Define your generation here. Generation What

قراءة في «تهجير المؤنث»: النص كأنثى

هل يمكن النظر لنص ما باعتباره جسدًا؟ إن كان ذلك ممكنًا، فهل يمكن أن يكون النص مذكرًا أو مؤنثًا، أو لنقل ذكريًا أو أنثويًا – ولا أتحدث هنا بالمناسبة عن الأفكار التي يحتويها النص، ولا عن الخطاب الذي يدافع عنه أو يقاومه – دون أن يفترض القارئ أنه يمكن النظر للنص أو حتى للجسد كنص محايد؟ لنتخيل إذن جسدًا عاريًا. هل يكون الجسد العاري مجرد جسد لأنثى أو لذكر، أم أنه حتى في الحالة الغُفل لا يكف عن إرسال شفرات ما تجعله أكثر من جسد مذكر أو جسد مؤنث؟ في ظني أنه لا وجود لجسد غُفل حتى لجسد ميت. ومع هذا أفترض في هذه القراءة وجود هذه الحالة الغُفل للجسد، وبالتالي أفترض وجود هذه الحالة الغُفل للنص؛ النص كجسد غُفل.

الحقيقة أني لم أتمكن من قراءة نص نورا أمين «تهجير المؤنث» الصادر مؤخرًا في لغته الأم عن دار آفاق دون حضور نصوص سوزان سونتاج (1933 – 2004) وهي ناقدة ومخرجة وروائية أمريكية، وواحدة من النسويات اللاتي نضج وعيهن مع مظاهرات الطلاب 1968 التي بدأت في باريس ثم امتدت من إيران للولايات المتحدة. بالطبع قد لا تكون من قبيل المصادفة أبدًا التشابهات بين سونتاج ونورا، خصوصًا بالنظر للنشاط الذي قامت كل منهن به، سواء في مجال الكتابة أو الإخراج أو العمل النسوي.

بالنسبة لنورا فإن هذا النص هو نصها النقدي ليس الأول الذي تمكن الإشارة إليه باعتباره «نص نورا». وبحسبها هي، فإنه شهادة عما كان يشكل الأرضية التي انبنت عليها كافة أشكال النشاط الإبداعي والنقدي لنورا طوال العقدين الماضيين. تقول نورا في صدر النص/الكتاب: «في الحقيقة إن هذا العمل هو الأصل في كل ما كتبت، إنه يقبع في جذر هويتي كامرأة وككاتبة، فكل النصوص التي كتبتها على مدار واحد وعشرين عامًا تتجذر في الوقائع التي يستند إليها تهجير المؤنث». مع التحفظ بالطبع على كلمة (الأصل)، التي لا تستخدم هنا للإحالة إلى أصل وفرع كعادة النصوص الأصولية، وإنما للإحالة إلى الفضاء الذي تأسس عليه مشروع نورا النصي، روائيًا أو أدائيًا.

بالعودة للجسد الغُفل يمكننا القول إن النص الذكري هو نص مكتمل، أو على الأقل يستهدف الاكتمال، وهو نص يتوسل بالموضوعية والعقلانية. فهل يعني ذلك أن النص الأنثوي غير مكتمل وغير موضوعي وغير عقلاني؟ بالطبع لا، وإلا نكون قد وقعنا في فخ الذكورة والأنوثة الذي تسعى النصوص الأنثوية للفكاك منه. ما أعنيه هنا هو أن النص الأنثوي (يقاوم) الاكتمال والموضوعية والعقلانية الذكورية. لنقل ببساطة إن النصوص بدأت ذكرية، باعتبار أن الرجل تصدى للكتابة قبل أن تفعل الأنثى. لقد بدأ الرجل الكتابة فكتب دون وعي منه نصًا ذكريًا، نصًا على شاكلته، فكما في التوراة خلق الله الإنسان على شاكلته، خلق الرجل أيضًا الكتابة على شاكلته، وظلت الكتابة حتى بعد بداية كتابة الأنثى ذكرية حتى انتبهت المرأة لذلك. في البدايات كتبت المرأة نصها ذكوريًا لأنها ربما لم تكن تعرف غيره. لقد أوهمها الرجل أن ما يكتبه هو «الكتابة» بألف ولام التعريف. واحتاجت المرأة عقودًا طويلة حتى استوعبت أنها يجب أن تكتب كتابتها هي. التاريخ الذي كتبه الرجل بدا عنصريًا وغير محايد أكثر من اللازم. بالنسبة لي فإن كتابة المرأة منذ ذلك الوقت مسيرة من المقاومة أكثر من كونها مسيرة من التأسيس. باستلهام ميشيل فوكو التفكيكي الفرنسي فإنه لا وجود خارج النظام، أو خارج الميتافيزيقا كما أشار قرينه جاك دريدا. وعليه، فإن النصوص إما أن تكون نصوصًا ميتافيزيقة أو تقاوم الميتافيزيقا. كل النصوص التي كتبتها المرأة أو الرجل بهذا الوعي النسوي هي نصوص مقاومة.

في منتصف التسعينيات رأيت نورا أمين للمرة الأولى. كانت على عكس جيلنا قد خطت خطوات مبكرة للإنجاز؛ وكنت أحسدها لهذا السبب. كنا على باب مسرح الهناجر وقد انتهينا من مشاهدة مسرحية حين رأيناها خارجة. كان الجو شتويًا فوقفت للحظة تفرك كفيها. رفعت ياقات البالطو وأغلقته ومضت في طريقها مع الفنان محمود حميدة. كانت وقتها تشارك في تحرير مجلة «الفن السابع» التي توقف إصدارها بسبب مشاكل التمويل. حين كانت واقفة ما تزال، علّق أحد الأصدقاء تعليقًا جنسيًا. رغم دراسة صديقنا للمسرح لم يستطع تخيل وجود رجل مع امرأة في أي مكان، حتى ولو كان مسرح الهناجر، دون أن يكون الشيطان ثالثهما. لكي تكتمل الدراما عرفنا بعد سنوات طوال أن صديقنا إخواني!

كان يمكن إذن النظر لنورا أمين على أرضية الإنجاز أو على أرضية الأنوثة، كل بحسب موقعه. والحقيقة أن كلًا من الأرضيتين على نحو كبير تبدو مهدِّدة لمجتمع ذكوري يهدده الوجود الحر لامرأة، بقدر ما يهدده أن يكون هذا الوجود ناجحًا. الأنثى تهدد وجود المجتمع بقدر ما يهددها المجتمع، أما الأنثى الناجحة فهي كارثة. بالنسبة لنورا كان حضورها كارثيًا لها سواء كأنثى أو كأنثى ناجحة، بقدر ما كان حضورها كارثيًا للمجتمع الذي قاومت لتكون فيه امرأة منجزة. كانت نورا كأنثى تقاوم التنميط الذي يفرضه المجتمع التقليدي على الجميع، والذي لديه تصورات مسبقة عما يجب أن تكونه المرأة أو الرجل بالمناسبة كامرأة مثالية. وكانت أيضًا كامرأة تعرض جسدها على المسرح سواء كراقصة أو كممثلة تقاوم الأفكار المسبقة لدى المجتمع فيما يخص العمل في الفن. كان الممثلون بالذات ممنوعين من الشهادة في المحاكم حتى وقت ليس بالطويل. السينما المصرية في بداياتها مثلًا سجلت حضورًا أسطوريًا لشخصية «الراقصة الشريفة»، تلك التي، رغم عملها كراقصة، لديها حس أخلاقي أكثر من الرجال المحافظين. ولكي تكتمل الأسطرة كان يجب أن تموت هذه الشخصية في النهاية، جالبة لنفسها أكبر قدر محتمل من التعاطف. في منتصف القرن التاسع عشر كتب ألكسندر دوماس الابن روايته «غادة الكاميليا» عن محظية تقاوم النفاق الاجتماعي للمجتمع المحافظ قبل أن تموت مصاحبة بأبلغ عبارة على لسان قس الاعتراف: لقد عاشت محظية وماتت قديسة!

في النص الذي كتبته نورا وهنا أنا لا أشير فحسب لنصها «تهجير المؤنث»، ولكن لكل نصوصها أيضًا قدر هائل من مقاومة النص الذكري. وفي نصها «تهجير المؤنث» ثمة أنثوية طاغية بقدر النسوية التي تسكنه. فرغم أن النص مكتوب كبحث، فإنه كدراسة سوسيوثقافية يتوسل بالذاتية في أغلب مقاطعه. كما أنه لا يتعامل مع العالم كمجال للرؤية والبحث والدراسة، بقدر ما يتعامل مع العالم كتكئة لرؤية الذات / الجسد. بداية من الإهداء الذي يحيل إلى رواية النسوية الأم لطيفة الزيات «الباب المفتوح»، بكل دلالات العنوان، نهاية بطريقة بناء جسد النص، ومرورًا بالتجارب الذاتية لنورا كأنثى وليس ككاتبة، نورا التي كانت طفلة تلبس فساتينها وتتحرك في فضاء العالم بالمغايرة مع قريناتها، وتتعرض لأول تجربة تحرش دون أن تفهم أنها كذلك وقتها فتدرك جسدها كحضور دال وليس كحضور غُفل، تدرك جسدها كلوحة إشارات، ويصير عليها من الآن فصاعدًا ضبط إشاراته، مقاومةً أي سوء تأويل محتمل، عليها ضبط إشارات الابتسام والتحية والغضب والاستياء بقدر ما عليها ضبط إشارات متعلقات الجسد، مثل الزي الذي تلبسه، الذي هو أحد الإشارات الأكثر إساءة للتأويل في فضاء عام ذكوري الطابع، بداية من المساحات التي يغطيها/لا يغطيها والتي يبرزها/لا يبرزها، ونهاية بألوانه، بل وسعره المقدر.

ومع هذا، فقد ظلت نورا، كحضور ناجح، عليها مقاومة إساءة التأويل، خصوصًا وقد بدأت الحضور الناجح كراقصة، بكل ما في الكلمة من استعارات وإشارات. في كتابها تشير إلى فترة مشاركتها كراقصة في أول فرقة رقص حديث في مصر. تبيَّن لنورا ـ التي كان من بين أحلامها أن تكون راقصة كنعيمة عاكف أنها تؤدي في الفرقة حركات صُممت لراقص ذكر، فقررت أن تكون ممثلة تعرض نفسها/جسدها الأنثوي على المسرح. لكن مفارقة الوجود كراقصة تؤدي حركات ذكورية تحولت لمفارقة الوجود كممثلة تعرض نفسها/جسدها على خشبة المسرح، فيما عليها التوقف عن عرض نفسها/جسدها خارجه. المفارقة الأكبر أن الفضاء العام الذكوري الذي يمارس إساءة التأويل خارج المسرح، كان هو نفسه الذي يمارس إساءة التأويل داخل المسرح، فلم يكن الفضاء العام الذكوري قادرًا في أية لحظة على استقبال إشارات الجسد المتاحة على المسرح باعتبارها إشارات مسرحية، ولا يزال الناس في مصر حتى الآن يخلطون بين الممثلة والمحظية.

بالعودة للنص المكتوب مرة أخرى، نجده نصًا مقاومًا وليس تأسيسيًا. ويمكن تجذير ملامح المقاومة في ثلاث ملامح كلها تتضافر لتنتج جسدًا نصيًا أنثويًا. فهو من ناحية يتوسل بالذاتية لإنتاج دلالاته، فتمتزج تجربة الكاتبة الشخصية مع قراءتها للواقع باعتبارها تجربة عمومية، ومن ثم فإن النص يقاوم الموضوعية، رغم محاولته أن يكون كذلك، ويسحب دلالات التجربة الشخصية على العالم، أي أنه يبدأ من الذات للخروج إلى العالم أو ليفهم العالم، بدلًا من أن يبدأ بالعالم لفهم الذات، وفي هذا يكون لاستحضار نصوص سونتاج معنى. ومن ناحية فإن مبناه ينتج جسدًا أنثويًا، فهو لا يقسّم فصوله كما هو متعارف عليه في أي نشاط بحثي، ولكنه يقسّم فصوله بما يشبه تفصيل زي أنثوي يلائم الأنثى. ومن ناحية فإنه مشحون بقدر كبير من الحسية، الناتجة ربما عن استدعاء التجربة الشخصية، فلا يمكن بعد فترة من القراءة التعاطي مع المؤنث المشار إليه في العنوان إلا كدال على الكاتبة نفسها، بل ولا يمكن التعاطي مع المقاطع التي تصور حادث اغتصاب مراسلة البي بي سي في ميدان التحرير إلا بحضور جسد نورا نفسه،كما لو كانت في هذه المقاطع تؤدي دورها على المسرح، فحتى وصف المشهد نفسه يبدو كمشهد مؤدى أكثر مما يبدو كمشهد واقعي، ويمزج الصور؛ صور الاغتصاب مع صور تفتيش نورا في أحد المطارات الأوروبية، لإنتاج دلالة تتجاوز دلالة كل مشهد على حدة.

وأنا هنا أشعر بإغراء اللعب مع النص بتعديل عنوانه إلى «تأنيث المهاجر». الشحنات الدلالية للمهاجر في هذا النص أو غيره تنكزني وتدفعني لتأمل الأنثى في الفضاء العمومي الذكوري، بالنظر إلى هامشيتها، كمهاجر وليس كمواطن أصيل. ومن ثم فإنه، كمهاجر، يؤنَّث طوال الوقت لفرض هامشية أكبر عليه. فالجسد الأنثوي، حتى في موطنه، يصبح جسدًا لمهاجر عليه الانضباط وفق قوائم الأعراف الاجتماعية، ولا يمكنه التفاعل مع العالم إلا كمهاجر يترقب موعد عودته إلى وطنه، ولأنه أي الجسد الأنثوي لا وطن له، فإنه يستسلم لألا يكون نفسه إلا في عزلته أو في موته، أي في غيابه. ومع هذا أو ربما لهذا فإن استمرار حضوره، خصوصًا إذا ما كان حضورًا ناجحًا، يكون وسيلة المقاومة الوحيدة لفرض وجوده على عالم يبالغ في تهجيره. وعليه يكون الحضور الأنثوي لنورا كجسد على المسرح وكمنتج لجسد نصي أنثوي فاعليةً مقاومةً تهدد الفضاء العمومي وذكوريته، بقدر ما يهدده هذا الفضاء العمومي الذكوري.

اعلان