Define your generation here. Generation What
«جينيوس».. عن المحرر الأدبي حين يكون عبقريًا
 
 

عدد غير قليل من الأفلام في السينما العالمية تناول حياة كاتب ما. لكن فيلم «العبقري» Genius (سيناريو جون لوجان، إخراج مايكل جرانداج، 2016) انشغل في المقابل بالمحرِّر الأدبي ماكس بيركنز (قام بدوره كولين فيرث)، الذي كان محررًا لدار نشر تشارلز سكريبنر. تناول الفيلم علاقة الصداقة والعمل التي جمعت المحرر الأدبي الشهير بالكاتب الأمريكي القادم من شمال كارولينا إلى نيويورك، توماس وولف (قام بدوره جود لو).

تبدأ أحداث الفيلم، المعتمدة على سيرة بيركينز التي كتبها سكوت بيرج (1978)، في نيويورك عام 1929، حيث يظهر بيركنز جالسًا في مكتبه المصنوع من الخشب الداكن الثقيل في دار نشر سكريبنر، ويعمل بقلمه الأحمر على تحرير رواية «وداعًا أيها السلاح» لإرنست هيمنجواي، حين تصله مسودة أول أعمال وولف بعنوان «المفقودة»، من قِبَل زوجة وولف، التي تكبره بـ18 عامًا، ألين برنستاين، وقامت بدورها نيكول كيدمان.

قد يُكتفى في تصوير عملية الكتابة سينمائيًّا، بدلالات التفكير أو الشرود أمام النافذة أو الورق الأبيض أو حتى ممارسة الممثل فعل الكتابة مع صوت الآلة الكاتبة، ويسمع المشاهد صوت الأفكار التي تدور في رأسه. أما فعل التحرير الأدبي فيبدو أكثر تعقيدًا، وهو ما احتاج في الفيلم لاستخدام عناصر بصرية غير معتادة، مثل مسودات الأعمال وهي لا تزال مكتوبة بخط اليد، أو بعد نقلها بالآلة الكاتبة، أو القلم الأحمر الذي يظهر في يد بيركنز وهو يضع ملاحظات الحذف والتعديل على مسودة العمل، إلى جانب الهدوء اللافت على المستوى الصوتي في غرفة بيركنز بسبب الحائل الزجاجي بينها وبين بقية المساحة المخصصة للعاملين على الآلات الكاتبة، أما على المستوى البصري، فيمكن لبيركنز الاشتباك مع هذه المساحة، حيث بإمكانه رؤية بقية المكان بوضوح.

هناك أيضًا النقاشات بين بيركنز وولف حين عملا على مسودتي عمليه؛ «عن الوقت والنهر»، و«المفقودة»، والتي تحوَّل اسمها بعد ذلك إلى «انظر تجاه البيت أيها الملاك». وفي النقاشات تظهر تفاصيل أعمق عن عمل المحرر الأدبي، والحدود التي يتحرك فيها، والأثر الذي يتركه على العمل، بداية من اختيار المفردات وطريقة الصياغة، وصولًا للطريقة التي يُبنى بها العمل ككلٍّ.

"<span

يمكن إدراك هذا الأثر من تعليق صاخب لوولف في إحدى جلسات عملهما، بينما يظهر على الأخير الانزعاج من كثرة الحذف الذي يقوم به بيركنز، فيقول له: «لنحمد الرب أنك لم تكن موجودًا وقت تولستوي؛ لربما بدلًا من الحرب والسلام، كان يصلنا اليوم الحرب واللا شيء».

كانت لدى بيركنز رغبة شديدة في إنجاب ولدٍ، لكن لم يحدث، فجاء «توم» (توماس وولف) ليكون بمثابة الابن. لتتشكَّل ثنائية المحرِّر والكاتب/ الأب والابن، التي تتحرك حولها أحداث العمل، وهو ما يفسر لنا من جانب إنساني اهتمام بيركنز بالعمل مع الكتَّاب الشباب واكتشافهم، حيث كان الأديبين الأمريكيين الشهيرين، والشابين وقتها، إرنست هيمنجواي وسكوت فيتزجيرالد أهم من اكتشفهما وعمل معهما. لكن سيرته تخبرنا أن وولف كان أصعب كاتب شاب عمل معه.

لا يظهر أثر بيركنز على أعمال وولف فقط، بل يظهر بوضوح كذلك على أعمال فيتزجيرالد الذي يُؤدِّي دوره جاي بيرس، وهيمنجواي (يظهر في مشهدٍ واحدٍ فقط ويقوم بدوره دومينيك ويست)، ويمكن تلمُّس هذا الأثر في درجة التقدير والشهرة التي حصل عليها بيركنز، في مهنةٍ يُفترض أن يكون أصحابها مجهولين وغير معروفين للعامة كما يقول في إحدى مشاهد الفيلم. حتى أنَّ إهداء هيمنجواي في «العجوز والبحر»، أحد أهم الأعمال الأدبية في القرن العشرين، كان لمحرِّره.

يظهر سكوت فيتزجيرالد بشكلٍ ثانويٍّ بعد أن كتب «جاتسبي العظيم»، ومعاناته مع الكتابة والسينما ومرض زوجته. في هذا الوقت، وبعد عامين مِن نشر «جاتسبي»، لم يربح فيتزجيرالد سوى دولارين وبعض السنتات. وهو ما فاقم من أزمته النفسية ومحنته مع الكتابة.

في زيارة يقوم بها بيركنز لهيمنجواي مشاركًا إياه في إحدى رحلات صيده، ينتقد هيمنجواي كتابات وولف وعقليته، حيث يرى أن روايته الثانية «عن الزمن والنهر» عمل رديء، وأن وولف يكثر من الحديث للصحافة: «يُذكِّرني بما حدث مع فيتزجيرالد، حين قالوا إنه أهم كاتب على قيد الحياة، أنظر إليه الآن يا ماكس، فهو لا يستطيع كتابة جملة واحدة جيدة».

***

هنالك عدة تفاصيل على مستوى الأداء والديكور والملابس تبرز حجم الاختلافات بين وولف وبيركنز. حيث يبدو بيركنز شخصًا صارمًا قليل الانفعالات، هادئًا في طريقة سيره وحواره، لا يتخلى عن قبعته ولا يخلعها عن رأسه حتى في بيته، ملابسه مهندمة، مكتبه وبيته مُرتَّبان وطريقة عيشه هادئة بشكل لافت، في حين نلاحظ صخب وولف وشَعره غير المُمشَّط جيدًا، وفوضى الكتابة في بيته، وملابسه التي تظهر مكرمشة أغلب الوقت.

%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a9-2-%d9%81%d9%8a-%d8%a8%d9%8a%d8%aa%d9%87-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%a8%d8%b9%d8%a9

في أحد أفضل مشاهد الفيلم، يقول بيركنز لوولف بحدة وهو يلومه على طريقته القاسية في التعامل مع فيتزجيرالد، حين مرَّ الأخير بمحنته مع الكتابة: «ليكن الرب في عون كل من يحبك يا توم، لأنَّ أمام ملايين الكلمات الرائعة التي كتبتَها، فأنت لا تعرف كيف تنظر في عين مَن أمامك، وكيف تشعر بوجعه، وحين تفعل ذلك، ربما ستكون كل الكلمات التي كتبتَها بقيمة خمس كلمات مما كتب فيتزجيرالد». وهي إحدى المرات القليلة التي يظهر فيها انفعال غاضب صاخب من بيركنز، ما يجعلنا نفهم بصورة ما حجم مشاعر الأبوة التي حملها لوولف.

%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a93-%d9%85%d9%86-%d9%85%d8%b4%d9%87%d8%af%d9%87%d9%85%d8%a7-%d9%88%d9%87%d9%85%d8%a7-%d9%8a%d8%aa%d9%84%d8%a7%d9%88%d9%85%d8%a7%d9%86

وفي المشهد الأخير، يصل خطاب لبيركنز يظهر أثره عليه بوضوح، وهو المشهد الوحيد الذي نرى فيه هذه الشخصية الصارمة تُظهِر انفعالاتها حدّ البكاء، بل ويخلع قبعته للمرة الأولى طوال أحداث الفيلم.

%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a94-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b4%d9%87%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d9%8a%d8%b1-%d8%ad%d9%8a%d9%86-%d9%8a%d8%ae%d9%84%d8%b9-%d9%82%d8%a8%d8%b9%d8%aa%d9%87-%d9%84

مساحات الواقع والمتخيل في الفيلم والسيرة

ثمة تفاصيل ملفتة لم يذكرها الفيلم، ولكنها وردت في سيرة بيركنز التي كتبها سكوت بيرج، فقد كان بيركنز على وشك رفض العمل الأول لوولف، لولا أن صديقه والاس مير طلب منه قراءته من جديد لربما يغير رأيه، وهو ما حدث فعلًا.

بالإضافة لذلك، فالمسودة الأولى لـ «المفقودة» تجاوزت الـ1100 صفحة، وحذف بيركنز منها ما يزيد عن 6600 ألف كلمة، حتى تظهر في الشكل الذي ظهرت عليه.

كما أن الفيلم يُظهر أن وولف هو من غيَّر اسم كتابه من «المفقودة» لـ «انظر تجاه البيت أيها الملاك». لكن السيرة تخبرنا أن وولف أعطى قائمةً بعناوين مقترحة للعمل، وأن ماكسويل بيركنز هو من اختار الاسم النهائي من هذه القائمة.

***

ثمة إحالة لا مفر منها إلى المشهد الحالي لسوق النشر والكتب لدينا، حيث يظهر الفيلم على نحو لافت أحد أسباب ما نعاني منه حول الجودة الأدبية، من قلة عدد المحررين الأدبيين الذين يمكنهم الحكم على جودة العمل، وتحمُّل العمل على كتابٍ ما لسنتين (كما حدث في عمل بيركنز مع وولف على روايته الثانية «عن الوقت والنهر») حتى يخرج في أفضل شكل ممكن. ويبدو الأمر أقرب لثقافة تحتاج لأن تكون أكثر رسوخًا لدى دور النشر والكُتَّاب. فبدلًا من إصدار عشرات العناوين كل موسم نشر، ثُم الشكوى من ضعف الإيرادات، يمكن العمل بإيقاع أبطأ بعض الشيء، ما سيظهر أثره بشكلٍ واضحٍ، في التنافس مع الرداءة التي تبدو سمة غالبة في كل وقت.

قد نكون في حاجة لهذا، لأن القارئ يثبت في الكثير من الأحيان، وبصور مختلفة، أنه أكثر حذقًا مما يظن المشتغلون في سوق النشر.

اعلان
 
 
محمود حسني