Define your generation here. Generation What
مرشحو الرئاسة الأمريكية وقضايا السياسة الخارجية
 
 

ورقة من إعداد منتدى البدائل العربي للدراسات تنشر باتفاق خاص مع «مدى مصر»

Read this in English

تأتي الانتخابات الأمريكية في وقت عصيب بالنسبة للسياسة الدولية، إذ تواجه الإدارة الأمريكية القادمة العديد من الأزمات الدولية، يرتبط معظمها بالشرق الأوسط. فعلى سبيل المثال، تواجه الولايات المتحدة توترًا قويًا في علاقتها مع روسيا وخصوصًا فيما يتعلق بالأزمة السورية، وضم روسيا للقرم وتهديدها لشركائها الأوروبيين في حلف الناتو. كما تواجه تصاعدًا غير مسبوق للإرهاب في العالم، وتدفقًا غير مسبوق للاجئين والمهاجرين من مناطق كانت الولايات المتحدة طرفًا رئيسيًا في صراعاتها الداخلية.

الانتخابات الحالية هي الانتخابات الثامنة والخمسين لرئاسة الولايات المتحدة، ومن المقرر إجراؤها غدًا الثلاثاء الثامن من نوفمبر 2016. انتهت الانتخابات التمهيدية في فبراير 2016، واختير ممثل الحزب الجمهوري دونالد ترامب، المرشح المثير للجدل، وممثلة الحزب الديمقراطي، هيلاري كلينتون. وفي هذا الإطار خاض المرشحان ثلاث مناظرات انعقدت في أيام 26 سبتمبر و9 و19 أكتوبر 2016. وتخلل هذه الفترة العديد من التصريحات واللقاءات الصحفية لكلا المرشحين، والتي يمكن أن نستشهد بها على ملامح رؤيتهما للسياسة الخارجية الأمريكية.

في هذا الإطار نتعرض إلى رؤية مرشحي الرئاسة للعلاقات الأمريكية وتأثيرها على منطقة الشرق الأوسط. فطوال فترة كبيرة حازت منطقة الشرق الأوسط على الاهتمام الأكبر للسياسة الخارجية الأمريكية، ولكن في الآونة الأخيرة تراجع اهتمام الولايات المتحدة بالمنطقة وخصوصًا بعد الحراك المجتمعي العربي، حيث أصبحت الإدارة الأمريكية أكثر اهتماما بمناطق أخرى من العالم وبالشأن الداخلي الذي لم يتعاف بعد من وطأة أزمة مالية في 2008. هذا بالإضافة إلى تراجع الاعتماد على النفط الأحفوري لصالح النفط الصخري، وقوة إسرائيل المتزايدة في ظل تدهور أوضاع الدول المجاورة لها، وعدم رغبة الولايات المتحدة الأمريكية في التورط العسكري في المنطقة جراء ما لاقته من نقد داخلي لسياساتها التدخلية عقب أحداث 11سبتمبر.

ويمكن دراسة توجهات المرشحين من خلال ثلاثة محاور أساسية تتنوع القضايا في إطارها، أولها قضايا السلام في الشرق الأوسط، وأيضا القوي الإقليمية الكبرى المؤثرة في المنطقة، وأخيرًا مستقبل المنطقة في ضوء رؤيتي المرشحين.

أولا: العلاقات الأمريكية العربية وقضية السلام في الشرق الأوسط

تتصدر العلاقات العربية الأمريكية الآن مجموعة قضايا على رأسها القضية السورية والحرب على الإرهاب وموقف الولايات المتحدة الأمريكية من قضايا الهجرة واللجوء، هذا إلى جانب الصراع العربي الإسرائيلي. ولكل من المرشحين وجهته في تعامله مع هذه القضايا.

بالنسبة للقضية السورية، والتي تحتل أهمية بالغة منذ اندلاع الحرب هناك سواء لحساسيتها كقضية رئيسية في ملف العلاقات الأمريكية الروسية أو لتأثيرها على المنطقة ككل، وعلى المصالح الأمريكية بها، إلى جانب ارتباطها بقضايا أخرى كالهجرة واللجوء والإرهاب، تبدي كلينتون اهتمامًا أكبر بالحل السياسي والقضايا الإنسانية المتعلقة بالأزمة السورية، لكنها تبدي حرصًا أكبر على إظهار ترامب بمظهر المدعوم روسيًا أو الوجه الذي تريده روسيا رئيسًا. حيث أكدت خلال المناظرة الثانية أن ما يحدث من نظام بشار الأسد هو إبادة جماعية، وأن الوضع في سوريا هو كارثة، «يقصفون المدن السورية وخاصة حلب التي أصبح مواطنوها مُحَاصَرين، وما لا نريد الحفاظ عليه هناك هو نظام بشار الأسد، وروسيا دخلت اللعبة بكل قوة وتسعى لأن يصبح ترامب رئيسًا». كما ترى كلينتون أن الأسد هو السبب في «الفوضى التي نعاني منها، وفي سيطرة تنظيم «الدولة الإسلامية» على الأراضي التي تقع تحت حكمه». كما أكدت كلينتون أيضا، قبل المناظرات في خطاب ستانفورد 23 مارس، على أنه «علينا أن ندعم عملية وقف إطلاق النار في سوريا ونحافظ عليها. ويجب علينا أيضا أن نعمل مع شركائنا في التحالف ومع قوات المعارضة على الأرض بهدف إنشاء مناطق آمنة حيث يمكن للسوريين البقاء في بلدهم بدلا من الهروب نحو أوروبا».

أما بالنسبة لترامب، فيرى أن السبب الرئيسي فيما يحدث في سوريا هو باراك أوباما، الذي أدت سياساته إلى فراغ في المنطقة وزيادة توسع تنظيم الدولة. وانتقد ترامب الوضع الحالي في مدينة حلب السورية، مؤكدًا أن المدنيين يُقتلون بسبب عدد من القرارات «السيئة»، معلنًا أنه يرى أن الرئيس السوري بشَّار الأسد أكثر قوة من كلينتون وأوباما، وأثبت أنه أكثر ذكاءً منهما، لأنه استعان بروسيا وإيران، مشيرا في الوقت نفسه أن بشار الأسد سيئ، ولكن بديله أسوأ. كما انتقد دعم الولايات المتحدة للمعارضة السورية التي لا يعرفون عنها شيئا: «فلنقل أنه تم التخلص من الأسد ومن هذه الحكومة، من ذا الذي سيتولى الحكم بعد ذلك؟ الأشخاص الذين ندعمهم؟ ثم يتحول الوضع ليصبح مماثلا لليبيا؟». كما أكد ترامب في مقابلة مع الجارديان على أن «الأسد سيء. ربما يكون هؤلاء الأشخاص -أي الثوار السوريين المدعومون من الولايات المتحدة- أسوأ منه». كما أكد على دعم التفاوض مع نظام الأسد وعلى فرض منطقة آمنة للسورين: «ما زلت أدعم عملية فرض منطقة حظر جوي لأنني أعتقد أننا بحاجة إلى إنشاء ملاذات آمنة لأولئك السوريين البائسين الذين يفرون من الأسد ومن تنظيم «الدولة الإسلامية» ليتمكنوا من اللجوء إلى مكان آمن». ويُلاحظ تركيز ترامب في معظم حديثه عن السياسة الخارجية بشكل عام والشرق الأوسط بالتحديد على قضية محاربة الإسلام الراديكالي الذي لا يراه عدوا في الخارج فقط بل في الداخل أيضا، هذا التوجه يقابله ترحيب لدى قيادات العديد من دول المنطقة وبتخوف شديد وشكوك من شعوبها.

إذن ترى كلينتون أن بشار الأسد هو المشكلة الرئيسية في سوريا ولا تراه جزءًا من الحل، وهو ما يتوافق بشكل كبير مع موقف الإدارة الحالية وتذهب باتجاه تنسيق أكبر مع المعارضة السورية، بينما يرى ترامب أن السياسة الأمريكية تقتضي تنسيقًا أكبر مع روسيا، وهو أقرب للموقف الروسي باستثناء موافقته على فكرة المناطق الآمنة والتي تعتبر نقطة توافق لدى كلا المرشحين.

وتنقلنا الأزمة السورية إلى أزمة أخرى، وهي اللجوء والهجرة، فقد أدت الصراعات في المنطقة إلى نفور الكثير من السكان وهجرتهم إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، مما رفع أعداد اللاجئين عن طريق الهجرة غير الشرعية لأوروبا ومن بعدها ينتقل بعضهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وتواجه الأخيرة ضغوطًا من بعض شركائها الأوروبيين لعدم تحملها حصصا من اللاجئين. وتشير التقارير إلى وصول عدد اللاجئين في العالم إلى 65 مليون شخصًا مع نهاية عام 2015، بسبب كثرة الصراعات في دول العالم الثالث، وحوالي نصف هؤلاء اللاجئين من سوريا وأفغانستان والصومال. وهي دول للولايات المتحدة سابق تدخل عسكري مباشر فيها، لذلك تتبوأ قضية اللجوء والهجرة أهمية في السياسة الخارجية الأمريكية. وفي هذا الإطار يرى ترامب أن مشكلة كسوريا لم تعد عليهم إلا بزيادة النازحين والمهاجرين، وأن «الولايات المتحدة الأمريكية لديها ما يكفي من المشاكل، فلا بد من بناء مناطق آمنة أو أن يتحمل آخرون مثل دول الخليج مسؤوليتهم. فهؤلاء اللاجئين لا نعلم عنهم شيئا أو عن حبهم وولائهم لبلادنا». كما يؤكد ترامب على أهمية وجود إجراءات وقائية قوية على حدود الولايات المتحدة مع الدول الأخرى، وذلك لمنع التهريب، وذلك عن طريق بناء سور فاصل مع المكسيك. في حين أكدت كلينتون على أنها لن تسمح بدخول «أي شخص يهددنا إلى البلاد»،

كانت كلينتون قد أعلنت أنه ينبغي معالجة هذا الملف قانونيا، وأنها لن تغلق الباب أمام الأطفال والنساء من اللاجئين، مشترطة عدم قبول أي لاجئ إلا بعد فحص ملفه بدقة. وترى كلينتون أنه «يجب التخلص من أي شخص عنيف… وإذا وجب أن يرحل سنرحله»، كما أكدت على أنه «لن يكون لدينا حدود مفتوحة ولكن سيكون لدينا حدود محمية ومصانة»، وهو ما يتناقض مع تسريبات ويكيلكس التي أعلنت فيها انها تريد حدودًا مفتوحة وفقا لترامب، وفي الوقت نفسه، انتقد ترامب خطط كلينتون لرفع عدد اللاجئين السوريين إلى 550% من المستوى الحالي، وذلك «لأنها تعرض أمن الولايات المتحدة للخطر».

وتنقلنا قضية اللجوء والهجرة إلى قضية أخرى وهي الحرب على الإرهاب، حيث أكد ترامب في المناظرة الأولى على أن تنظيم داعش من أخطر التنظيمات على أمن الولايات المتحدة الأمريكية حيث انتشر وتمدد في الشرق الأوسط نتيجة السياسات الخاطئة للولايات المتحدة الأمريكية في ابتعادها عن المنطقة وعدم سيطرتها على النفط بها وهو مصدر التمويل الأساسي لداعش. أما كلينتون فترى أنه لا بد من التعاون مع الحلفاء من أجل مكافحة الإرهاب، وهو ما أكد عليه ترامب من ضرورة الاستعانة بحلف شمال الأطلنطي من أجل القضاء على الإرهاب. وفي هذا الإطار يرى أيضا أنه “علينا التخلص من تنظيم داعش قبل أن نتخلص من الأسد، كيف نقاتلهما في الوقت نفسه بينما يقاتلان بعضهما البعض؟ أعتقد أن تنظيم الدولة الإسلامية يشكل تهديدا أكثر أهمية بكثير بالنسبة لنا من ذلك الذي يطرحه الأسد في الوقت الراهن». أما كلينتون فترى أن هناك ضرورة للعمل مع الحلفاء من أجل التغلب على تنظيم الدولة «سأعمل مع حلفائنا في الشرق الأوسط»، كما ترى أن استعادة الموصل خطوة مهمة في نهاية التنظيمات الإرهابية والموالين لهم، «استعادة الموصل خطوة مهمة ضد تنظيم الدولة وأنا ضد نزول القوات الأمريكية العراق على أنها قوات احتلال، أما سوريا فسوف تبقى معقلا للإرهاب طالما الحرب الأهلية مستمرة وذلك بمساعدة إيران»، وعلى ضرورة القضاء على تنظيم الدولة برًا وبحرًا، وملاحقته عبر الإنترنت قالت إنه«يجب أن نلاحق تنظيم الدولة برا وجوا وعبر الانترنت ونواجهه». أما ترامب فيرى ألا يتدخل في الأزمة السورية إلا بقدر ما يقوض الإرهاب «كنت أود أن أبقى خارج الأزمة السورية ولم أكن لأحارب بهذه الشدة… ضد الأسد لأنني أعتقد أن الأمر عبارة عن مسألة كاملة… فالآن أصبحت إيران وروسيا إلى جانب الأسد. ويفترض بنا محاربة كليهما. وفي الوقت نفسه، يفترض بنا محاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» الذي يحارب الأسد».

أما العنصر الآخر في قضايا السلام فهو الصراع العربي الإسرائيلي، فمنذ بداية الصراع العربي الإسرائيلي والعلاقات الأمريكية العربية مرتبطة بشكل مباشر بطبيعة العلاقة مع إسرائيل. ولذلك فمن المهم معرفة رأي وتوجهات مرشحي الرئاسة في القضية الأم لأصل الصراعات والقضايا في المنطقة. ترى كلينتون، وفقا لخطابها أمام لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية في 21 مارس الماضي أن الإسرائيليين يستحقون «وطنا آمنا للشعب اليهودي. ويجب على الفلسطينيين أن يكونوا قادرين على حكم أنفسهم في دولة خاصة بهم، بسلام وكرامة. ويُعتبر اتفاق الدولتين الذي يتم التوصل إليه عن طريق التفاوض الحل الوحيد لتوفير تلك النتائج. وإذا ما نظرنا إلى السياق الإقليمي على نطاق أوسع، يمكن للمصالح المتقاربة لإسرائيل والدول العربية الرئيسية أن تجعل من الممكن تعزيز التقدم المحرز بشأن القضية الإسرائيلية الفلسطينية». أما ترامب فيرى أن الحل في الصراع العربي الإسرائيلي «سيرتبط إلى حد كبير بإسرائيل، وبما إذا كانت إسرائيل تريد التوصل إلى اتفاق أم لا، وما إذا كانت مستعدة للتضحية ببعض الأشياء أم لا». كما أكد المرشح الجمهوري في اجتماع MSNBC العلني على أنه سيكون على الحياد في هذا الملف، «اسمحوا لي بأن أكون محايدًا في المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية». وفي مارس، أمام لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية، كان هناك تصريح آخر من ترامب قال فيه إن  “من شأن اتفاقية سلام تفرضها الأمم المتحدة أن تشكل كارثة تامة وكاملة. إذ لن تؤدي سوى إلى المزيد من نزع الشرعية عن إسرائيل، وستكافئ الإرهاب الفلسطيني». ومن هنا يمكن القول إن مواقف المرشحين لا تختلف كثيرًا، فالاثنان من مؤيدي التوجه الإسرائيلي، إذ ترى كلينتون أنها«”كرئيسة للبلاد، سألتزم التزامًا تامًا بضمان حفاظ إسرائيل على تفوقها العسكري النوعي. إذ يجب على الولايات المتحدة تزويد إسرائيل بتكنولوجيا الدفاع الأكثر تطورا لتتمكن من ردع أي تهديد ووقفه». أما ترامب فتعهد بأنه «عندما أصبحْ رئيسا، ومنذ أول يوم لي في السلطة، ستنتهي أيام معاملة إسرائيل وكأنها مواطن من الدرجة الثانية». وهكذا فإن سياسات المرشحين لا تشكل تغيرًا كبيرًا عن الوضع الحالي لسياسة أوباما تجاه القضية، لكن من الممكن أن تكون أكثر ضرراً على الموقف العربي إذا وصل ترامب إلى السلطة، وذلك لتصريحاته العرقية ضد المسلمين.

ثانيا: العلاقات الأمريكية مع القوى الإقليمية وتأثيراتها على مستقبل المنطقة

تتحدد قضايا الشرق الأوسط اليوم من خلال صراع بين طرفين أساسيين هما القوى الإقليمية الرئيسية الفاعلة فيه متمثلة في المملكة العربية السعودية وإيران وإسرائيل وتركيا، وإلى حد ما مصر من ناحية، وتطلعات شعوب هذه الدول وتفاعلاتها من ناحية أخرى. لذلك من المهم النظر في نمط وشكل العلاقة المتوقعة في ظل كل من المرشحين لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية.

وتتسم العلاقات الأمريكية الإسرائيلية  بشكل عام بالتقارب والتعاون الاستراتيجي، وهو الشيء المتفق عليه بين جميع رؤساء الولايات المتحدة، وهناك ما يشبه الإجماع الأمريكي على الالتزام بحفظ أمن إسرائيل وتفوقها النوعي على جميع جيرانها. وبالنسبة لمرشحي الرئاسة الحاليين فلم تتغير هذه الرؤية حيث ترى كلينتون أنها كرئيسة للبلاد، ستلتزم التزامًا تامًا بضمان حفاظ إسرائيل على تفوقها العسكري النوعي. إذ يجب على الولايات المتحدة تزويد إسرائيل بتكنولوجيا الدفاع الأكثر تطورا لتتمكن من ردع أي تهديد ووقفه”. أما ترامب فتعهد بالحفاظ على أمن وبقاء إسرائيل «عندما أصبح رئيسا، ومنذ أول يوم لي في السلطة، ستنتهي أيام معاملة إسرائيل وكأنها مواطن من الدرجة الثانية». وهكذا فإن سياسات المرشحين لم تختلف كثيرا عن الوضع الحالي لسياسة أوباما تجاه القضية بل من الممكن أن يكون ضررها أكبر على الموقف العربي إذا وصل ترامب إلى السلطة.  إذن هناك حديث من كلا المرشحين عن أمن إسرائيل دون ذكر لإتمام عملية السلام في الشرق الأوسط، وهو الأمر الذي كان هدفًا لإدارات أمريكية سابقة.

وتحتل العلاقة مع إيران جانبًا مهمًا في خطابات المرشحين، حيث يختلفان في طريقة إدارة الملف النووي الإيراني. ففي حين ترى كلينتون أن الرئيس أوباما قد تعامل مع المعطيات وحقق انتصارات بالاتفاق مع إيران، يرى ترامب أن صفقة إيران هي «شيء مهين» في تاريخ العلاقات بين البلدين. ففي المناظرة الأولى، وصف ترامب الاتفاق النووي الإيراني بالخطأ الفادح من إدارة أوباما، وأشار إلى أنه سوف يهزم إيران، أما كلينتون فرأت أن إدارة أوباما هي ما جعلت إيران تقدم على التنازلات المقدمة في برنامجها النووي. ففي مقابلته مع Jewish Agency، يرى ترامب أن «الاتفاق مريع ولن يلتزموا به»، ويرى أن «المفاوضين الإيرانيين قد تفوقوا على الأمريكيين بشكل كبير» أما كلينتون فترى أن الاتفاق أخذ في الاعتبار رجال الأعمال الذين يرغبوا في الاستثمار بإيران. ووفقًا لها فإنه بالرغم من أن الحكومة الأمريكية سوف تواجه عدة تحديات لحمل إيران على تنفيذ الاتفاق إلا أن هذا الاتفاق منع إيران من التسابق من أجل تطوير السلاح النووي وهذا هو ما يهم الولايات المتحدة الأمريكية. كما أنها تعتقد أن الاتفاق النووي الإيراني «جعل العالم مكانا أكثر أمانا ولا يجب القلق وإنما التركيز على القضايا المتعلقة بتمويل إيران للإرهابيين ودعم بشار الأسد في سوريا وحماس وحزب الله دون البرنامج النووي وتلك هي أهمية الاتفاق النووي مع إيران حيث ساعد هذا الاتفاق على جعل العالم أكثر أمان».

تحاول المملكة العربية السعودية فرض نفسها كقوة إقليمية، ومن هذا المنطلق ومع لعب السعودية دورا في الحرب في سوريا واليمن وتأثيرها على بعض الأوضاع في المنطقة تأتي أهمية دراسة توجهات المرشحين للعلاقات الأمريكية السعودية.بالنسبة لترامب، فقد أكد خلال المناظرة الأولى أن الولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن أن تدافع عن السعودية ما لم تدفع مقابل هذا الدفاع. وهو ما جاء في الحوار مع MSNBC، والذي أوضح من خلاله أن السعودية لا تدفع مقابل عادل لقاء الدفاع عنها من قبل الولايات المتحدة ولهذا يجب إلغاء التحالف بين الولايات المتحدة الأمريكية والسعودية. وهو عكس ما دافعت عنه كلينتون، حيث تعهدت بالحفاظ على المعاهدات مع حلفاء الولايات المتحدة، والتنسيق معهم من أجل القضاء على الإرهاب في المنطقة.

أما على جانب العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا، فتبدو الأخيرة قوة إقليمية مؤثرة في خطاب المرشحين. فيرى ترامب أن أردوغان« قائد ذكي» في طريقة تعامله مع محاولة الانقلاب، ويعتقد أنه بوجود تعاون مع تركيا يمكن للولايات المتحدة التصدي لتنظيم داعش الإرهابي. وفيما يتعلق بقمع الحريات في تركيا التي يمارسها أردوغان وكيفية التحالف معه في ظل هذه الانتهاكات، فيرى ترامب أن الولايات المتحدة نفسها تعاني من مشاكل تتعلق بالحريات المدنية وأنه من الأفضل التركيز علي حماية الحريات المدنية بها، فالولايات المتحدة ليس لديها الحق في تعليم الآخرين ما يتعلق بشؤونهم الداخلية. وبخصوص التحالف مع الأكراد وتركيا في الوقت نفسه بالرغم من الخلافات الحادة بينهما، رد ترامب بجملة مقتضبة بأنه سوف يسعى لعمل تحالف يجمع بينهما. أما كلينتون فترى في تركيا حليفًا استراتيجيًا هامًا للأمن القومي الأمريكي، فهي الدولة الإسلامية ذات الأغلبية السنية التي تقاتل بجانب الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وهي التي سمحت للقوات الأمريكية باستخدام أراضيها لتنفيذ هجمات ضد التنظيم المتطرف، بينما تتهم ترامب بأن تشابك مصالحه الاقتصادية مع بعض الشركات التركية قد يمنعه من تغليب مصالح الولايات المتحدة.

أما على الجانب الآخر، فنجد أن روسيا موجودة بقوة في منطقة الشرق الأوسط، وعن شكل العلاقات الأمريكية الروسية، ترى كلينتون أن «أهم الأخطار على الأمن الأمريكي هو الأمن الإلكتروني، وأخطره ما تقوم به روسيا، فلا شك أن روسيا تخترق جميع أنواع المؤسسات في الولايات المتحدة الأمريكية سواء خاصة أو حكومية». وهو ما نفاه ترامب حيث أكد على عدم وجود أى علاقة بين روسيا والحرب الإلكترونية على الولايات المتحدة الأمريكية، وأنه لا توجد أدلة على هذه الاتهامات المدعاة من جانب كلينتون. كما اتهمت كلينتون روسيا بمحاولة التدخل في الانتخابات الأمريكية وتوجيه الرأي العام الأمريكي، وهو ما يتنافى مع تسريبات ويكيليكس والتي أعربت فيها كلينتون عن الإعجاب بروسيا ورئيسها. ويتبين من رسائل البريد الإلكتروني التي تم قرصنتها من جهاز جون بوديستا، رئيس حملة المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، أنها شددت في الأحاديث الخاصة في عام 2013 على ضرورة إقامة علاقات حسنة مع روسيا. وقالت كلينتون في 29 مايو 2013 إنه يطيب لها أن تتبادل الحديث مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وفقا لإحدى رسائل البريد المسرّبة. لكن هذا في التحليل الأخير لا يخرج عن كونه تصريحات دبلوماسية روتينية خصوصا إذا ما قورن بموقف الديمقراطيين المتردد بشأن التعاون مع روسيا أو حتى التنسيق معها سواء في الحل السياسي أو الضربات العسكرية في سوريا.

أما بالنسبة لترامب، فيدافع بشكل مستميت عن روسيا، وظهر ذلك في الرد على الاتهامات التي وجهتها كلينتون لروسيا بخصوص التجسس أثناء المناظرة الأولى، فأوضح ترامب أن القدرة النووية الروسية هي أكثر تطورًا وتقدمًا من الأمريكية، كما أشار إلى أن روسيا لديها امكانيات اعلى من الولايات المتحدة، فروسيا تجدد ترسانتها على العكس منها.

أما عن رؤية المرشحين للنظام المصري فثمة آراء مشتركة وأفكار تجمع ترامب مع الرئيس المصري، أبرزها الموقف من جماعة الإخوان، حيث وصفها ترامب بـ «المتشددة» في خطاب له، متهمًا هيلاري كلينتون بمساعدتها للوصول للحكم على حساب الرئيس الأسبق مبارك، قائلاً إنه «في مصر ساعدت كلينتون على الإطاحة بنظام صديق، واستبدلته بنظام متشدد تابع للإخوان المسلمين، وقد تمكن الجيش المصري من استرداد السيطرة لكن كلينتون فتحت علبة الشرور الخاصة بالإسلام المتطرف». واتهم ترامب أيضًا الرئيس الأمريكي أوباما بمساعدة الإخوان، حيث قال إن «دعم أوباما عزل نظاماً صديقاً في مصر، دخل في معاهدة سلام طويلة الأمد مع إسرائيل، ثم ساعد في جلب الإخوان المسلمين إلى السلطة بدلا منه»، وهو موقف يتوافق مع قناعات الرئيس المصري من جماعة الإخوان المسلمين. إذن يبدي ترامب توافقًا مع النظام المصري سواء في النظر للوضع الداخلي المصري أم في الموقف الخارجي للبلد العربي بأولوية الحرب على الإرهاب في الداخل والخارج على أية قضايا أخرى.

وبينما ركزت هيلاري كلينتون في لقائها بالرئيس السيسي على احترام القانون وحقوق الإنسان وعبرت عن مخاوفها من انتهاكات حقوق الإنسان والتضييق على المنظمات الحقوقية والنشطاء، فإن ترامب في لقائه به في 19 سبتمبر الماضي رحب بمجهوداته في الحفاظ على بلده وعبر عن دعمه القوي له في الحرب على الإرهاب، وأن الولايات المتحدة سوف تصبح صديقًا مخلصًا لمصر في حالة فوزه، وأكد على استمرار أهمية مصر كشريك في دعم السلام والاستقرار في الشرق الأوسط.

إلا أن كلا المرشحين يدركان أن سقوط مصر في معسكر الدول الفاشلة يمثل كارثة لمصالح الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة ومن ثم هناك حرص منهما على إقامة علاقات مع النظام المصري لمنع وقوع هذه الكارثة وإن كانت على أساس رؤى مختلفة: «تعاون في الحرب على الإرهاب مع الحفاظ على حدود دنيا لحقوق الإنسان»، أو «تعاون مطلق في الحرب على الإرهاب دون شروط».

خاتمة وخلاصات حول مستقبل المنطقة في ضوء رؤى المرشحين:

في حالة فوز هيلاري كلينتون، وهو الأقرب للواقع في تقديرنا، فإن الخلافات حول قضايا المنطقة مع القوى الرئيسية فيها قد تمتد. إذ ستعود ملفات سوريا واليمن والهجرة واللجوء لمجلس الأمن بشأنها مما سيعطل أي حل سياسي لها في ضوء التوتر في العلاقات الروسية الأمريكية. لكن إذا ما تم إيجاد توافقات بين إدارتها وروسيا وإيران والسعودية ومصر -وهو أمر صعب- فقد ينتج هذا حلولاً مقبولة في اليمن وسوريا. وقد تضغط الولايات المتحدة بملفات حقوق الإنسان وبالمساعدات العسكرية على مصر لقبول مصالحة داخلية مع دور مصري مقبول إقليميًا لمحاربة الإرهاب والتطرف، ولقبول توافقات مع السعودية ودول الخليج حول سوريا واليمن وعملية السلام مع إسرائيل، مقابل ضمان استقرار النظام المصري.

أما إذا جاءت الانتخابات الأمريكية بدونالد ترامب فإن توافقًا أمريكيًا مع روسيا وإيران وتركيا قد يحل الأزمة السورية لصالح النظام السوري، عن طريق ابقائه كجزء من عملية سياسية انتقالية. ومثل هذا الحل سيعزز الديكتاتوريات في المنطقة إذ يقوى قبضة النظم السلطوية باعتبارها بديلا عن الفوضى والإرهاب الذي لا تريده أمريكا والعالم، غير أن مثل هذه التوافقات سوف يبرز تناقضات المواقف الشعبية في مواجهة المواقف الرسمية من هذه الملفات.

أيضا فإن أولوية الحرب على الإرهاب أو ما يسميه ترامب بـ«التطرف الإسلامي» سوف تكون واضحة حال فوزه ما يعني عودة لسياسات الولايات المتحدة عقب 2011، بموقف أكثر تشددًا وأكثر اعتمادًا على الوسائل العسكرية والأمنية المباشرة لتنفيذ السياسة الخارجية، مع تحميل دول المنطقة العبء الأكبر في خطط مواجهة أزمات الإرهاب واللجوء سواء باكتفاء الولايات المتحدة بالدعم الفني والعسكري مع تولي دول المنطقة وعلى رأسها دول الخليج تمويل هذه الخطط، أو بتدخلات عسكرية مباشرة ممولة من قبل دول المنطقة.

وإذا كان ترامب يرى أن شعوب المنطقة يجب أن تدفع مقابلاً عادلاً لقاء دفاع الولايات المتحدة الأمريكية عنها، فإن هذا المقابل العادل قد يكون فرض قبول سعودي بدور مصري وإيراني وإسرائيلي في بعض قضايا المنطقة، وبالذات في سوريا واليمن. وقد يصل لأقصاه بتفعيل قانون «جاستا» لمحاسبة السعودية وبعض دول الخليج فيما يخص رعاية الإرهاب، مما قد يؤدي مباشرة لتجميد أموال سعودية وخليجية في الغرب، أو حتى مساومة على تحويلها للاستخدام في الحرب على الإرهاب، وللقبول بتوافقات حول قضايا المنطقة أو تحول هذه القضية لأزمة جديدة من أزمات المنطقة.

وفي التحليل الأخير، لا يجب تجاهل العوامل الداخلية في دول المنطقة وقدرتها العالية على تغيير خيارات القوى الدولية والإقليمية أو على الأقل إرباكها. فالمشهد في اليمن وسوريا وليبيا لم يُحسم بعد لصالح أيٍ من أطرافه، كما أن معركة الموصل الدائرة حاليا لم تقض على داعش بعد، ولم تتوافق أطرافها على الهدف منها هل هو تحرير الموصل أم تغيير التركيبة السكانية لصالح أعراق وطوائف على حساب أخرى. كما تتوجس الشعوب من كل هذه التحركات، وقد تتحرك باتجاهات مضادة للأنظمة وحلفائها التقليديين، لكن في النهاية لم يعد التسليم بفرضية أن شعوب المنطقة مفعول بها وفقط مقبولاً، حتى لو كانت بعض نظمها كذلك.

اعلان