Define your generation here. Generation What

عن الكلمة المسموحة والكلمة الممنوعة لا في إيدي سيف، ولا تحت مني فرس

صوت القرآن هو الكلمة

صوت الشعراء هو الكلمة

صوت الكتاب هو الكلمة

صوت الحكام هو الكلمة

ليس الدستور سوى كلمة

فلماذا نغتال الكلمة؟

الكلمة يا سادة هي كل الأشياء، هي المعنى الحقيقي لوجودك ووجودي، هي الإدراك الممكن للذات وللأفعال، وهي التعبير الحق عن شخص المتحدث، وعن قيمته، وهي في المجمل فن الإمساك اللحظي بالأحداث.

ولكن التعامل مع الكلمة غير متساو، فهناك الكلمة التي لا تنطق إلا بكلمات التأييد المطلق فتدعمها السلطات وتتيحها، وهناك غيرها الذي تكيل له الاتهامات وتقنن له ما يمنعه من التواصل مع الآخرين، رغم كون القوانين هي الأخرى استخدامًا للكلمات، ولكن ليس أي استخدام، فبكلمات القانون تتاح الحرية في التعبير عن الرأي، وبذات الكلمات تُصادر كل الحريات.

دافعت بنفسي عن متهمين لم توجه لهم اتهامات سوى الكلمة، مثل التظاهر والعمل على قلب نظام الحكم والسعي لتغيير أحكام الدستور، أو استخدام منابر إعلامية أو إلكترونية في التعبير، أو الانتماء لجماعات محظورة مع اختلاف المحظورات من عصر لآخر، ولم تكن لأي من هذه الاتهامات وغيرها مضبوطات سوى الكلمة، مثل حالة إسماعيل الاسكندراني الذي قُبض عليه في مطار الغردقة يوم 29 نوفمبر 2015 أثناء عودته من الخارج، في نفس اليوم الذي أعلن فيه الرئيس السيسي أن عام 2016 سيكون عام الشباب. ومنذ أيام انطلقت فعاليات مؤتمر الشباب الذي يختتم هذا العام، الذي قضى إسماعيل معظمه في السجن، بعد أن وُجّهت له تهم الانضمام لجماعة «إرهابية» أُسست على خلاف القانون، والترويج لأفكار هذه الجماعة، وإذاعة ونشر أخبار كاذبة.

وهذا مثال ضمن آلاف الأمثلة لشباب يقضي زهرة حياته خلف قضبان السجون تحت مظلة اتهامات مجملها هو الكلمة.

فلماذا تخشى السلطة من الكلمة، ولا تريد سوى كلمات التمجيد والتحميد بما هو غير حقيقي، إلا أنه يوافق رغبتها؟

ولو حاولنا وضع تعريف لـ«حرية التعبير» ، فلن يكون سوى أنها القدرة على التعبير عن الآراء الخاصة بكل فرد باستخدام أي وسيلةٍ من الوسائل المتاحة لذلك، سواءً عن طريق الكتابة، أو الكلام، أو أي طريقة مناسبة أخرى، دون أيّة قيود أو حدود تمنع الإنسان من التعبير طالما أنّه لا يتجاوز أي نصوص قانونية، ولا يؤدّي إلى التسبّب بضرر لأي شخص، أو جهة مهما كان نوع هذا الضرر. حريّة التعبير حقٌ من حقوق الإنسان، يكفله له القانون والمبادئ الحقوقية، ولا يجوز أن يُحرم الإنسان من حريته في التعبير إلّا إذا تسبب بإساءة واضحة لشخص أو مجموعة أشخاص في الإشارة إليهم، سواءً بشكل مباشر أو غير مباشر باستخدام إحدى وسائل التعبير. وترتبط حرية التعبير بالحريات السياسية التي تُعدّ جزءًا من حقوق الإنسان.
ويدخل ضمن إطار هذا التعريف الحقُ في مخاطبة السلطات، ونقد تصرفات الحكام والمسؤولين، فمن لا يَمتلك حق التعبير عن رأيه هو إنسان أبكم لا يستطيع الكلام، يرى الفساد ولا يَستطيع ردعه، ويرى الانتهاكات اليوميَّة لحقوقه ولا يَستطيع إيقافها، ويرى نفسَه محكومًا بقواعد وقوانين جائرة لا يَستطيع الإفلات منها. وهذا كله بدوره يجعل الإنسان كالآلةِ بلا روح، يَعمل بمللٍ خائفًا من المُستقبل، ولا يركضُ إلا ليؤمّن قوت يومهِ، ويجعل هذا الدولة مكانًا مظلمًا لا حياة فيه ولا تقدّم ولا إصلاح ولا تنمية. ومن لا يمتلك حق التنقّل وحرية الحركة هو بالضبط كمن وُضع في قفصٍ مُظلم فيه نافذة صغيرة تجعله لا يرى إلا مقدارًا ضئيلًا من النورِ والضوء ومساحةً مَحدودةً من سماءٍ حُرمَ من التحليق فيها، فتخلق منه كائنًا محبطًا مقتول النفس عالقًا ما بين أرض مُنع من وطئها وسماء لن يلمسها.

أكدت المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) على الحق في حرية التعبير الذي يشمل البحث عن معلومات وأفكار عبر أي وسيط، واستقبالها وإرسالها بغض النظر عن الحدود. وأكدت ذات المعنى المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وتواتر النص على تأكيد حرية التعبير عن الآراء في معظم الاتفاقيات الدولية والإقليمية. أما على المستوى الداخلي فقد أكد الدستور المصري الأخير على أهمية هذه الحرية وحمايتها وصونها في العديد من المواد الواردة في الباب الثالث تحت عنوان «الحقوق والحريات والواجبات العامة»، ونكتفي بوضع نص المادة 65 من الدستور التي تقول: «حرية الفكر والرأي مكفولة . ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول أو بالكتابة، أو بالتصوير، أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر». كما أكدت ذلك المحكمة الدستورية العليا، ومن أبلغ وأعظم ما قالته في ذلك المعنى، هو ما جاء في القضية رقم 6 لسنة 15 قضائية بقولها: «وحيث إن حرية التعبير التي تؤمنها المادة 47 من الدستور ، أبلغ ما تكون أثرًا في مجال اتصالها بالشئون العامة، وعرض أوضاعها تبيانًا لنواحي التقصير فيها ، وتقويما لاعوجاجها، وكان حق الفرد في التعبير عن الآراء التي يريد إعلانها، ليس معلقًا عليه صحتها، ولا مرتبطًا بتماشيها مع الاتجاه العام في بيئة بذاتها، ولا بالفائدة العملية التي يمكن أن تنتجها، وإنما أراد الدستور بضمان حرية التعبير أن تهيمن مفاهيمها عليه مظاهر الحياة في أعماق منابتها، بما يحول بين السلطة العامة وفرض وصايتها علي العقل العام، فلا تكون معاييرها مرجعًا لتقييم الآراء التي تتصل بتكوينه، ولا عائقًا دون تدفقها».

أما عن القيود المقبولة على هذه الحرية، فقد عبر عنها قضاء المحكمة الدستورية العليا تعبيرًا فاصلًا في الدعوى رقم 153 لسنه 21ق بقول المحكمة: «ومن حيث أن قضاء المحكمة الدستورية العليا قد جرى على أنه حرية التعبير وتفاعل الآراء التي تتولد عنهما، لا يجوز تقييدها بأغلال تعوق ممارستها، سواء من ناحية فرض قيود مسبقة على نشرها أو من ناحية العقوبة اللاحقة التي توخى قمعها، إذ يتعين أن ينقل المواطنون من خلالها – وعلانية – تلك الأفكار التي تجول في عقولهم ويطرحونها عزمًا – ولو عارضتها السلطة العامة – إحداثًا من جانبهم – وبالوسائل السلمية – لتغيير قد يكون مطلوبًا، ومن ثم وجب القول بأن حرية التعبير التي كفلها الدستور هي القاعدة في كل تنظيم ديمقراطي فلا يقوم إلا بها ولا ينهض مستويًا إلا عليها».

وقد اتفق القضاء على التزام الدولة في مجال حقوق المواطن وحرياته الأساسية بالحد الأدنى المقبول في الدول الديمقراطية، ما يعني ألا يقل مستوى الحماية لحرية الرأي والتعبير عما هو وارد ومتفق عليه في بلدان العالم، ولا يتجاوز نطاق البعد القانوني تقييد الحق أو مصادرة الحرية أو النيل منها، بما يقلل من قيمتها.

ولكنني لو رجعت إلى حالتنا الواقعية، وحياتنا اليومية فلا أجد ما يمثل إلا تطبيقًا لنقيض تلك المبادئ، وتضييقًا لممارسة الحق في التعبير، وللأسف لم يحدث ذلك إلا باستخدامات أدوات قانونية، بشكل لا يتفق مع القيمة المجتمعية والتفاعل المجتمعي للقانون ذاته، والذي لا يجب إلا أن يكون تعبيرًا عن حاجة وتنظيمًا لحق، ويجب ألا يكون سنُّه مجرد أداة في يد الحكام الذين يفصّلونه كيفما يروق لهم، أو كيفما يدعم بقائهم.

لا يخلق استخدام القوانين بهذه الطريقة سوى فجوة مجتمعية لا تُسد، وانفصال وعزلة بين الحكام والمحكومين، أو كما قال الخال الشاعر عبد الرحمن الأبنودي في قصيدة «المتهم»: «بين الإمام والمصلين، فيه اتصال مفصول، أو انفصال موصول».

ولو عدنا لمثالنا عن شخص إسماعيل الإسكندراني، الذي رُشّح مؤخرًا لنيل جائزة «مراسلون بلا حدود» لحرية الصحافة، فلن نجده إلا باحثًا مميزًا في شؤون القطاع السيناوي، وصحفيًا نابغًا في هذا الشأن وله العديد من المقالات والتحقيقات الصحفية التي ترصد أبعادًا مجتمعية رشحته لنيل الجائزة السابق الإشارة إليها، وأرى أنها تغيب عن الدولة. وكان أولى من القبض عليه على خلفية اتهامات هو في حقيقة الأمر بعيد عنها، أن تستفيد الدولة بمؤسساتها بخبراته في هذا المجال، فربما تكون نافذة تقود لحل تعقيدات المجتمع السيناوي.

فهل تستمر السلطة في مجابهة حرية القول والتعبير بفزّاعات قانونية وترسانة من النصوص التي من الأوجب أن يُعاد النظر فيها، لمتابعة التحديثات الدولية أو على أقل تقدير مسايرة ما جرى الانضمام إليه من اتفاقيات دولية حقوقية في هذا الشأن، أم ستستمر السلطة في مواجهة كافة معارضيها وناقديها بهذه الترسانة، رغم تيقنها من أن هؤلاء المعارضين لا يبتغون إلا الصالح العام للشعب والحكومة؟ وهل ستنجح حتى هذه السياسة الحكومية في وقف مسيرة الكلمة والحرية، ومنع تداولها، أو وقفها عند حدود التماهي معها فقط، والبعد عن قيمة النقد وقيمة الكلمة، وهي تعلم أن الحقيقة في هذا الأمر يلخصها قول صلاح جاهين: «دا إللي ما يتكلمش يا كتر همه»؟

اعلان
 
 
طارق عبد العال