجل من الإسكندرية وما أسهل إسباغ صفات وطباع البحر على أبناء المدينة الساحلية، مثلما فعل نجيب محفوظ في مقدمة ميرامار، ومثلما يفعل أي كاتب مشبع بالروح الرومانتيكية. ولكن محمود في حياته كان يحمل بالفعل طباع البحر: صاخب وماجن أحيانًا، مضطرب وقلق وحاد المزاج تارة، ورائق وهادئ ووقور ومحب للعزلة تارة أخرى.

كان محمود، حسب إحدى الحكايات، يختفي عن عائلته ليوم أو يومين في الشهر، يقوم فيهما بإحدى المغامرات المحسوبة التي تجدد نشاطه، أو تعرفه على عوالم جديدة ينهل من معينها كفنان.

ربما لذلك لم تلاحقه الشائعات كثيرًا، لأنه كان حريصًا على ألا يكون فريسة لها.. فقط أشارت إحدى المجلات، في فترة صاحبت تصوير فيلم «ولكن شيئا ما يبقى»، لبداية علاقة بينه وبين مديحة كامل، ولكنها لم تعدو كونها تخمينًا صحفيًا.

محمود ومديحة

محمود ومديحة

يروى السيد عوف همام، رفيق عمر محمود، أنه تعود دومًا أن يأتي للإسكندرية في رحلة كان يصفها بزيارة العتبات المقدسة، فيقوم بتجميع العائلة والأصدقاء، أو من يسميهم محمود «القبيلة»، في ليال وسهرات وزيارات وصفها بالصاخبة، وكأن للمدينة حلة يجب أن تلبسها احتفالًا بزيارة ملكها غير المتوج، وكان معتادًا أن تجده يدخل على رأس «قبيلته» إلى المطاعم وأماكن السهر وصالات البلياردو. غير أنه في الآونة الأخيرة علمت شلة محمود أنه قد أتى عدة مرات متسللًا بدون صخب، لأن الوهن وسوء المزاج وعدم الرضا وبدايات المرض اللعين كانوا جميعًا قد تسربوا إلى داخله وعكروا صفوه.

أتى لمسقط رأسه كالسفينة المتعبة التي تدخل الميناء ببطء، وتصطدم في تراخٍ بالرصيف، ثم تسكن للأبد. وهكذا كانت وصيته: أن يدفن حيثما ولد.

ما لا يعرفه البعض أن محمود، بناء على رواية مقربين، استشعر تعثرًا حادًا في مشواره الفني في أعماله الأخيرة، بدءً من فيلم «ليلة البيبي دول» وحتى آخر أعماله التلفزيونية «راس الغول».

لم يكن مقتنعًا، وهو الذي تعود أن ينتقي التحف بعد تدقيق وفحص، بمسلسله الأخير وأعلن أنه سوف يكون أخر أعماله.. بعقلية الثمانينيات فكر في أن يرتد في هذا المسلسل إلى أيام الفتونة والبطل الدون كيشوتي والأكشن المغلف بالكوميديا الـ Farce. أراد أن يترك عملًا خفيفًا طريفًا يصور فيه حي الورديان العتيق الذي ولد فيه، الحي المتاخم للبحر، والذي نحر الماء مساكنه حتى برزت عظامها المصنوعة من الخشب المترع بالماء. عاد إلى مسقط رأسه مثل يوليسوس الذي عاد في آخر أيامه لنقطة البداية، أو كما قال الشاعر دو بلاي: كوخي البسيط على نهر اللوار أفضل من قصر رخامي بروما الباذخة.

ليس الإمساك بخيط واحد عند الحديث عن محمود سهلًا. ربما ليس في قصة حياته من الانقلابات الدرامية الكثيرة ما يصنع رواية، ولكن أدواره شديدة التنوع تشعرك وكأن الرجل قد عاش حيوات متعددة وخلق عوالم موازية. كان يسقط أحيانًا في فخ التكرار، أو لا تغادره شخصية بسهولة فينقلها معه من فيلم لفيلم، مثلما فعل في «هارمونيكا» و«النمس» ثم «الجنتل»، وعاد وكرر التيمة نفسها في «راس الغول».

ولكن عظمة محمود عبد العزيز تكمن في أنه بدأ التمثيل من منطقة حسين فهمي؛ منطقة الجان بريميير Jeune Premier، وكان يعد لأن يكون منافسًا لـ«الواد التقيل»، ولكنه كان يحمل في داخله بركانًا لا يهدأ ولا ينضب، مستعد أن يخرجه في أي لحظة.

تعكس أدوار محمود شخصية الرجل الزورباوي العدمي الذي ينظر للحياة بعدم اكتراث، ولذلك يظن المشاهد أنه كان هكذا في الحقيقة، بينما كان الرجل يتعامل مع حياته بشكل جاد، وليس بشكل بوهيمي كما تُظهر شخصياته.

فمحمود منذ اللحظة الأولى هو طالب بكلية الزراعة بجامعة الإسكندرية، يعي جيدًا ما يفعله ويجتهد ويحترق في سبيله، منذ لمح فيه الفنان السكندري المجهول فادي إسكندر موهبة ضخمة، وهو الذي كان محمود ضيفًا على صالونه الشهير الذي كان يجمع خيرة فناني الثغر.

التقط سعد أردش محمود في إحدى زيارته للإسكندرية، ولكنه لم يلمح فيه هذا الفنان المتعدد، بل لمح فيه كاريزما الفتى الأول شبيه الأجانب، ولهذا أسند له دور ضابط أجنبي في أول أعماله، و ظل المخرجون يحصرونه في هذه النوعية لفترة كان هو مستسلمًا فيها وصابرًا، كما قال في أحد حواراته، منتظرًا الطلقة الأولى، التي أتته على يد الثنائي محمود أبو زيد وعلى عبد الخالق في فيلم «العار».

في ذروة التراشق اللفظي بين مصر والجزائر بعد مباراة ستاد أم درمان الشهيرة، والذي شارك فيه الجميع بدون وعي، إلا قليل من الناس، اتصل محمود بأحد البرامج وقتها، وقام بسب عدة شخصيات جزائرية بألفاظ بنبرة الإسكندراني الشعبي المتهور: «المتعاص خرة وأبو شخة»، ولكن محمود عبد العزيز، رغم ذلك، كان أقل ممثل اهتمت الصحف الجزائرية بإبراز شتائمه والهجوم عليه، ربما لرصيده الضخم الذي يجعل هناك صعوبة في النيل منه.

ربما لم يخض محمود معارك كثيرة، لكن معركته مع عادل إمام ظلت هي الأشهر، وظل بينهما ما صنع الحداد بسبب خناقة مسلسل رأفت الهجان الشهيرة، والتي نقلها محمود إلى كل الساحات، فكان يشتكي طوب الأرض من أن عادل إمام يحاول أن يسرق دورًا كان دوره، بل إنه حين سأله مفيد فوزي في أحد البرامج: هل تعتبر عادل إمام أفضل منك تمثيلا أم أكثر منك جماهيرية؟ رد عليه: عادل إمام ممثل يبحث عن الكم بينما أنا أبحث عن الجودة «ونطقها بضم الجيم».

حتى عندما حاول عماد الدين أديب التقريب بينهما في فيلم «حسن ومرقص»، أصر محمود أن يكتب الفيلم أي شخص إلا يوسف معاطي، السيناريست الملاكي لعادل إمام، وعندما أصر عادل على يوسف كعادته رفض محمود الفيلم بشكل قاطع، واكتفى بمشاركته السابقة مع عادل إمام في بداياته، عندما كان لا يملك رفاهية الرفض، بفيلمي «عيب يا لولو يا لولو عيب» و«شباب يرقص فوق النار».

كانت علاقته ممتازة بمعظم أبناء جيله أو منافسيه كأحمد زكي ونور الشريف وفاروق الفيشاوي وحسين فهمي، ولم يكن هناك خلاف حاد استمر حتى رحيله إلا مع عادل إمام.

فيديو من كواليس مهرجان الإسكندرية عام 1990 عندما فاز محمود بجائزة أحسن ممثل في منافسة مع نور وزكي، وقاموا بالغناء سويًا في الحفل بعد توزيع الجوائز

كان محمود انتقائيًا ومجددًا في أدواره لحد مرعب، لدرجة أنه كان لا يتردد في خوض تجارب شديدة التعقيد مع رأفت الميهي في «سيداتي أنساتي» و«السادة الرجال» و«سمك لبن تمر هندي»، أو مع مدحت السباعي في «خلطبيطة»، ورغم ذلك يقول البعض إنه سقط فريسة المجاملات في أعمال مثل «ليلة البيبي دول» وأعماله التلفزيونية الأخيرة التي كانت من إنتاج شركة ابنه. ربما لم يعلق بذاكرة المشاهد مؤخرًا من أعمال العملاق محمود إلا دور عبد الملك زرزور في فيلم «إبراهيم الأبيض»، وهو الدور الذي شكل نقطة مضيئة في فيلم عانى كثيرًا من الارتباك في الرؤية.

سوف يبقى الكثير والكثير من هذا المارد تستعيده الأجيال، من أفلام وشخصيات ولحظات وإفيهات؛ فهو من الفنانين القلائل الذين ينطبق عليهم تعبير البحتري «جيده أفضل من رديئه بل ربما يمحي رديئه».

في إحدى دورات مهرجان الإسكندرية كان يعرض له فيلم يسمي «رحلة مشبوهة»، وهو فيلم مثله محمود في غفلة من الزمن، ربما مجاملة للمخرج أحمد يحيى. وقتها كان محمود واقفًا يدخن في بهو الفندق لحظة عرض الفيلم، فاقترب منه صحفي سكندري وسأله: «مش هتحضر عرض الفيلم ده يا أستاذ محمود؟»، فرد محمود: «وهي الأفلام دي تتحضر يا راجل!».

اعلان
 
 
آدم يس مكيوي