Define your generation here. Generation What
الطريق إلى «الجبّانة».. حيلة أخيرة للإفلات من الفقر
 
 

عقب صلاة الفجر بسويعات استيقظ أهالي قرية كوم العرب، شمالي سوهاج (450 كيلومترًا جنوب القاهرة)، على صراخ في بيت الأستاذ كمال -43 عامًا، بائع في صيدلية. قالت زوجته إنّه توفي بعد أن صُعق أثناء محاولته تغيير لمبة محروقة. عقب صلاة الظهر كان رجال القرية قد دفنوا الميّت، وفي مساء ذلك اليوم، سرت رواية أخرى لوفاة الرجل، مفادها أنّه مات صعقًا بالكهرباء أثناء استخدام موتور كهربائي لسحب المياه من حفرة داخل بيت الأستاذ عابد -54 عامًا، موظف بالوحدة الصحية للقرية- بغرض التنقيب عن الآثار، وأن زوجته كانت تعلم بما يقوم به زوجها، الأب لثلاثة أطفال أكبرهم لم يتجاوز سنه 14 عامًا. هذه الرواية تتفق مع ما رأيته بنفسي من حركة مريبة شهدها محيط منزل الأستاذ عابد، القريب جدًا من منزلي، فجر يوم الوفاة.

يقول نور -37 عامًا، منقّب سابق عن الآثار، وطاهٍ في مطعم للبيتزا حاليًا- إنه عمل في التنقيب عن الآثار لحوالي خمس سنوات برفقة شقيقه الأكبر. يعتقد نور -الحاصل على ليسانس الشريعة من جامعة الأزهر عام 2000- أنه وجد شغفه في هذا المجال الخطر، وهو يؤمن أن العمل منقّبًا يتطلب ملكات خاصة ودرجة من الدراية والعلم لأنه ليس حقلًا للهواة أو الباحثين عن مغامرات، يقول: «مفيش حاجة عشوائية والغلطة في المجال ده بفورة»، والخطورة من وجهة نظره لها شقّان، أحدهما داخل موقع العمل، ويتمثّل في معرفة المكان الصحيح للحفر، وأنواع التربة، وطرق تدعيم الأنفاق، وأنواع الصخور، والإشارات الخفية. والشق الثاني خارج موقع العمل حيث عيون الجيران والمتعاونين مع الشرطة.

أحد سكان القرية، ويدعى فريد -25 عامًا- يحكي أن شرخًا كبيرًا أصاب واجهة أحد المنازل في وسط القرية، وسقطت شرفة في الدور الأول منه، وبعد فترة وجيزة عثر صاحب المنزل على نفق يمرّ أسفل منزله، عبر ثلاثة منازل، فنشب شجار بينه وبين صاحب المنزل الذي يبدأ منه النفق، وانتهى الشجار بجلسة عرفية تعهد خلالها الطرف الأخير بالتوقف عن التنقيب وترميم ما أتلفه.

لا يرى نور في ما سبق له فعله أي حرمة دينية، ويعتقد أن الآثار كنوز مدفونة وهي ملك لمن استخرجها، ويتساءل ساخرًا: «هل تعتقد أن إبلاغ الشرطة أو الآثار هو الحل الأمثل؟»، يسخر نور من المكافأة التي لا تتعدى بضع المئات من الجنيهات، هذا في حال «ما اعتبرونيش عملت حاجة مخالفة ونقّبت عن الآثار بدون تصريح، يعني ممكن يدفّعوني غرامة كمان»، حسبما يقول، ويضرب مثلًا بحالات كثيرة سمع عنها لمواطنين ضبطت الشرطة بحوزتهم قطعًا أثرية، وقيّدت في المحاضر الرسمية أنّها قطعٌ «يشتبه في أثريتها»، ويقول إن بعض ضباط الشرطة الفاسدين يستبدلون المضبوطات بقطع مزيفة قبل إرسالها للمعامل المختصة، ويستولون على القطع الأصلية ويبيعونها لحسابهم.

ليست كل حالات التنقيب عن الآثار في قرية كوم العرب، التي لم تصلها خطوط الصرف الصحي بعد، أو القرى المجاورة التي تعاني مثلها، متعمدة، فحوالي 87٪ من قرى ونجوع مصر، البالغ عددها حوالي 33 ألفًا، تخلو من خدمات الصرف الصحى، بحسب تصريح وزير التنمية المحلية السابق اللواء عادل لبيب في أبريل 2015، الأمر الذي يضطر سكان القرى لحفر آبار تخزين داخل منازلهم للتخلص من مياه الاستخدامات المنزلية اليومية، لحين استدعاء سيارات خاصة مجهزة لشفط المياه والتخلص منها بعيدًا عن المنازل.

وبحسب الشهادات التي جمعتها من أهالي القرية، فقد يكتشف الأهالي خلال عمليات الحفر تلك بعض الأشياء الأثرية أو التي تشير لوجود آثار أسفل منازلهم، مثل ظهور الطوب اللبن أو الحجري بعد عدّة أمتار من الحفر، وهو ما حدث في منزل جمال -25 عامًا سائق توك توك- أثناء حفره «بيّارة صرف» جديدة داخل منزله، أو العثور على قناع وجه من الشمع، مثلما حدث في حالة عمر -30عامًا، عامل بشركة المياه- أثناء حفر «بيّارة صرف» أيضًا، بينما أقسم لي أحدهم أن أسفل غرفة الاستقبال بالدور الأرضي من منزله يوجد تمثال ضخم لعجل قد يصل وزنه لعدّة أطنان وطوله يتجاوز الثلاثة أمتار، وأنّه فضّل ردم الحفرة، والبناء عليه حتى لا تستولي وزارة الآثار على منزله، وتمنحه في المقابل شقّة في مساكن متواضعة مبنية في الصحراء على أطراف المدن، وتجبره على ترك العيش وسط أهله وبالقرب من أرضه الزراعية.

بحسب المادة 18 من القانون رقم 3 لسنة 2010، المعروف بقانون حماية الآثار «يجوز نزع ملكية الأراضى أو المبانى المملوكة للأفراد لأهميتها الأثرية التى يقدرها المجلس، كما يجوز بقرار من رئيس الجمهورية الاستيلاء عليها مؤقتاً إلى أن تتم إجراءات نزع الملكية وتعتبر الأرض أو المبنى فى حكم الآثار من تاريخ الاستيلاء المؤقت عليها ، وذلك كله مقابل تعويض عادل لا يدخل فى تقديره احتمال وجود آثار فى الأرض المنزوع ملكيتها».

ورغم تغليظ العقوبات في قانون حماية الآثار، بدءًا من الحبس المؤبد والغرامة التي لا تقل عن 100 ألف ولا تزيد على 500 ألف، وصولًا إلى الحبس 3 سنوات وغرامة لا تقل عن 10 آلاف ولا تزيد على 50 ألفًا، إلّا أنّ أعداد القطع الأثرية المضبوطة سنويًا يبقى في تزايد مضطرد.

بلغ عدد المضبوطات الأثرية عام 2014، 1524 قطعة، جرى ضبطها «أثناء محاولات الحفر خلسة»، حسب بيان لوزارة الآثار، وهو الرقم الذي تضاعف في 2015، ليصل إلى 3000 قطعة، وفقًا لتصريحات من اللواء أحمد شاهين، مساعد وزير الداخلية لشرطة السياحة والآثار، لـ «الأهرام»، والذي خص بالذكر محافظات: الجيزة والفيوم وبنى سويف والمنيا والأقصر، بوصفها الأكثر تسجيلًا لقضايا التنقيب عن الآثار بشكل غير شرعي.

يقول «نور» إن تجارة الآثار هي تجارة خطرة ومحصّنة، وأن هناك شبكات دولية تديرها، هو شخصيًا كان يتعامل مع شخص نافذ يسمّى «الخبير»، يرسل له الراغبون في البيع مقاطع فيديو وصورًا لما بحوزتهم، ويتولى هو تقييمها، وزعم أنه عرضها على أشخاص نافذين في سفارات أجنبية موجودة في القاهرة، وفي بعض الأحيان يعرض هذا «الخبير» المساعدة على بعض الأثرياء ممن لديهم شكوك بشأن وجود آثار مدفونة في أماكن يملكونها، ولا يرغبون في تكبّد عناء التنقيب بدون وجود دليل قاطع على وجود آثار، والمساعدة هنا تكون بالحصول على صور بالأقمار الصناعية للمكان المحدد، مقابل دفع مبلغ من المال حوالي 6 آلاف دولار أمريكي، وإذا أكدت صور الأقمار الصناعية الشكوك بشأن وجود آثار يتعهد «الخبير» بتوفير مشترٍ للقطع الأثرية التي سيسفر عنها التنقيب.

البحث عن طرق حديثة وموثوقة للتنقيب هدفه الإفلات من شباك النصب والخداع، التي ينسجها من يطلق عليهم العامة «المشايخ»، الذين يوهمون المواطنين بقدرتهم على الكشف عن أماكن الآثار، والتعامل مع «الجنّ حرّاس المقابر».

زين -52عامًا، وهو وكيل مدرسة ابتدائية، ومنقّب عن الآثار في الوقت نفسه- يقول إنّ هناك من «المشايخ» رجال صادقون خصّهم الله بملكات فريدة، يستطيعون من خلالها معرفة ما إذا كان أي مكان يحوي آثارًا أم لا، والنقطة الأنسب لبدء الحفر. ويزعم أن «شيخًا» يعرفه يستطيع وصف المكان الذي تقف فيه من خلال مكالمة هاتفية، وأن يخبرك بتفاصيل ما يوجد حولك وما يخفى عليك، بمساعدة «الجنّ الصالح»، لكنه في الوقت نفسه يؤكد أن الأمر لا يخلو من وجود محتالين يسحرون أعين الناس، ويوهمونهم برؤية التماثيل الذهبية تخرج من باطن الأرض ثم تعود مرّة أخرى، ما يسيل له لعاب المخدوعين، فينصاعون لأوامر هذا «النصّاب».

يقول زين كذلك إن هناك إشارات قد لا يفهمها الشخص العادي تشير إلى وجود دفائن أو مقبرة في منزله، مثل وجود شروخ في أحد جدران المنزل، تعود للظهور مجددًا في الجدار نفسه حتى بعد هدمه وإعادة بنائه، وهي في رأيه إشارة قوية على وجود بناء ما تحت هذا الجدار، كذلك الشعور بالاختناق وعدم الراحة أثناء النوم في الأدوار الأرضية، وهو ما يقول إنه في الغالب نتيجة لآثار تسرّب سم الزرنيخ المستخدم في المقابر الفرعونية من خلال مسام التربة، ويضيف أن فرص العثور على الآثار في الأماكن العليا من القرى القريبة من النيل كبيرة، لأن الفراعنة كانوا يدفنون موتاهم في أكثر أماكن القرى ارتفاعًا، حفاظًا عليها من فيضان النيل.  

رغم المخاطر الكبيرة لعمليات التنقيب، لكن ضغط الأوضاع الاقتصادية الصعبة على الشرائح الدنيا يضطرها لخوض تلك المخاطر، فالأمر يصبح سيان بالنسبة لها: الموت هو خيار مستمر نتيجة الفقر، بينما في حالة التنقيب يضاف خيار أكثر إغراءً بجانب الموت، وهو العثور على التماثيل الذهبية، ووداع الفقر للأبد.

بحسب بيان للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، فإن نسبة الفقر فى مصر تقدر بـ 26.3%، ويعد إقليم الصعيد الأكثر فقرًا، حيث تصل نسب الفقر إلى 50%.

في حين يعتمد سكان قرية كوم العرب على الزراعة والعمل في التشييد والبناء، اعتادت قوّة العمل بداخلها اعتادت على السفر للخارج والعمل في التشييد والبناء منذ الستينيات. إلا أن الخبرة الجمعية التي تصقلها التجربة والخطأ، تتطور. يتخلّق الآن شكل جديد من الشبكات الاجتماعية التي تقدم العون والنصح لأفرادها، وتعرض أجهزة حديثة للبيع؛ أجهزة الكشف عن المعادن والمياه الجوفية، وتقدم استشارات مجانية، وتخلق حركة سوقية، من خلال جمع سماسرة الآثار مع الراغبين في البيع، على سبيل المثال تعد صفحة الاثار الفرعونيه واسرار التنقيب باسوان والاقصر، خير مثالٍ على تشكّل هذا النوع من الشبكات الاجتماعية التي تساهم في نمو ورواج هذا النشاط غير المشروع.

كنت شاهدًا على استخدام أحد جيراني؛ أحمد -45 عامًا، عامل نظافة في مدرسة حكومية- سيارة كسح مياه الصرف المزودة بموتور قوي، وخرطوم طويل،  لسحب المياه الجوفية التي ظهرت بعد فترة من الحفر أسفل منزله.

كما جرت العادة هنا في القرية، تقف السيارة أمام المنازل، وتطلب من المواطنين سحب الخرطوم الطويل المثبت في ذيل السيارة، إلى داخل منازلهم، ووضعه داخل آبار تخزين مياه الاستخدام المنزلي، لا تسمح العادات القبلية في الصعيد بدخول أغراب للمنازل، خاصة إذا كان عامل مساعد على سيارة كسح، وفي العادة يتعامل الأهالي مع هؤلاء العمال بنوع من الحيطة والحذر، خاصة مع وجود روايات كثيرة عن سرقات تمت في القرية أو القرى المجاورة، نفذها هؤلاء الشباب ممن يعملون في هذا العمل.

لم يكن استخدام سيارات الكسح هو الحلقة الأخيرة في تطور التجربة الأهلية للتنقيب عن الآثار، يقول نور، المنقب السابق عن الآثار، إنّ المنقبين المحترفين يستخدمون تقنية تشبه تقنيات الحفر والبناء المستخدمة مع أنفاق المترو، للتغلب على مشكلة المياه الجوفية التي تظهر على أعماق قليلة خاصة في الأماكن القريبة من النيل، بحيث يجهز العمال بناءً اسطوانيًا «زرجينة» باستخدام الطوب الأحمر والأسمنت، يبلغ ارتفاعه حوالي المتر ونصف المتر، مفرغ من الجهة العليا والسفلى، ثم يبدأ العمال في الحفر، وبعد أن يصل عمق الحفرة لطول مماثل لطول «الزرجينة»، يقوم العمال بإنزالها إلى الحفرة، ثم يعودون للحفر مرّة أخرى من داخلها، وبينما يزيدون من عمق الحفرة، ينزلق البناء الاسطواني رويدًا رويدًا، فيما يجهزون «زرجينة» أخرى، لإنزالها فوق الأولى، وهكذا يحفرون عميقًا دون أن تعوقهم المياه الجوفية.

التجربة تتطوّر، وتقلل من مخاطر التنقيب غير الشرعي، فبدلًا من التنقيب سرًا، أصبح هناك أشخاص يبلّغون جيرانهم بنيتهم التنقيب عن الآثار، ويقدمون لهم الوعود بالحصول على نسبة من المال إذا ما تمت عملية التنقيب ومن ثم استخراج الآثار وبيعها، ويشاع أن هناك من ينسّق مباشرة مع ضبّاط شرطة لتوفير الحماية وضمان عدم تعرّضهم للمساءلة القانونية أثناء فترة التنقيب، مقابل الحصول على حصّة من ثمن بيع الآثار إذا نجحوا في استخراجها.

العمّال الذين لا يملكون من الدنيا سوى عافيتهم، يقبلون بالعمل في التنقيب عن الآثار مقابل حصّة من المال في حال نجحوا في استخراج شيء ذي قيمة، وصاحب المكان لا يتحمّل سوى نفقات «الشاي والدخّان».

يقول منصور -25عامًا- إنه يعمل بمساعدة أشقائه الثلاثة واثنين آخرين من زملائه في أعمال التشييد والبناء، ما دام الشغل متوفرًا، وفي الأيام التي تخلو من أية عروض للعمل، يسهر مع زملائه وأشقائه في أي مكان من أماكن التنقيب المنتشرة في القرية، «إحنا عارفين مين بيحفر وفين ومن امتى، والعدد الكبير يساعد في إنجاز الشغل بسرعة ومن غير تعب، والرزق فوق الأرض وتحت الأرض، المهم الواحد يسعى».

وبينما تتطوّر التجربة على المستوى الأهلي، تتمسّك الدولة بتغليظ العقوبات، وتقديم وعود غير محكمة أو واضحة لتشجيع المواطنين على الإبلاغ عن الأماكن الأثرية أو القطع الأثرية التي عثروا عليها بقصد أو بدون.

خلال اتصال هاتفي مع الدكتور محمود عفيفي، رئيس قطاع الآثار المصرية بوزارة الآثار، لسؤاله عن قيمة المكافأة أو الإجراءات التي من الممكن أن تتُبع في حال أبلغ أحد المواطنين الوزارة عن وجود مكان أثري أسفل بيته، أخبرني أنّه لا يوجد «تسعيرة محددة، هو تقدير متروك للجنة الدائمة، وأنا خلال سنوات عملي الطويلة لم أسمع عن مواطن أبلغ الوزارة بوجود مكان أثري تحت منزله».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ملحوظة: جرى تغيير أسماء بعض المصادر بناءً على طلبها.

اعلان
 
 
أحمد إسماعيل