Define your generation here. Generation What

أزمة «المشهد» الفني المستقل

صدرت مؤخرًا عدة مقالات حول الأزمات التي يمر بها المشهد المستقل المعني بالفن المعاصر داخل مصر، وكانت بمثابة حافز لنا لإعادة قراءة المشهد الذي يمر الآن بالعديد من الأزمات بخصوص بطرق استدامته.

فإذا كنا بصدد الحديث عن أزمات تهدد استدامة هذا المشهد كما زعم البعض من المهتمين في كتاباتهم عنه فإننا نتفق بذلك على أن المشهد منذ تكونه في بداية تسعينيات القرن الماضي بدأ ككيان متماسك ومترابط، لمجرد استهداف معظم أطرافه لنفس الهدف، وهو الاستقلال عن المشهد الحكومي والعاملين فيه، أو تعويض النواقص التي أهملها، وهذا بحد ذاته ليس وصفًا دقيقًا يجيز لنا الاعتراف به كـ«مشهد». ومع ذلك فإذا تخيلنا أو افترضنا أنه «مشهد» بالفعل، فإن الأسباب المؤدية لظهور الأزمات التي حلت به في الآونة الأخيرة، قد يرجع معظمها إلى لحظة نشأته في ظروف غير محفزة، نتيجة لتضييقات حكومية ومجتمعية.

لذا كانت لنا عدة نقاشات أجريناها بصفة ودية مع عدد من العاملين بالمؤسسات التي لا تزال تعمل في المجال الفني ولم تغلق أبوابها، حيث لمسنا بوضوح الأزمة التي تعانيها تلك المؤسسات، والكامنة في البحث عن مصادر تمويل بديلة في سبيل تحقيق الاستدامة المالية، التي تضمن لها الاستمرار في تقديم دورها، وتقديم الدعم للفنانين المستقلين وتقديم خدماتها للجمهور.

لفترة طويلة اتبعت تلك المؤسسات منهجية عمل تعتمد على الإنجازات قصيرة الأمد بهدف نشر الفنون واستقطاب المهتمين، دون التمهيد لإقامة بنية تحتية تدعم استدامة المشهد وتطوره (التعليم، النقد والتنظير، قواعد البيانات، الأرشيف.. إلخ)، وخصوصًا أن ما أتى بالمشهد كان الفكر المختلف عن الصورة النمطية المتكهنة المعتاد تداولها في المشهد الحكومي، بداية من مخرجات المحتوى التعليمي وحتى دور العرض وطرق الدعم.

في هذه القراءة أردنا تناول إحدى عناصر البنية التحتية التي تطاردنا الأحاديث عنها أينما ذهبنا، وهي نقص الموارد المادية لدى المؤسسات الفنية المستقلة، وهو النقص الذي يؤدي إلى الإحباط العام الظاهر في تراجع المشاريع والفعاليات الفنية في الآونة الأخيرة، ويهدد حصول الفنانين المهتمين بالمشهد الفني غير الربحي على أجور مناسبة تسمح لهم بممارسة العملية الفنية كمهنة، كما يهدد أيضًا مستقبل العاملين بتلك المؤسسات. وربما يرجع ذلك إلى غياب استراتيجيات مؤسسية متنوعة ومختلفة تضمن تحقيق الاستدامة المالية.

نخصص في تلك القراءة تصورًا عمن يرغب من أبناء الطبقة العاملة بالعمل كفنان ولا يريد العمل غير ذلك. ذلك المخلص المدعو بـ«الفنان» هو الشخص الذي يرغب في التحول من كونه هاوٍيًا للفن لممارس محترف، باحثًا وراء فرص الدعم التي تقدمها وزارة الثقافة ليجد سبيلًا لإنتاج أو عرض أعماله الفنية، وإذ به يجد نفسه أمام مجموعة من المتحللين الذين بعثوا إلى الحياة من الممات، ولا يزالون لا يعترفون بالفنان الذي يمارس فنًا مغايرًا لمناهج كليات الفنون الحكومية، ليردوه خالي الوفاض. وفي الوقت ذاته تناجيه أضواء المشهد المستقل الذي يتمتع بقدر من الحرية ومساحة للاحتكاك بثقافات مغايرة عن السائد، فينخرط في ذلك الحقل الناشئ باحثًا عن تحقيق الطموح الأدبي والمادي، فإذ به يجد نفسه مرة أخرى مطالبًا بالتكيف مع الاستراتيجيات والاهتمامات المختلفة للمؤسسات، بالإضافة إلى الظروف المادية وعوائق اللغة التي تحدد أحيانًا مسار الفرص وشكل الفن النموذجي، الذي يُطوِّع أحيانا نوعًا من الأذكياء النازحين إلى هذا الحقل حاملين موروثًا وقيودًا اجتماعية تصوغ التعريف السائد للعمل المهني، ذلك العمل المعروف عنه أن الإنسان يبذل فيه طاقة جسمية وفكرية لتحويل الأشياء المادية إلى صورة تتلاءم مع حاجات الآخرين. يعرف هؤلاء الأذكياء جيدًا أن المهنة ليست فضاء للهو واللعب أو حتى الخوض في المخاطر، في سبيل المشروع الفكري على حساب مشروعهم المادي، وهنا تكمن الحيرة ما بين اعتزال الممارسة أو الفشل في التكيُّف واللجوء إلى الاستدامة الذاتية أو المراوغة نحو الاستقرار والمحافظة على النمطية.

منذ بداية المشهد الفني المستقل داخل مصر، اعتاد فنانون كثيرون (لم يحالفهم الحظ في تحقيق طموحهم المادي أو الأدبي أو كليهما معًا، سواء من خلال الحقل المستقل أو الحكومي)، على مزاولة مهن أخري بجانب الفن أو باسمه لضمان البقاء، أو لتأمين الظروف الإنتاجية أثناء ممارسة الفن ذاته، ذلك هو الواقع الذي يطرح علينا جميعًا سؤالًا لا يرغب معظمنا في إيجاد إجابات له، مثل «هل الفن الآن هواية تُمارَس في أوقات الفراغ كعمل مزاجي، أم مهنة تضمن لصاحبها الاستمرار والبقاء؟»، لأن السؤال ذاته يزعج هالة وبيئة المشهد الذي يزعم جميع الأطراف فيه أنهم بالفعل أطراف مشهد موجود، قد يكون ضعيفًا، لكنه يظل مشهدًا في مخيلتهم!

في تلك القراءة لم نكن بصدد البحث عن تقديم حلول للأزمات التي يمر بها المشهد حاليًا، ولكننا مهتمين بالنقاش حول بنيته التحتية وصور الاستدامة الفنية.

___________

هذه قراء أولى من مجموعة قراءات تُكتب كملخص لعدة نقاشات مطولة، وتبحث في تطبيقات الاستدامة الفنية من خلال عدد متغير من المهتمين.

اعلان