Define your generation here. Generation What
انتهاء مرافعات الخصوم…و«الدستورية» تحسم مصير «التظاهر» في 3 ديسمبر
 
 

قررت المحكمة الدستورية العليا حجز الطعن ضد دستورية المادتين الثامنة والعاشرة من «قانون التظاهر» للحكم بجلسة 3 ديسمبر المقبل، بعدما استمعت اليوم السبت إلى مرافعات كل من مقيمي الدعوى ودفاع هيئة قضايا الدولة (محامي الحكومة). ومن المقرر أن تصدر المحكمة في اليوم ذاته حكمها في دعوى أخرى بالطعن على دستورية القانون بأكمله وخاصة مادتيه السابعة والتاسعة عشرة.

واستمعت المحكمة، برئاسة المستشار عبد الوهاب عبد الرازق، إلى مرافعات المحامين عصام الإسلامبولي وناصر أمين وخالد علي متضامنين في الطعن على دستورية المادة الثامنة، التي تنظم كيفية الإخطار قبل المظاهرة، والمادة العاشرة، التي تعطي الشرطة حق إلغاء أو تأجيل أو تغيير مسار المظاهرة.

إخطار أم ترخيص؟

وفي بداية مرافعته قدم الإسلامبولي مقارنة بين دستوري ١٩٢٣ و٢٠١٤، فقال إن الدستور الأول لم ينص صراحًة على حرية التظاهر، واكتفى فقط بحرية الاجتماع السلمي باعتباره شأنًا جامعًا، غير أن القانون الصادر في عهد الاحتلال البريطاني لتنظيم ذلك الحق أقر التظاهر بالإخطار. واستطرد الإسلامبولي قائلًا إنه على الجانب الآخر، نص دستور ٢٠١٤ صراحًة على الحق في التظاهر بمجرد الإخطار، إلا أن «قانون التظاهر» حوّل الإخطار عملياً إلى ترخيص مسبق، مضيفًا أن العبرة ليست بالكلمات المستخدمة وإنما بالمقاصد والمعاني من وراء التشريع.

وشدد الإسلامبولي على أن أهمية النقطة السابقة تأتي من كون الدستور المصري تبنى مبدأ الإخطار (بعكس التصريح) في أربعة مواضع متعلقة بتأسيس الصحف (مادة 70) والأحزاب السياسية (مادة 74) والجمعيات الأهلية (مادة 75)، فضلًا عن الحق في تنظيم الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات وكافة أشكال الاحتجاج السلمي. وعلّق الإسلامبولي على ذلك قائلًا إن حكم المحكمة بخصوص حق تنظيم التظاهرات بطريق الإخطار سينسحب كذلك على باقي النقاط الثلاثة.

وتطرّق الإسلامبولي إلى الفرق بين الترخيص والإخطار، موضحًا أن الترخيص هو إجراء تنظيمي تقوم به جهة الإدارة لمنح رخصة لأفراد أو مجموعات لممارسة حق ما، والأصل في الترخيص هو ألا يباشر مُقدّم الطلب حقه إلا بعد صدور الترخيص، بينما الإخطار هو تقديم طالب الإخطار لعدد من المعلومات والبيانات إلى الجهة الإدارية بغرض إعلامها بممارسة الحق فقط، فالإخطار هنا أخف من الترخيص. وأضاف الإسلامبولي أنه إذا ما اقترن الإخطار بقدرة الجهة الإدارية على الاعتراض على مباشرة الحق أصبح بذلك ترخيصًا.

شرح الإسلامبولي النقطة الأخيرة قائلًا إن المادة الثامنة من قانون التظاهر تحدد الحد الأدنى لتقديم الإخطار لقسم أو مركز الشرطة بثلاثة أيام، أو 24 ساعة في حالة إذا كانت اجتماعًا انتخابيًا. وعلّق الإسلامبولي على ذلك البند متسائلًا «ماذا لو كان هناك حدث جلل يستدعي التفاعل معه مباشرةً، مثل حرب مع دولة شقيقة كما حدث في حرب الخليج، هل ننتظر ثلاثة أيام؟»، مضيفاً أن المشرع قام بتقصير هذه المدة إلى 24 ساعة في حالة التجمع الانتخابي، «فهل الحق في التجمع الانتخابي أكثر أهمية من التظاهر؟»

أثار الإسلامبولي نقطة أخرى وهي اشتراط أن يتضمن الإخطار، وفق المادة  الثامنة المطعون عليها من القانون أيضًا، المطالب والشعارات التي يرفعها المشاركون، واصفاً هذه النقطة بأنها «غير منطقية» نظراً لأن أي مظاهرة الغرض منها أن ينضم إليها أشخاص بخلاف المنظمين والداعين لها، ومن غير المتوقع أن يعرف المنظمون كل المشاركين وأن يتوقعوا كل ما سيرفعونه من شعارات. واستخلص من هذه النقاط أن الشروط الموضوعة للتظاهر «تعجيزية» على حد وصفه، وتجعل الإخطار هنا أقرب للتصريح.

شروط تقييد الحقوق

فيما بدأ ناصر أمين، المحامي وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، مرافعته بمقولة المستشار عوض المر، الرئيس الأسبق للمحكمة الدستورية العليا، التي جاء فيها أن الحق كائن حي وداخله نواة، وعلى الدولة أن تبتعد عند تنظيم الحق عن هذه النواة وإلا قتلت الحق.

وقال أمين إن العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والذي صدّقت عليه مصر، ينص في المادة رقم 19 على حق أي إنسان في التعبير، وفي المادة رقم 21 على أن يكون الحق في التجمع السلمي معترفًا به. وأضاف أن العهد الدولي أعطى فرصة لتقييد هذه الحقوق، فجاء في المادة 21 أنه «لا يجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق إلا تلك التي تفرض طبقًا للقانون وتشكل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم».

وقال أمين في مرافعته إن لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان وجدت أن الدول غير الديمقراطية تتمسك بهذه القيود وتعلل بها إطاحتها بهذا الحق، فأصدرت اللجنة تقريرًا إيضاحيًا لاحقًا قالت فيه «إن القيود على الحق ليست مطلقة ولكنها مرهونة بأن تكون ضرورية لمجتمع ديمقراطي، وأن يأتي القيد لحماية حق ديمقراطي آخر».

وشرح أمين أن المقصود من القيد على حرية التعبير مثلا «ألا يأتي شخص ويحرّض على العنف ضد طائفة أو فئة في المجتمع، فالقيد هنا يحمي قيمة أخرى وهي منع الحض على الكراهية أو العنف».

وتطرق أمين إلى المناقشات التي جرت حول قانون التظاهر قبل إقراره، والتي حضر جانبًا منها، فقال «دعانى المستشار عدلي منصور لإحدى جلسات مناقشة القانون قبل إقراره، عندما كان رئيسًا انتقاليًا للبلاد بعد 3 يوليو [2013]». ويضيف أمين: «عندما تساءلنا لماذا تم تحديد الحد الأدنى للإخطار بثلاثة أيام جاء رد وزير الداخلية وقتها لمنح جهة الإدارة فرصة للتدخل لحل المشكلة قبل المظاهرة».

وعلّق أمين على هذه النقطة قائلًا «إن هذا ليس عمل الشرطة، فهي بالأساس مسؤولة عن حماية التظاهرة وتأمين المشاركين فيها وليس التدخل في موضوعها».

انتقل أمين بعدها إلى المادة العاشرة من القانون، والتي تعطي الأمن صلاحية إلغاء المظاهرة أو تأجيلها أو نقلها إلى مكان آخر أو تغيير مسارها إذا ما توفرت له معلومات أو أدلة جدية على وجود ما يهدد الأمن العام، مع احتفاظ مقدم الإخطار بحقه في اللجوء للقضاء المستعجل للطعن على قرار جهة الإدارة.

وقال أمين أمام المحكمة «إن وجود إمكانية المنع هنا، تعني كذلك توافر القدرة على المنح، وذلك يعني أن يتحول الإخطار إلى ترخيص. وهذا مساس بالحق الذي ينظمه الدستور، بل يطيح بأصل الحق، لأنه يعطي جهة الإدارة إمكانية منع كل مظاهرة بدعوى الحفاظ على الأمن العام».

وأضاف أنه عندما اقترح المجلس القومي لحقوق الإنسان تعديل المادة العاشرة من القانون بحيث تصبح الشرطة هي من يلجأ إلى القضاء المستعجل لمنع المظاهرة أو إرجائها في حالة توافر معلومات بوجود ما يهدد الأمن العام، اعترض وزير الداخلية قائلًا «دول عالم فاضية، وعايزين يلففونا كعب داير على محاكم مصر، ده كل يوم في مظاهرات»، بحسب رواية أمين الذي علق: «رغم وجود محاكم ابتدائية مستعجلة في كل قسم بمصر، وقادرة على حسم هذا الأمر بسرعة».

عدلي منصور قاضياً ورئيساً

المحامي الحقوقي خالد علي بدأ مرافعته متمسكًا بإحدى الدفوع التي أوردها في صحيفة إحالة الدعوى وهي «عدم صلاحية المستشار عدلي منصور، بل وكل أعضاء المحكمة الدستورية لنظر هذه الدعوى، طالما أن المستشار منصور على رأس المحكمة»، مشيرًا إلى أن القانون صدر خلال فترة تولي منصور رئاسة الجمهورية وبالتالي يصبح من غير المنطقي أن يشرف هو على النظر في مدى دستوريته. وأضاف علي «هذا ليس تشكيكًا في حياد هيئة المحكمة وإنما أملًا في تصحيح خلل تشريعي ما. فعند وضع قانون المحكمة الدستورية لم يكن المشرع يتخيل أن يكون رئيس المحكمة في وقت ما هو نفسه رئيس الجمهورية، ثم يعود إلى منصة القضاء ثانية بعد انتهائه من مهمته المؤقتة. وكنت أنتظر أن تبادر المحكمة بنفسها بتصحيح ذلك العوار».

كان الرئيس المؤقت عدلي منصور قد أصدر القرار بقانون في نوفمبر 2013، وقت توليه رئاسة الجمهورية، قبل أن يعود لاحقًا لرئاسة المحكمة الدستورية العليا حتى خروجه إلى المعاش الصيف الماضي، ليخلفه في المنصب، منذ يوليو الماضي، المستشار عبد الوهاب عبد الرازق.

أثار علي عدة نقاط في مرافعته، منها انتقاده لما جاء في تقرير مفوضي المحكمة الدستورية من أن قانون التظاهر يقتفي أثر المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحرية الرأي والتعبير، فجاء في تقرير مفوضي المحكمة أن «فكرة الإخطار متوافقة مع المعايير الدولية والأممية». وأضاف علي: «تجاهل تقرير المفوضين أن تقرير المقرر الخاص بالأمم المتحدة بشأن الحق في التظاهر جاء فيه إنه من الأفضل عدم وجود إخطار لتنظيم المظاهرات، وفي حالة وجوده فيفضّل السماح بالتحمعات الفردية والعفوية».

وأشار علي هنا إلى أن قانون التظاهر المصري تجاهل التظاهرات العفوية، وهي التي ليس لها نصاب قانوني ولا منظمون.

وأضاف علي أن تقرير مفوضي المحكمة الدستورية ذكر عدداً من التجارب الدولية في تنظيم التظاهر وضرب أمثلة بجورجيا التي تبيح منع المظاهرات في حالات معينة، وكذلك أرمينيا. ورد علي قائلًا إن تقرير المفوضين تجاهل أن قانون التظاهر الخاص بجورجيا قد صدر حكم بعدم دستوريته، كما أن الإخطار في أرمينيا يتم في حالة المظاهرات التي يتجاوز عدد المشاركين فيها 100 شخص، بينما المظاهرات الأصغر من ذلك لا تحتاج حتى إلى الإخطار.

وذهب علي إلى مبدأ آخر أقره المجلس الدستوري الفرنسي، وكذلك المحكمة الدستورية المصرية، وهو مبدأ التناسب بين الحق والقيد، فقال إن «التناسب بين الحق والقيد تحدده أربعة شروط، وهي أن يكون القيد لهدف مشروع، وأن تكون هناك علاقة سببية منطقية بين القيد وذلك الهدف، وأن تكون هناك ضرورة لاستخدام ذلك القيد بمعنى أن هذه الوسيلة هي الوحيدة الممكنة لمنع وقوع الخطأ الذي نحاول منعه، وأن يكون هناك توازن بين حماية الحق وحماية الحقوق الأخرى».

ودفع علي بأن قانون التظاهر المصري الذي يعطي الحق للشرطة المصرية في أن تلغي المظاهرة في حالة تعطيلها للحق في التنقل أو غيره من المبررات قد أخل بشرطي الضرورة والتوازن. فلم يلزم القانون الشرطة بالتدرج في تقييد حرية التظاهر بأن تقوم أولًا بتحويل مسارها، أو تأجيلها، بل أعطاها حق المنع مباشرة. كما قال علي إن القانون لم يوازن بين الحق في التعبير والتجمع السلمي وبين باقي الحقوق مثل الحق في التنقّل، مشيرًا هنا إلى ما جاء في حكم المجلس الدستوري الفرنسي من أن «الحق في الوجود المادي في المجال العام هو أحد خصائص الحق في التعبير، وعلينا أن نحمي ذلك الحق لما له من فوائد عدة».

وشرح علي أنه في المدارس القانونية الأوروبية والأمريكية «نرى أن الحفاظ على الحق في التظاهر هو للصالح العام، بينما في التشريع المصري نرى أن التظاهر هو ما يُقدّم باعتباره إضرارًا بالصالح العام».

وختم علي مرافعته بمقولة أخرى للمستشار عوض المر: «على المشرع في مجال تنظيم القيود أن يختار أقل القيود وأنسبها للحفاظ على الحق وتمكين المواطنين منه».

رد محامي الدولة

بعد مرافعات الطاعنين على القانون، بدأ محامي هيئة قضايا الدولة مرافعته التي جاء فيها «لا يمكن أن تكون هناك حرية مطلقة وإلا أصبحت مفسدة مطلقة»، مضيفًا أن الحفاظ على النظام العام شرط أساسي لوجود الحق.

ورد محامي الدولة على ما جاء على لسان مقيمي الدعوى قائلًا إن الإخطار كما جاء في القانون هو إجراء وقائي، مضيفًا أن « المظاهرة تنزل إلى الطريق العام وتعتدي على الحق في التنقل والنظام والآداب العامة، وهذا ما دفع المشرّع إلى التدخل للحفاظ على هذه الحقوق». وضرب المثل بأنه في حالة الإضراب عن العمل في أوساط العاملين بالدولة ينبغي إخطار الجهات الإدارية قبلها بفترة كافية وإلا تعرضت مرافق البلاد للشلل بسبب إضرابهم، كما أن الجهة الإدارية تصبح لديها فرصة للتدخل بالوساطة والتفاوض لحل المشكلة قبل وقوع الإضراب عن العمل.

كما ردّ دفاع الحكومة على الدفع بأن سلطة الإدارة مطلقة في المنع بأن قرار الشرطة بمنع التظاهرة يأتي مسببًا، ما يجعله تحت بصر القضاء الإداري، بالإضافة إلى المحاكم الابتدائية المستعجلة.

ودفع محامي الدولة بأن النصوص الدستورية لا يتم تفسيرها بمعزل عن بعضها، مشددًا على أن الحق في التنقل والحق في الأمن وحماية الأمن القومي المصري جميعها حقوق تجب حمايتها أيضًا والموازنة بينها والحق في التظاهر.

وضرب مثالًا من دولة الكويت، عندما طالب أحد أعضاء البرلمان الكويتي في استجواب رسمي وزير الصحة بالإفصاح عن أسماء المرضى الذين يتلقون علاجًا في الخارج على نفقة الدولة وأمراضهم وتكلفة علاجهم، وهو ما رفضه الوزير. وأيدت المحكمة الدستورية الكويتية قرار وزير الصحة استنادا إلى أن حق البرلمان في السؤال والاستجواب لا يجب أن يتعدى على حق المرضى في السرية.

كما ضرب مثالًا بمنع رئيس بلدية باريس مظاهرة مناهضة للمسلمين في فرنسا عقب الهجوم على صحيفة شارلي إيبدو، وهو القرار الذي أيده مجلس الدولة الفرنسي.

وختم محامي الحكومة مرافعته قائلاً: «لقد شهدنا مظاهرات تبدأ سلمية ثم تنتهي بحرق المجمع العلمي والاعتداء على مجلس الشورى ومجلس الوزراء، وكذلك حرق العلم المصري أمام جامعة الدول العربية … فحسنًا يفعل عندما يوفق المشّرع بين الحرية وحماية النظام العام».

يمكن الاطلاع على نص مذكرة المحامي خالد علي المقدمة للمحكمة الدستورية بجلسة اليوم هنا.

اعلان