Define your generation here. Generation What

طبلية الصندوق لا تُشبع

زَفَّت إلينا وسائل الإعلام يوم الجمعة 11 نوفمبر 2016 خبر موافقة صندوق النقد الدولي على إقراض مصر مبلغ 12 مليار دولارًا أمريكيًا، تُدفع لنا «بالتقسيط» على ثلاثة سنوات، على أن تكون البداية بمبلغ 2.75 مليار دولارًا، ربما تكون دخلت حساب البنك المركزي قبل أن يُزفَ إلينا الخبر. بعدها شاهدت احتفاء الكثيرين على مواقع التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام بموافقة الصندوق على القرض، حتى صوره البعض نصرًا مؤزرًا للنظام الحاكم، واعتبره البعض فاتحة خير تبشر بانتعاش اقتصادي مؤكد، وقُبلة حياة دائمة للعملة المصرية المبتلاة مؤخرًا.

ولا أدري إن كان المحتفون قد خَفِيَ عنهم، أم أنهم تجاهلوا عمدًا الكثير من الحقائق التي لم ينكرها أشد المؤيدين لفكرة الاقتراض من الصندوق من المتخصصين، والذين أوضحوا لنا جميعًا أن صندوق النقد ليس مؤسسة خيرية توزع القروض على المحتاجين، وأن هذا القرض سيتعين سداده بالطبع في وقتٍ لاحق، وأن هناك تكلفة اقتصادية واجتماعية تتحملها البلدان التي تسعى للاقتراض من الصندوق، مثلما لمسنا بأيدينا خلال الأيام القليلة الماضية من تعويم العملة المصرية، ومن ثم انخفاض كبير في قيمتها، وتخفيض للدعم على الوقود، ومن ثم رفع أسعاره، وغيرها من القرارات التي لم يتوقف المسؤولون عن تبشيرنا بها، مع تأكيدهم أن الأيام القادمة ستشهد ظروفًا اقتصادية صعبة على الجميع، فيما أطلقوا عليه اسم «الإصلاح الاقتصادي»، وهو منها براءٌ بالطبع!

ولما كان الحالُ كذلك، فقد رأيت أن أضع بعض «الحقائق» أمام الأعين، حتى تكون الصورة واضحة للجميع:

أولًا: أول ما قرأت فيما يخص هذا الموضوع كان عنوانًا في صحيفة الفاينانشيال تايمز الشهيرة صباح السبت 12 نوفمبر 2016، وجاء فيه الخبر كما يلي:

IMF board approves $12 bn. Egypt bailout

أي: «صندوق النقد الدولي يوافق على «حزمة انقاذ» لمصر بمبلغ 12 مليار دولار

نفس التعبير bailout استخدمته وكالة أنباء رويترز في نشرها للخبر، والحقيقة أن الكلمة تحمل دلالات كثيرة، ولقد سمعناها كثيرًا في توصيف القروض المقدمة من الجهات المانحة لإنقاذ دول تعرضت للإفلاس، أو كادت تتعرض له، مثلما حدث في حالتي قبرص واليونان، ومن قبلهما البرتغال وأيرلندا في أعقاب الأزمة المالية العالمية في 2008، وأيضًا الأرجنتين قبل 15 عامًا تقريبًا في ظروف اقتصادية مشابهة للحالة المصرية حاليًا. ويشرح قاموس كامبردج معنى الكلمة بأنه: «هبوط من الطائرة بمظلة لتوقع تعرضها لحادث». أما التفسير المالي/الاقتصادي للكلمة فيشير إلى أنها «فعل تقديم المساعدة المالية إلى شركة أو دولة فاشلة اقتصاديًا لإنقاذها من الانهيار».

وفي كل الأحوال، فمن الواضح أن حزمة الصندوق لإنقاذ مصر ليست «شهادة ثقة» كما يحاول البعض إيهامنا، ولم تكن في أي من الحالات السابقة رسالة طمأنة للمستثمرين الأجانب، وإنما هي في أحسن الأحوال تعبير عن «سوء حالة وإفلاس» الاقتصاد المصري، ما استدعى اللجوء إلى الصندوق للاقتراض، تمامًا كما فعلت الدول السابق ذكرها عندما أفلست، إلا أننا كالعادة لا نفضل تسمية الأشياء بأسمائها. وتجدر الإشارة إلى أن هذا يعد الإفلاس الثاني لمصر خلال السنوات الثلاثة الأخيرة، بعد أن أحاطت بنا ظروف مشابهة خلال النصف الثاني من 2013، والذي بادرت فيه بعض دول الخليج بتقديم حزمة إنقاذ أخرى bailout تجاوزت الثلاثين مليار دولارًا خلال الفترة الماضية، ولم تنجح رغم ذلك حتى الآن – في إخراج مصر من أزمتها الاقتصادية.

ولا تأتي موافقة الصندوق إلا كدليل على تنفيذ مصر ما اشترطه، أو اقترحه، أو ألمح إليه الصندوق، حتى يضمن ألا يذهب قرضه لدعم العملة المصرية أمام الدولار، أو دعم الوقود للمواطن المصري، إذ ربما يساعد ذلك في زيادة قدرة الدولة المصرية على سداد المبلغ المقترض مستقبلًا، وهو ما يعني الصندوق بالدرجة الأولى.

ثانيًا: في يونيو 2016 أعلن البنك المركزي أن حجم الدين الخارجي لمصر قد بلغ 54 مليار دولارًا أمريكيًا، ومع غياب أية أرقام رسمية بعد هذا التاريخ (أو عدم علمي بها على الأقل) ، يمكن القول، بعد إجراء بعض الحسابات البسيطة من الذاكرة، إن هذا الرقم زاد بحوالي مليار دولارًا من الإمارات (23 أغسطس بحسب موقع BBC Arabic)، و2 مليار دولار من السعودية ( 12 أكتوبر بحسب كل جرائد مصر)، و4 مليار دولار في طرح خاص لوزارة المالية لبعض المؤسسات المالية الدولية (بحسب موقع الوزارة يوم 11 نوفمبر2016) و2 مليار دولار للمركزي من كونسورتيوم من البنوك (بحسب موقع البنك المركزي 13 نوفمبر 2016)، و2.75 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، ليصل بذلك حجم الدين الخارجي إلى 65.75 مليار دولار، ولا ننسى أن الاتفاق مع الصندوق يشمل اقتراض حوالي 9.25 مليار دولارًا خلال الأعوام الثلاثة المقبلة، بالإضافة إلى السندات المزمع إصدارها قبل نهاية نوفمبر بمبلغ 3-4 مليارات دولارًا على الأقل، وهو ما يصل بالدين الخارجي إلى ما لا يقل عن 79 مليار دولارًا، بعد أن كان 48 مليار دولارًا في نهاية 2015!

غنيٌ عن البيان بالطبع أن ارتفاع حجم الدين الخارجي بهذه الوتيرة ينذر بالعديد من المخاطر، لا تتوقف عند ارتفاع المبالغ الموجهة لخدمة الدين في الموازنة العامة للدولة (بالعملة الأجنبية)، وهي أصلًا تعاني من عجز دائم، حتى زادت الفوائد المدفوعة على قروض الحكومة عن 50% من إجمالي نفقات الدولة، بالإضافة إلى زيادة الضغط على عجز ميزان المدفوعات، وإنما تشير أيضًا إلى أننا حتى هذه اللحظة لا نزال نسير في الاتجاه الخاطئ! فالاستدانة بالعملة الأجنبية لحل أزمة العملة وتحقيق النمو بالاعتماد على الديون، ثم وصول الديون الخارجية إلى هذه الأحجام غير المسبوقة في تاريخ الاقتصاد المصري، لا يمكن اعتبارهما بداية لحل الأزمة، وإنما هما مجرد محاولات لشراء الوقت، وبتكلفة عالية جدًا سيتحملها في السنوات القادمة أبناؤنا وأحفادنا، الذين قد يلعنوننا عندما يضطرون لاقتطاع نسب كبيرة من دخولهم لسداد ما اقترضناه نحن، ظنًا منهم أننا اقترضناه ترفًا، وهم لا يعملون أن أحدًا لم يُسْمح له بمناقشة موضوع الحصول على تلك القروض، رغم نص الدستور على ضرورة موافقة البرلمان قبل الحصول عليها، وفي غياب تام لأية آلية أو محددات لاتخاذ مثل تلك القرارات الخاصة بالاقتراض الخارجي.

ثالثًا: القرض الممنوح لمصر من صندوق النقد الدولي سيساعد الدولة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية اللحظية بعد تباطؤ/توقف السعودية والإمارات عن «التعاون معنًا»، لكن الواقع يقول أن مشكلة عجز ميزان المدفوعات هي مشكلة مزمنة في الاقتصاد المصري، ولو وفينا بالالتزامات اللحظية، فسنواجه نفس الموقف مرة أخرى بعد ثلاثة أشهر، وربما بصورة أكثر حدة، وهو ما يظهر ضرورة وضع جدول واضح ومحدد لاستخدام قرض الصندوق، بما يعزز النمو ويخدم أهداف التنمية الشاملة ويخلق فرص العمل بصفة خاصة للفئات الضعيفة. فالمبالغ الكبيرة توفرت من قبل، لكن إساءة استخدامها، وتوجيهها إلى مشروعات وصفقات غير ضرورية في ظل أزمة عملة واضحة، أديا إلى تبخر تلك المبالغ من دون تحقيق الاستفادة المطلوبة، وإلا فخبرني بالله عليك أين ذهبت مليارات الخليج (وأرزه) بعد يوليو 2013.

ما أن فرغت من شرح تلك النقاط لبعض الجيران والأصدقاء، حتى بادرني الحاج ربيع – التاجر والمُصَنِع ابن البلد – بقوله: «ماحدش بيشبع من طبلية البنك»، كما يقول هو وزملاؤه من صغار التجار والمُصَنِّعين عن حالهم مع الاقتراض من البنوك، وأنه كذلك يكون الحال مع اقتراض البلدان المتعثرة من المؤسسات المالية الدولية، فلا أحد أيضًا يشبع من «طبليتهم»، حيث أنهم لا يعطون ما يُشبع، ويعطونه بشروط وإجراءات تخدم مصالحهم بالأساس، ولا يعنيهم أن يكون استخدام تلك الأموال لخلق فرص العمل ومساعدة الفئات الضعيفة، أم لمساعدة الأثرياء ليكونوا أكثر ثراء! ولو لم يفطن المسؤولون في بلدنا لذلك لأُهْدر القرض كما أُهدرت المليارات من قبله، ولأصبح القرض عبئًا على المواطن الفقير والضعيف والصغير، وتأتي الأجيال القادمة لتلعننا بما فعل السفهاء منا.

الاقتراض عمومًا ليس عيبًا، واقتراض الدول أمر معتاد، خاصة بعد الخروج من الثورات (أو القضاء عليها)، أو بعد عقود من سيطرة نظام حكم فاسد، لكن العيب كل العيب أن يكون الاقتراض من أجل سداد قرض آخر، أو أن يجري الاقتراض من أجل إقناع آخرين بأهليتنا للاقتراض ليقوموا بإقراضنا، أو الزعم بأن القرض سيستخدم في دعم احتياطي النقد الأجنبي!

دعم الاحتياطي لا يكون بالاقتراض، ولا يكون إلا بتحقيق فائض في ميزان المدفوعات. أما الأساليب الملتوية لإظهاره عند مستويات أعلى فلن تكون إلا عبئًا مضافًا إلى الأعباء التي أرهقتنا وسترهقنا في المستقبل القريب، ناهيك عن التكاليف المعنوية التي تتحملها الدول المقترضة، وما تصويت مصر في مجلس الأمن مؤخرًا في الشأن السوري، وما تبعه من «غضب ولوم وحرمان» سعوديين لعدم تطابقه مع تصويتهم، إلا بمثال بسيط على تلك التكاليف.

اعلان
 
 
شريف عثمان