Define your generation here. Generation What

كيف سيهبط الدولار إلى 10 جنيهات: عن بطولتي عامر الأولى والأخيرة

لأبطال أفلام الأكشن هؤلاء الذين يملكون قدرات قتالية استثنائية طلة متشابهة أو سلوك موحد في اللحظات التي تسبق دخولهم أول معركة في الفيلم.

قبل أن يحرر هذا البطل قدراته القتالية الاستثنائية التي تعلم أنه يمتلكها، قبل أن يحرر هذه القدرات لأول مرة أمام عينيك في معركة جدية، جرت العادة أن يبدو هادئًا، الأقل صخبًا والأقل اندفاعًا نحو المعركة، وذلك إلى أن تبدأ المعركة، ويتغير هذا كله. المشهد الأكثر تقليدية لراعي البقر ممن يمتلكون سرعة استثنائية في إطلاق النار – عندما يدخل حانة في بلدة غريبة لمواجهة «أعداء» لا يعرفهم، ولا يعرف إلا أنهم موجودون في هذه الحانة، يمشي بثقة عابرًا من مؤخرة الحانة وصولًا إلى البار في مقدمتها، أثناء عبوره يغمره رواد الحانة المحليون بنظرات متفحصة وعدائية، يقابل هذه النظرات العدائية بنظرات ثابتة، هادئة وغير مبالية. هدوءه مستفز أو مغر للأشرار المندفعين، تتحول النظرات العدائية تجاهه إلى كلمات عدائية ثم أفعال عدائية، ورغم هذا الصخب والأجواء المشحونة من حوله، يبدو هادئًا وقادرًا على تجاوز هذه الاستفزازات. يبدو الأقل صخبًا واندفاعًا في المشهد إلى أن تتصاعد الاستفزازات والصخب للحد الذي لا يمكن تجاوزه فتبدأ «بوم بوم بوم طاخ»، ويقضي على أكبر عدد من الصاخبين بسرعة خاطفة.

هذه الطلة المعتادة لأصحاب القدرات الاستثنائية لا تشبه أبدًا الطلة التي دخل بها طارق عامر علينا كمحافظ جديد للبنك المركزي.

رغم أن وسائل الإعلام قدمته باعتباره البطل ذا القدرات الاستثنائية الذي جاء ليسحق السوق السوداء ويستعيد مجد الجنيه / الدولار، رغم كل هذه الأجواء البطولية، لم يحاكِ عامر هذه الطلة للأبطال الخارقين عندما طل علينا لأول مرة. وإنما طل بأكثر الطرق صخبًا، كأن راعي البقر في المشهد السابق دخل الحانة صاعقًا بابها بقدمه بطريقة مدوية، ومطلقًا الأعيرة النارية يمينًا ويسارًا، صارخًا في وجهنا جميعا «لقد جئت».. ثم ، وبعد طلته الصاخبة هذه، حدث ما تعرفه أنت جيدًا، واصل الجنيه انهياره بقوة أعنف مما كان قبل مجيئه.

أفترض أن قرار تعويم الجنيه هو طلة أخرى صاخبة لعامر، وعلى الأرجح هي طلته الأخيرة كمحافظ للبنك المركزي.

لا أستدعي هنا الطلة الأولى الهزلية لعامر لأغراض الشماتة أو لإظهار أن التعويم الحالي قد يكون إحدى طلاته الصاخبة التي لا تفضي إلى شيء غير هزيمة مضحكة، وهي على الأرجح وللأسف ستكون كذلك. وإنما أستدعي الظهور الأول لعامر لهدف آخر. فما بين طلتي عامر الصاخبتين كثير من المعاني والمفارقات التي قد تجيب عن أسئلة مثل «لماذا يستطيع المضاربون هزيمة المركزي المصري دائمًا؟» و«هل تستطيع السوق الحرة أو التعويم هزيمة المضاربين؟» و«هل من طريق للرجوع؟» ولكن قبل الدخول في تفاصيل الطلتين يجب التنويه أن ما أقصده عندما أقول «عامر» هو السياسات التي يمثلها، السياسات التي بدأت قبل مجيئه مشعلة فتيل الأزمة الحالية في 2012، والتي قد تستمر بعد رحيله، السياسات التي طبقها محمود أبو العينين في 2001 و2003، وفشلت في احتواء نقص الدولار في البنوك وانهيار قيمة الجنيه في السوق الموازية، هذه السياسات لم يبتدعها عامر ولم يكن أول من طبقها في مصر، وأعتقد أنه حتى لم يختر تبنيها حاليًا، وإنما هو فقط ينفذها ويدافع عنها إعلاميًا كلما اتضح فشلها للرأي العام.

الطلة الأولى

في 21 أكتوبر 2015 كلف عبد الفتاح السيسي طارق عامر بالعمل محافظًا للمركزي المصري، على أن يبدأ مهام عمله اعتبارًا من 27 نوفمبر 2015 بعد انتهاء مدة رئاسة هشام رامز رسميًا. ولكن عامر الصاخب والمندفع منذ البداية ليس كعادة أبطال أفلام الأكشن لم يطق الانتظار إلى 27 نوفمبر حتى يتولى المركزي رسميًا. فقبلها بأسبوعين فقط قرر تطبيق أول قراراته، القرار الذي لا يمكن تأجيله من 11 نوفمبر إلى 27 نوفمبر لأنه سيحدد مصير العملة المصرية وسيسحق السوق السوداء، وبسبب إصراره على تطبيق هذا القرار حتى قبل توليه رسميًا انسحب هشام رامز من إدارة المركزي، رغم أنه لم يتبق في مدة ولايته سوى 16 يومًا، ولكنه قرر الانسحاب نتيجة تطبيق هذا القرار الخطير، وكلف شخصًا لا أذكر اسمه بالقيام بمهام محافظ المركزي لحين مجيء عامر رسميًا. القرار الذي أحدث كل هذه الضجة في إدارة المركزي وفي الإعلام كان رفع سعر الجنيه مقابل الدولار بواقع 20 قرشًا، ليصبح سعر الدولار 7.83 بدلًا من 8.03 جنيهًا. قرر عامر أن يفاجئ المضاربين والسوق السوداء بقرار استثنائي، فهم معتادون على خفض الجنيه مقابل الدولار، لذلك قرر أن يفاجئهم بأول قراراته ويرفع الجنيه مقابل الدولار.

ثم.. لم يحدث شيء.

لم يرتعب المضاربون، لم نشهد انهيارًا في أسعار الدولار في السوق الموازية. وما حدث بعدها لأسعار الدولار في السوق الرسمية والموازية أنت تعرفه جيدًا.

قرار عامر هذا يشبه كثيرًا قرار فاروق العقدة في 2005، القرار الذي أنهى مع مجموعة قرارات مساعدة حقبة تعويم العملة في مصر التي امتدت من 2003 إلى 2005، ولم يستطع هذا التعويم وقتها القضاء على المضاربين ولا إيقاف تدهور سعر الصرف. طبّق العقدة سلسلة متتالية من قرارات رفع الجنيه مقابل الدولار، وكان لهذه التخفيضات في قيمة الدولار أو للرفع في قيمة الجنيه تأثيرٌ مختلفٌ تمامًا عن تخفيض عامر الذي بدأ به ولايته. لماذا نجح هذا الإجراء مع العقدة وفشل مع عامر بهذه الصورة الهزلية؟ لماذا لم يحاول عامر إعادة تطبيق هذا الإجراء مرة ثانية أو ثالثة؟ ما معنى هذا الإجراء أصلًا أو لماذا هو مهم؟ ولماذا هذا الإجراء هو المرشح الوحيد من وجهة نظري لإنهاء أزمة العملة الحالية كما أنهاها في 2005 ؟ أعتقد أن أجزاء كثيرة من إجابات هذه الأسئلة موجودة في قصة متكررة في سوق الصرف المصرية، عن كيفية انتصار المضاربين على المركزي المصري.

كيف يهزم المضاربون البنك المركزي المصري؟

المضاربون من أكثر الفاعلين الاقتصاديين امتلاكًا للأسماء والأوصاف. تحب السلطات السياسية مثلًا أن تنعتهم بأسماء وأوصاف عدائية ترتبط بالجشع وعدم الوطنية، والغباء أحيانًا. ورغم العدد الهائل من التوصيفات والأسماء التي يكتسبها المضاربون في معاركهم مع السلطات السياسية والإدارات الاقتصادية، إلا أن جزءًا كبيرًا من هويتهم يبقى غير معروف في هذه المعارك. متى ينشط المضاربون؟ لماذا ينشطون؟ لماذا يظهرون في أوقات بعينها ويختفون في أوقات أخرى؟ كيف تمكن هزيمتهم؟ هل يمكن حذفهم من الأسواق بإجراءات أمنية أو تشريعية مثل إغلاق مكاتب الصرافة؟ أم أن السوق الحرة هي الوحيدة القادرة على هزيمتهم؟ يبقى سؤال «من هم المضاربون» معلقًا برغم كل التوصيفات السياسية لهم. في الأدبيات المالية هناك تسمية أقل عدائية للمضاربينالذين تقصدهم السلطات كسبب لأزماتها تسمية أكثر إيضاحًا لطبيعتهم، وتحديدًا لسلوكهم. تسميهم هذه الأدبيات «تجار الضوضاء».

من الشائع بين المؤمنين الموحدين بقوى العرض والطلب تصور أن طبيعة العرض والطلب وطبيعة التفاعل بينهما هي طبيعة ثابتة كالجاذبية الأرضية والقوانين الفيزيائية. المؤمنون بالعرض والطلب لا يقلقون ويرون أنه لا يجدر بك أيضًا أن تقلق بشأن تحركات الأسعار أيًا كان عنفها. فعندما يرتفع سعر سلعة، مهما كان عنف هذا الارتفاع، لا تقلق، فالكميات المطلوبة من هذه السلعة ستقل نتيجة زيادة سعرها وستزداد كميات عرضها، وعندما يزداد عرض سلعة ويقل الطلب عليها، سيرتد السعر مرة أخرى إلى مستوياته التوازنية. هكذا تكتشف السوق الحرة السعر العادل، أو هكذا تنتج قوانين العرض والطلب ما يسمى بـ«الأسعار التوازنية». ولكن هذا التصور الغيبي عن قدرة العرض والطلب على تحقيق التوازن لا يعمل دائمًا كقوانين الجاذبية، ففي أحيان كثيرة لا توجد هذه العلاقة أو توجد بصورة معكوسة. سأحاول الاستعانة بجزء قصير من مقال سابق كنت أحاول فيه توضيح أن أسعار صرف الدولار في السوق السوداء مرشحة للزيادة نتيجة هيمنة تجار الضوضاء على هذه السوق:

«في الأسواق المالية أو أي سوق تشترى فيها السلع بهدف إعادة بيعها كالعقارات ليس مهما «هتشتري بكام؟» الأهم هو «هتبيع بكام؟» هذا المبدأ يجعل الطلب والعرض في الأسواق المالية مختلفًا كثيرًا عن الأسواق الاعتيادية. فسهم سعره 10 جنيهات ومتوقع أن يصل إلى 15 جنيهًا سيكون الطلب عليه أكبر من نفس السهم عندما كان بـ5 جنيهات ومتوقع أن يصل إلى 6. والذي يجعل الأشخاص في هذه السوق يتوقعون زيادات أو انخفاضات في الأسعار المستقبلية هو بشكل أساسيالحركات السعرية الحالية والسابقة». هذا سلوك دائم لتجار الضوضاء رصده لاري سامرز وآخرون سنة 1990 و سانتانا وودواني سنة 1992 بالإضافة لسيل متدفق إلى الآن من الدراسات التطبيقية. فتجار الضوضاء يميلون إلى الاعتقاد بأن اتجاه الحركات السعرية السابقة والحالية سيستمر في المستقبل، ولهذا فعندما يرتفع سعر الدولار مثلًا يتوقع تجار الضوضاء أن يظل هذا الارتفاع مستمرًا، فيزيد طلبهم على الدولار ويقل عرضهم له على عكس ما تفترض فيزياء العرض والطلب وعندما يرتفع الطلب على سلعة ويقل عرضها يزداد سعرها مرة أخرى. فيتأكد تجار الضوضاء من أن توقعهم السابق كان صحيحًا ويستمرون في الاعتقاد بأن هذا الصعود سيستمر فيقل عرضهم ويزداد طلبهم فترتفع الأسعار مرة أخرى، وعندما ترتفع الأسعار يقل عرضهم ويزداد الطلب، وتستمر هذه الدائرة في خلق زيادات سعرية متتالية أو فقاعات سعرية مثل التي رأيتها أنت مع كل المصريين على مدار الأربع سنوات السابقة في السوق السوداء للعملة المصرية.

يعرف فيشير بلاك كلمة «ضوضاء» في نموذجه للأسواق المالية باعتبارها مضاد كلمة «معلومات». فتجار الضوضاء لا تعتمد تداولاتهم على القيم الفعلية للأصول أو المعلومات المتعلقة بها، فإذا افترضنا أن هناك تجار ضوضاء في سوق الصرف المصرية، فهم لا يبيعون أو يشترون الدولار بناء على المعلومات الجديدة الواردة عن ميزان المدفوعات المصري أو توقعاتهم عن العجز والفائض المستقبلي بميزان المدفوعات. هم لا يستطيعون أصلًا قراءة ميزان المدفوعات. لا تعتمد تداولات تجار الضوضاء على هذا النوع من المعلومات، بقدر ما تعتمد على ضوضاء التحركات السعرية، خالقين من تحركات سعرية طفيفة تحركات أعنف تغذي نفسها بنفسها. يمكنك ببسهولة وبنظرة خاطفة على ميزان المدفوعات المصري أن تلاحظ كيف يتصرف تجار الضوضاء. في الفترة من 2005 إلى 2011 تصاعد العجز في ميزان السلع والخدمات من 3.7 مليار دولار إلى 19.2 مليار دولار، أي أن العجز زاد بنسبة خمسة أضعاف تقريبًا. كل هذا التدهور في الأساسيات الاقتصادية لم يلفت انتباه تجار الضوضاء. لم يقل عرضهم للدولار ولم يزدد طلبهم عليه في هذه الفترة، طالما أن سعر الدولار كان ثابتًا نسبيًا خلال هذه الفترة بين 5.70 و 6.20 جنيهًا. أما عندما قررت السلطة المصرية بداية من 2012، تحريك سعر الجنيه / دولار حركات طفيفة لأعلى، انتبه تجار الضوضاء لهذا الحدث وبدأ عرضهم وطلبهم على الدولار يختلف كثيرًا، وبدأت خريطة تدفقات الدولار إلى الجهاز المصرفي تتغير بشكل كامل.

المصريون العاملون بالخارج هم «تجار ضوضاء» كما يقول الكتاب، أو تنطبق عليهم كل صفات تجار الضوضاء النظرية. هم ليسوا تجارًا ماليين بالأساس، وبالتالي فإن قراراتهم بشأن الاحتفاظ بالدولار أو بيعه يصعب أن تكون مرتبطة بفهمهم أو حتى بمتابعتهم لتطور الأساسيات الاقتصادية للدولة أو تطور سياساتها النقدية تجاه سعر الصرف. على الأرجح، فـ99% من المصريين العاملين بالخارج لا يعرفون نسبة العجز أو الفائض في ميزان المدفوعات المصري لهذه السنة أو لأي سنة مالية، ومع ذلك فهم يمتلكون ويتاجرون بكمية دولارات تساوي قيمتها السنوية مجموع ما تتحصل عليه الدولة سنويًا من دخل قناة السويس والسياحة والاستثمارات الأجنبية المباشرة مجتمعين، أو تزيد عليه أحيانًا. هذا التدفق النقدي الضخم الذي بلغ 19.2 مليارًا السنة الماضية فقط تفقده السلطة المصرية تمامًا، أو يفقده الجهاز المصرفي ككل. عندما يتحرك سعر الدولار، يسهل أن تنخفض نسبة تنازل المصريين العاملين بالخارج عن دولاراتهم مقابل الجنيه للبنوك المصرية من 75% في الظروف العادية، وفقًا لتصريحات محافظ المركزي السابق، إلى نسبة 5% أو حتي صفر %. يسهل أن تختفي هذه الدولارات من البنوك فجأة إذا تحرك سعر الدولار بشكل ملفت لانتباههم، إذا أحدث المركزي بسياساته الحمقاء ضوضاء سعرية.

غالبًا ما تبدأ الحكاية هكذا:

تواجه الإدارة الاقتصادية انخفاضًا طارئًا وكان يمكن أن يكون عابرًا لولا غباء سياستها في التدفقات الدولارية. قد يكون بسبب انخفاض إيرادات السياحة والاستثمارات الأجنبية كما حدث في الأزمة الحالية، أو انخفاض إيرادات الصادرات والسياحة كما في أزمة 2001 – 2005. وبالتالي، ونتيجة هذه الانخفاضات، تواجه الدولة نقصًا في احتياطياتها النقدية الأجنبية، فتقرر تبني سياسة محافظة في استخدام احتياطياتها النقدية. هذه السياسات تقوم غالبًا على شقين؛ الأول هو تحريك سعر الصرف قليلًا، مثل رفع سعر الدولار مقابل الجنيه من ثمانية جنيهات إلى 8.20 في البنوك، والشق الثاني هو تقليل كمية الدولارات التي يضخها المركزي للبنوك التجارية، فهو لن يبيع حتى بالسعر الجديد 8.20، الذي حدده هو بنفسه. البنوك التجارية في ظل تقليل ضخ المركزي للدولارات ستقلل هي أيضًا ضخ الدولارات للمستوردين، فيذهب المستوردون للسوق الموازية مكونين الطلب الأساسي بها. تواجه السوق الموازية طلبًا استثنائيًا على الدولار، يحاول تجار السوق الموازية جذب جمهور جديد من بائعي الدولار المصريين بالخارج بشكل أساسي فيرفعون سعر شرائهم للدولار أعلى قليلًا من البنوك، حتى يستطيعوا تلبية الطلب الاستثنائي الجديد من المستوردين.

الآن لدى المصريين العاملين بالخارج «تجار الضوضاء» كل ما يلفت انتباههم. السعر يرتفع في البنوك ويرتفع في السوق الموازية، لابد أنه سيواصل الارتفاع. يتحول عرض المصريين بالخارج للدولارات بالكامل إلى السوق الموازية صاحبة السعر الأعلى، ولأنهم يتوقعون زيادات سعرية مستقبلية في السوق الموازية يقللون عرضهم الدولار بشكل عام، يرفع تجار السوق الموازية السعر مرة أخرى لإقناعهم بمزيد من عرض الدولار، تتأكد توقعاتهم بمزيد من الارتفاعات المستقبلية، يقل عرضهم للدولار، تزداد الأسعار في السوق الموازية، تزداد الفجوة بين السوق الرسمية والموازية، يحاول المركزي تقليل الفجوة بتحريك الأسعار في السوق الرسمية، يثير هذا التحريك مزيدًا من الضوضاء تلفت انتباه المزيد من تجار الضوضاء الجدد، تظهر جحافل من طالبي الدولار لأنهم يتوقعون ارتفاع سعره، وبالطبع يقل عرض المصريين بالخارج أكثر، ترتفع الأسعار في السوق الموازية، يضطر المركزي لرفع السعر الرسمي لتقليل الفجوة بين السوقين في محاولة لإعادة تحويلات العاملين بالخارج مرة أخرى إلى البنوك، ترتفع الأسعار في السوق الرسمية والموازية في سباقهم نحو دولارات العاملين بالخارج، تزداد الضوضاء وتغذي نفسها بنفسها. وهكذا يستطيع أحمق، أو مجموعة من الحمقى، قرر تحريك أسعار الصرف إلى نقاط جديدة دون الدفاع عنها، أن يستدعي جيوشًا من تجار الضوضاء ستضارب ضده أو ضدنا جميعًا لأنه أحدث ضوضاء لا يستطيع إخمادها. ويظل المركزي يلهث وراء الأسعار في السوق السوداء التي تتحرك للأعلى كلما تحرك هو لأعلى، لأنها معتمدة على الضوضاء التي يحدثها تحركه، يظل يلهث وكأنه طفل أو شخص أبله يحاول أن يسبق ظله.

يفسر سلوكُ تجار الضوضاء وهيمنتهم على عرض وطلب الدولار في السوق الموازية الصعودَ العنيف في السوق الموازية، هذا الصعود الذي يبدو جليًا أنه غير مرتبط بتطور الأساسيات الاقتصادية. لأنه يصعب تصور أن الأساسيات التي تحدد سعر الدولار في مصر تنهار بمعدل 30% في ثلاثة أيام فقط، حتى تفسر ارتفاع الدولار بنسبة 30% في ثلاثة أيام في هذه الأسواق. هذه التحركات السعرية العنيفة في السوق الموازية تؤكد أن هناك شيئًا غير التطور في ميزان المدفوعات أو حجم الاحتياطيات النقدية الأجنبية هو ما يدفع الأسعار صعودًا وهبوطًا، شيئًا أعنف وأقل ارتباطًا بالاقتصاد العيني، شيئًا يسميه أوبستفيلد قبل أن يصبح كبير اقتصاديي صندوق النقد الدولي و مرويس وشين – ولا يزالون يسمونه إلى الآن – «هجمات العملة المتحققة ذاتيًا» أو «هجمات العملة التي تغذي نفسها بنفسها»،

هذه الدائرة التي يمكنها تحريك الأسعار في السوق الموازية بعنف، بمعزل عن الأساسيات الاقتصادية للدولة، ليست هي الأثر السلبي الوحيد لسياسات تحريك الأسعار أو التخلي عن دعم الجنيه مقابل الدولار، فهناك دائرة أعمق تحدث في الاقتصاد العيني بسبب هذه السياسات، دائرة يمكنها تفسير سبب بقاء أزمات العملة في مصر وقتًا طويلًا – حتى بعد التعويم دون حل. فمنذ بداية الألفينيات إلى الآن، وقعت أزمتان للعملة المصرية واستغرقتا ثماني سنوات مرشحة للزيادة.

في الـ16 سنة التي مرت علينا منذ بداية الألفينات، عشنا نصف وقتنا تحت وطأة أزمات عملة لا يستطيع المركزي حلها.

لماذا تبقى أزمات العملة في مصر طويلًا؟

في المؤتمر الصحفي الذي تلا قرار التعويم الأخير في 3 نوفمبر 2016، ظهر طارق عامر للرد على الاستفسارات الخاصة بتداعيات التعويم وأسبابه وما إلى ذلك. استهل عامر إجابته عن سؤالين مختلفين بطلبه أن يقرأ الصحفيون ميزان المدفوعات حتى يستطيعوا فهم مجريات الأمور، أو حتى لا يسألوا أسئلة ساذجة. سأل عامر الصحفي بشكل مباشر: «انت قريت ميزان المدفوعات؟ … يا جماعة اقروا ميزان المدفوعات… إحنا عايزينكو تحللوا بقي مش تقولو كلام وخلاص». أحد هذه الأسئلة التي استدعى عامر ميزان المدفوعات للرد عليها، كان عن توقع المركزي لحصيلة تحويلات العاملين بالخارج بعد قرار التعويم. وإليك إجابة عامر بالنص:

«آه.. أنا عايز أفهمكو حاجة بقى.. مغلوطة.. (وعدل من جلسته على المقعد بطريقة متوترة أو للإيحاء بأن الكلام القادم مهم) لو بصيتو على ميزان المدفوعات، لا تحويلات العاملين بالخارج راحت، ولا الاستثمار الأجنبي راح، إنتو يا جماعة (يهز رأسه باستياء).. مش بنقرا.. والناس بتقعد تتكلم ويقولك الاستثمار مابيجيش، أولًا إحنا محققين أعلى رقم استثمار أجنبي مباشر منذ عشرة سنوات؛ السنة دي 6.8 مليار دولار.. (يقاطعه أحد الأصوات في القاعة فيسكته عامر) لا معلش ثانية واحدة عشان إحنا النهاردا بنكلّم الإعلام العالمي كله.. نمرة اتنين تحويلات المصريين العاملين بالخارج كانت قبل الثورة في 2010 تقريبًا تسعة مليار طلعت تدريجيا أصبحت 19 مليار.. (الشخص الذي يجلس بجواره على المنصة يهز رأسه بعنف دليلًا على الموافقة العنيفة ويقول «بالظبط» ثم يكمل عامر) إحنا عارفين إن الدول الخليجية السنة دي بتعاني من انخفاض أسعار البترول فانخفضت يقصد قيمة تحويلات العاملين بالخارج هذه السنة بقيمة 2 مليار دولار.. يعني لا علاقة لها بأي شيءقال عامر هذه الجمل في 51 ثانية. وأعتقد أن هذه الـ51 ثانية قد تنافس بقوة على جائزة أكثر 51 ثانية تحتوي على مغالطات في التاريخ.

أزمة العملة المصرية الحالية والسابقة مرتبطة بشكل أساسي بندرة الدولارات في الجهاز المصرفي هو لا يستقبل دولارات وبالتالي لا يستطيع أن يعطي دولارات، فتزدهر السوق السوداء وبالتالي لكي تستطيع متابعة أزمة العملة المصرية يجب أن تتابع قدرة الجهاز المصرفي على إعطاء الدولارات للمستوردين مثلًا، وهذه القدرة مرتبطة بقدرته على جذب دولارات جديدة من الفاعلين الاقتصاديين كالعاملين بالخارج أو المصدَّرين. ولأن الأرقام الواردة بميزان المدفوعات المصري تصور الدولارات الداخلة والخارجة إلى مصر، وليس إلى الجهاز المصرفي، فإن متابعة أرقام ميزان المدفوعات لا تفضي إلى فهم دقيق لما يحدث للعملة المصرية.

من أكثر الأمور التي تُحدث لبسًا وهو اللبس الذي يحاول عامر إحداثه عمدًا في فهم طبيعة أزمات العملة في مصر ومدى قوتها هو تصور أن الفجوة بين الدولار الداخل والوارد إلى مصر هي ما تحرك أسعار الصرف، بينما تشير البيانات والمشاهدات الواقعية إلى أن الفجوة بين الدولار الخارج والوارد إلى الجهاز المصرفي أقدر على تفسير سبب استمرار الأزمات طويلًا أو سبب قوتها. فنسبة تنازل حاملي الدولار، مثل العاملين بالخارج أو المصدَّرين، عن دولاراتهم للجهاز المصرفي (يُقصد بالتنازل قبول صرف دولاراتهم بالسعر الرسمي في البنوك) تقل جدًا في وقت تحرك الدولار بعنف في السوق الموازية، وبالتالي قد تجد ارتفاعًا في تحويلات المصريين العاملين بالخارج أو ارتفاعًا في حصيلة الصادرات في ميزان المدفوعات، ورغم ذلك تبقى أزمة العملة المصرية قائمة أو تشتد قوتها رغم التحسن في الاقتصاد العيني، أو رغم أن التدهور في الاقتصاد العيني ليس بهذا العنف. فنسب تنازل حائزي الدولار من مصدرين وعاملين بالخارج وقطاع السياحة عن دولاراتهم للجهاز المصرفي تختلف كثيرًا عن نسب صعود أو هبوط هذه الإيرادات في ميزان المدفوعات. في المؤتمر الصحفي السابق ذكره امتنع عامر عن الإجابة عن أي سؤال مرتبط بحصيلة البنوك من الدولار، فهذه «أسرارهم» على حد تعبيره عندما قال مثلًا: «ارتفعت حصيلة البنوك من الدولار ثمانية أضعاف الحصيلة اليومية بعد قرار التعويم»، وعندما سأله أحدهم: «يعني كام الحصيلة؟» امتنع عن الإجابة قائلًا: «هذه أسرارنا»، كما امتنع عن إجابة أي سؤال عن نسب التنازل أو حصيلة البنوك السابقة أو الحالية من الدولارات. لم يكن يحيل إلا لميزان المدفوعات المصري، وليس ميزان مدفوعات الجهاز المصرفي.

لا يريد عامر، ولا أي ممن يتبنون سياسته النقدية، أن تعرف شيئًا عن التغير الذي يحدث في نسب تنازل حائزي الدولار عن دولاراتهم للجهاز المصرفي عند تحرير سعر الصرف. هو أكبر مأزق أو الفعل الأكثر حمقًا الذي تقوم به سياسات التعويم أو سياسات إيقاظ مضاربي الضوضاء.

لنعد لتجار الضوضاء لمتابعة ما يحدث في تدفقات الدولار في الجهاز المصرفي، ولنخض في الأرقام التي يراها عامر «أسرارهم». هذه الأسرار التي تؤكد أن التعويم الحالي لن يكون نهاية قصة هزيمة المركزي و هزيمتنا معه أمام تجار الضوضاء. قريبًا نكمل هذه القصة لنعرف هل سيخرجنا التعويم منها، أو كيف سنخرج منها بعد فشل التعويم، في مقال أعدك أن يكون أقصر من هذا.

اعلان