Define your generation here. Generation What
«هذا هو المستقبل»: تعليم التصميم في مصر
 
 

على مدى عقود عديدة، ظلت كل من كلية الفنون التطبيقية وكلية الفنون الجميلة بجامعة حلوان الحكومية المورد الرئيسي لتخريج المصممين في مصر. لكن إنشاء برامج مختصة بالتصميم في كل من الجامعة الألمانية بالقاهرة عام 2006 والجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 2011 أحدث تغيرًا جذريًا في هذا المجال، نجم عنه ترجيح كفة الميزان لصالح القطاع الخاص وتمهيد الطريق أمام تطور ثقافة التصميم في مصر.

ويبدو أن هناك وجهة نظر مشتركة مفادها أن حركة التصميم المفعمة بالحيوية والنشاط تزداد وتزدهر في القاهرة كجزء من حركة أوسع تجتاح المنطقة، رغم التحديات التي يفرضها المناخ السياسي الحالي في مصر ونظام التعليم بها.

يؤكد د.هيثم نوار، مدير برنامج الجامعة الأمريكية بالقاهرة أن «المستقبل هنا، ببساطة»، موضحًا: «تخرج أعمال رائعة من القاهرة وبيروت ومراكش ودبي وأبوظبي والدوحة، وتحدث عملية الانتقال بسرعة هائلة». تتزايد بشكل سريع في المنطقة.

وأضاف نوار: «شهدت المنطقة حدوث شيءٍ هام ذي مغزى خلال السنوات القليلة الماضية، لا يمكن إنكاره، والعالم يدرك ذلك ويراقب ما يحدث باستمرار، وهو أن مستقبل التصميم في العالم العربي».

ويعتقد هيثم نوار أن الظروف الشاقة التي مرت بها الدول العربية جعلت منها أرضًا أكثر خصوبة بالنسبة للمصممين مقارنة بالمجتمعات الأغنى. ويطلق على قسم تصميم الجرافيك في الجامعة الأمريكية بالقاهرة اسم «الاتصال البصري».

ويوضح نوار أن مهمة المصممين في الأساس هي حل المشاكل، وبحكم خبرتهم كقائمين بالاتصال، فعليهم الاضطلاع بدور في تشكيل الثقافة البصرية للمجتمع. يضيف: «يوجد قصور في معظم الدول العربية في مجال التعليم البصري وهذه هي النقطة التي يمكن للمصممين التدخل من خلالها».

ويعتقد نوار أيضًا أنه أخيرًا بدأ المعلمون والمصممون في الدول العربية يستمدون الإلهام من تراثهم بدلًا من محاكاة الاتجاهات الغربية، كما كان شائعًا قبل عقد من الزمان. وينتج عن ذلك، مع التعرض إلى التطورات العالمية في مجال التصميم والفرص المتاحة أمام البعض للدراسة في الخارج، منتج أصلي عالى الجودة يزداد عليه الطلب فيما بعد.

ويؤكد نوار قائلًا «لقد اعتدنا على المنافسة في ساحة معركة لم تكن لنا، ولم نكن مسلحين فيها بشيء من ذواتنا، ولكننا الآن استعدنا تاريخنا وهذا يمنحنا ورقة رابحة، فمفتاح النجاح يكمن في التنقيب في الماضي والتصميم من أجل المستقبل».

وأضاف نوار: «أشجع الطلاب على استكشاف ثرواتهم من المواد الأولية التي ورثناها من الحضارات القديمة في المنطقة. وعلى سبيل المثال، تتمتع التصميمات والرسوم التوضيحية في المخطوطات القبطية القديمة بكثير من الأسرار التي في حاجة للتنقيب عنها».

قام د. أحمد سقف الحيط، بالتدريس في الجامعة الألمانية بالقاهرة على مدى الخمس سنوات الماضية، وترأس قسم التصميم الجرافيكي لسنتين قبل انتقاله إلى الجامعة الأمريكية بالقاهرة كعضو مساعد في هيئة التدريس الشهر الماضي. وحصل على درجة الماجستير في التصميم الجرافيكي من جامعة «تاما» اليابانية للفنون قبل انتقاله إلى مصر بشكل كامل بعد ثورة 2011.

ويقول سقف الحيط: «دائمًا ما أعجبت بقدرة المصممين اليابانيين على استعارة عناصر من ثقافات أخرى ومزجها بتناغم مع عناصر ثقافتهم، مانحين إياها حياة جديدة بضخ الروح اليابانية في ثناياها ولكن بطريقة ما تحتفظ، في ذات الوقت، بجوهرها الأصلي».

ويضيف: «كان هذا هو الهدف من مشروعي الذي حاولت تنفيذه مع طلابي بالجامعة الألمانية بالقاهرة عندما جئت لأول مرة إلى القاهرة. أردت أن ننقّح ثقافتنا من التأثيرات الأخرى لخلق لغة بصرية عربية جديدة تتجاوز التراث الغني للفن الإسلامي والجماليات التقليدية لفن الخط العربي».

يؤمن سقف الحيط أيضًا أن المصمم يجب أن يلعب دورًا بنّاء في المجتمع، وأن أفضل طريقة لضمان ذلك هو التعامل مع التصميم من منظور التنمية الاجتماعية.

ويمضى في القول: «كانت مصر في ذلك الوقت مكانًا مثاليًا للتجريب، وللعثور على هذا الاتجاه الجديد في التصميم العربي الذي سعيت وراءه، حيث أنه من الناحية الجغرافية، كانت مصر هي المنصة الأفضل التي يمكن الانطلاق منها إلى دول أخرى في المنطقة، ومن الناحية الديموغرافية، فإن التوقيت كان مناسبًا جدًا بسبب ما شهده جيل الشباب خلال الانتفاضة، كان هناك الكثير للعمل عليه معهم».

وعكس عمل سقف الحيط مع طلابه في الجامعة الألمانية هذا الوعي، وغالبًا ما حدث ذلك من خلال اتباع منهج بيني متعدد التخصصات، ومثال على ذلك، مشروع بحثي تحت عنوان «العالم المسطح» The Flat World قدمته الطالبة يسرا جمال- والتي اختيرت للمشاركة به في معرض مشاريع التخرج العالمية ضمن فاعليات أسبوع دبي للتصميم- والذي يبحث في مصداقية الخرائط كمصدر للمعلومات، عبر ستة رسوم بيانية متكاملة، ويطرح علامات استفهام عمن توكل له مهمة تصميم الخرائط، ومن ثم يفكَّك مفهوم الحدود.

The Flat World by GUC student Yosra Gamal

The Flat World by GUC student Yosra Gamal

وابتكرت طالبة أخرى وهي مريم رمضان لعبة بطاقات للآباء والأطفال لتعزيز التواصل والتفاهم بينهم، بينما صنعت أيضًا الطالبة صباح خالد «آلة الزمن»، والتي تعرض من خلالها كيف تطورت مساقط الخريطة وتسلط الضوء على العلاقة بين قياس الزمن وقياس المكان.

ويقوم هيثم نوّار بتدريس أحد المناهج المستوحاة من المخطوطات القديمة ذات اللغات المتعددة وهو منهج «تصميم المخطوط المتعدد»، حيث يكون لزامًا على الطلاب تصميم منشور بثلاث لغات. ومنهج آخر يدرّسه هو «تصميم الحرف العربي» ويعني عملية ابتكار فونتات عربية Arabic fonts. ويؤكد نوار أن أماكن قليلة جدًا في العالم تقدم هذه المناهج، موضحًا إنها خاصة جدًا بالمنطقة وستصبح اتجاهًا عالميًا في مقررات التصميم وتكتسب شعبية كبيرة.

ويضيف نوار: «يعد المنهج أيضًا واحدًا من المقررات القليلة التي تُدرّس باللغة العربية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة»، موضحًا: «إن كل مصطلحات الطباعة باللغة اللاتينية، ولكن المخطوط العربي لديه خصائصه المميزة وجمالياته الخاصة به، ولذلك ينبغي أن تكون له مصطلحاته الخاصة»، ومع ذلك فإنه شيء في منتهى الصعوبة ويمثل تحديًا، لأنك في الأساس تبتكر كلما خطوت خطوة في التصميم. وبالطبع يعتبر الخط العربي مرجعًا رئيسيًا، ولكن تصميم أنواع الخطوط يعد مختلفًا في نواح عديدة، لذلك فأنت من تكتب منهجك، وأنت من تقوم بالتجربة».

ويوضح نوار بحماس: «النتائج مرضية للغاية، فطلابي ينتشرون في السوق حاليًا، ودائما ما يكونون مصدر فخر لي، أن تقع عيناي على أحد الخطوط من تصميمهم على لوحة إعلانية في الشارع».

ودشّن الطلاب أيضًا مشاريعهم الخاصة، مثل هانية قويدر، التي تمتلك الآن خطًا لإنتاج الأثاث الخاص بها. ولكونها مفتونة بفن الخط وأسلوب الطباعة العربية، اشتغلت قويدر على الخط الكوفي المربع لتصميم نماذج ثنائية الأبعاد، تلتها أشكال ثلاثية الأبعاد والتي على أساسها استوحت قطع أثاثها.

وأضاف نوار: «العملية نفسها حدثت من قبل، ولكن تصاميم هانية مميزة جدًا».

ومن المشاريع العملية الآخرى المستوحاة من دراسة تصميم الحرف العربي، مشروع «خطوط وسط البلد»Downtown Fonts، حيث عمل نوار مع زميلته غالية السركبي وخمسة من طلاب الجامعة الألمانية بالقاهرة بعد تعليمهم تصميم الخط العربي لمدة فصل دراسي بالجامعة.

ويوضح نوار: «أجرينا مقابلات مع العديد من الخطاطين، لنؤرخ كيف تحول فن الخط من كونه فنًا مقدسًا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بكتابة النص الديني لفن عام موجود على أفيشات أفلام السينما أو واجهة المتاجر».

وهناك مشروع خرج من عباءة الجامعة الألمانية بالقاهرة ليطير بعمل الطلاب خارج حدود قاعات الدرس، وهو مسابقة أفضل 100 ملصق عربي100 Best Arabic Posters، والتي أصبحت الآن غير هادفة للربح وتُعرف باسم 100/100.

وهي في الأصل مسابقة تدعو لتصميم ملصقات من جميع أنحاء العالم العربي، وبدأت كمشروع دراسي متقدم في التصميم قدمه 14 طالبًا في الجامعة الألمانية تخرجوا مؤخرًا، وعُرضت الملصقات المختارة في معرض بعمّان بالأردن، ومن المقرر أن تعرض في جولة في أبوظبي والقاهرة، ومدن أوروبية أخرى.

ويعتقد أحمد سقف الحيط أن البعد الإقليمي للمسابقة أكسبها قوة. وأضاف: «أوجدت المسابقة منصة هامة للمصممين العرب للعمل معًا والتنافس في إطار صحي، وكانت ملهمة لمبادرات مشابهة في دول أخرى مثل مبادرة «وجهة» Wajha في الأردن، على سبيل المثال».

Processed with VSCO with b5 preset

وأوضح سقف الحيط: «أعتقد أنه، بشكل عام، من المهم جدًا غرس هذه الثقافة التنافسية بين المصممين العرب بغض النظر عن مفهوم الفوز أو الخسارة، فهناك الكثير من المكاسب من خلال عملية المنافسة».

وبالانتقال إلى كلية الفنون التطبيقية بجامعة حلوان، على سبيل المثال، يقول د. محمد أردش أستاذ التصميم إن ظاهرة أعداد الطلاب الكبيرة تعكس الآية. ويوضح قائلًا: « تُترجم الأعداد الكبيرة إلى التنافس الشديد، وهو ما يدفع الطلاب إلى العمل باجتهاد ومثابرة. وهذا هو الشيء الوحيد الذي دائمًا ما تفتقر إليه الجامعات الخاصة، ومع ذلك تمثل الأعداد الكبيرة تحديًا، خاصة فيما يتعلق بالمكان والموارد والمعدات المتاحة».

وفي الواقع، ورغم التركيز في التخصص والوفرة في الخبرات والتنوع لدى أعضاء هيئة التدريس بالكلية، إلا أن بعض المشاكل تعرقل تأثيرها في السوق وتطوير التصميم في مصر.

وعلاوة على مشكلة الأعداد الكبيرة، هناك مشكلة رئيسية يشير إليها محمد أردش ألا وهي «التنسيق»، العملية التي يوزّع من خلالها مكتب التنسيق التابع لوزارة التعليم العالي خريجي المدارس الثانوية في برامج محددة في الجامعات الحكومية استنادًا إلى درجاتهم، وهو ما يعني أن طلابًا كثيرين ينضمون لقسم التصميم فقط لأن نتائجهم تسمح بذلك، وليس بسبب شغفهم بمجال التصميم.

إعادة كتابة التاريخ: الرقابة والتوثيق

ويرى نوار أن عدم وجود المراجع وكتب الفن يعد مشكلة أخرى كبيرة تواجه معلمي الفن والطلاب حاليًا. ويقول: «لم يوثق أحد تاريخ التصميم المصري كتابة. ونحن نحاول باستمرار سد الثغرات»، وأضاف أنه لا أحد يقوم بذلك الآن أيضًا: «لدينا المصممون والممارسون، لكن نفتقد وجود أصحاب النظريات والنقاد».

ويقول أحمد سقف الحيط إن من الجوانب المفيدة لمشاريع مثل مشروع «أفضل مائة ملصق عربي» أنها تخلق فرصًا للأرشفة والتوثيق. على سبيل المثال، سيُطبع كتالوج يحتوي على جميع تصاميم الملصقات لتصاحب معرض 100/100. ويردد ما ذكره نوار بقوله: «ممارسة التوثيق شبه منعدمة في الدول العربية. ويأتي أكاديميون من الغرب ليقوموا بتلك المهمة من أجلنا».

يضيف نوار إن التاريخ المسجل للفن الحديث أوروبي النزعة، متحدثًا عن مؤتمر أقيم في سويسرا قارن فيه بين أعمال الفنان والمصمم المصري منير كنعان وأعمال الفنان السويسري لارس مولر. وتساءل: «لماذا نجد مولر دائمًا في كتب تاريخ الفن، بينما لا نجد كنعان؟ رغم أن كليهما استخدما تقنية «الكولاج» في أعمالهما واتبعا تقنيات فنية متشابهة».

لكن رغم الاعتراف بالمساهمات المصرية كجزء من الحركات الفنية العالمية، كما كان الحال مع الفنان السوريالي المصري جورج حنين وجماعته الفنية «الفن والحرية»، إلا أنه غالبًا ما يجري تجاهلها في المناهج المصرية، وخاصة في الجامعات الحكومية.

يؤكد نوار، الذي درس في كلية الفنون الجميلة في جامعة حلوان في مرحلة البكالوريوس، أنهم لم يدرسوا حنين أبدًا في مادة تاريخ الفن.

يذكر أن أعمال الجماعة وُثقت ووُضعت في إطار نظري بطريقة جيدة عبر مؤلفات أعضائها، لكنّ طبعات كتبهم نفدت جميعها من السوق، ولم يأبه أحد بدرجة كافية لإعادة إصدارها.

يرى نوار أن الرقابة تمثل مشكلة أخرى تجابه عملية الحصول على الكتب، فيقول: «غالبَا ما نعتمد على مصادر من الإنترنت، والتي لحسن الحظ لا تخضع للرقابة، مع أنها ليست كافية دائمًا»، ورغم أن الجامعة الأمريكية بالقاهرة لديها مكتب في نيويورك لتسهيل عملية وصول الكتب من الولايات المتحدة إلى مصر، إلا أنها غالبًا ما تستغرق زمنًا أطول للوصول وتخضع للفحص الأمني.

ويروي نوار متذكرًا: «ذات مرة طلبت شراء كتاب عن تصميم المعلومات، ضمن عدة مجلدات أخرى، ولكنه كان مفقودًا عندما وصلت الشحنة. ولم ندرِ عنه شيئًا طوال ثلاثة أشهر، إلى أن استلمناه في عبوة مختلفة عليها طابع وتوقيعان في الصفحة الأمامية، مع إعلان أن الأمن الوطني فحصه ووافق عليه. ولم أستطع تصديق ذلك».

ويضيف سقف الحيط: «القيود ليست فقط التي تفرضها الدولة»، موضحًا أن البحث الميداني أصبح صعبًا في الواقع. فغالبًا ما يكون الناس عدائيين تجاه الطلاب عندما يحاولون التقاط الصور الفوتوغرافية في الشارع، وتوجه إليهم أعداد كبيرة من الأسئلة، وأحيانًا يجد الطلاب أنفسهم في خضم مواقف صعبة. يقول: «بالطبع، تسهِّل كاميرات الهواتف الأمر، مع أن هذه النقطة واحدة من المعوقات التي تواجه جهود التوثيق في القاهرة».

التصميم والتنمية الاجتماعية و«السوق»

البحوث الميدانية هي أحد الطرق التي يعتمد عليها معلمون مثل نوار وسقف الحيط للتيقن من تفاعل طلابهم الكامل مع المجتمع المصري، ما يؤهلهم لحياتهم العملية بعد التخرج.

ويقول سقف الحيط :«يتمتع الكيان الطلابي في الجامعة الألمانية بالقاهرة بتنوع ديموجرافي أكبر نسبيًا، لكن لا يزال لزامًا علينا التأكيد على أهمية التفاعل مع المجتمعات المحلية». ويسترسل قائلًا: «إذا رغب الطلاب أن يكونوا مصممين ناجحين يجب ألا يمضوا حياتهم بين جامعاتهم الخاصة والمراكز التجارية وخلف جدران التجمعات السكنية ذات البوابات حيث يعيشون. لن تمكنهم الحياة داخل فقاعة».

الهدف النهائي لسقف الحيط هو إحداث تحول في ثقافة التصميم؛ في وظيفتها ومفهومها. ويوضح قائلًا: «أريد تغيير إدراك مفهوم التصميم، من شيء يخدم الرأسمالية إلى آخر يدعم الشركات المحلية، وكذلك يدعم التنمية الاجتماعية والثقافية. فما يجب أن يقوم به التصميم هو طرح تساؤلات ذات مغزى، وربما أيضًا محاولة العثور على إجابات لها من حين لآخر».

ويضم برنامج التصميم في الجامعة الألمانية، بطبيعة الحال، مناهج دراسية عن وضع العلامات التجارية، والاتصال العالمي وتصميم الشركات، لكن سقف الحيط حاول وهو يتولى رئاسة القسم، تناول كل موضوع منها من زوايا اجتماعية وثقافية، وفرض على كل الطلاب التفكير والتصميم أباللغة العربية.

ويقول سقف الحيط: «أنا، وكذلك الغالبية العظمى من أعضاء هيئة التدريس في القسم، لسنا في الواقع مولعين بالإعلانات، لذا فما قمنا به هو أننا غيرنا اسم المقرر إلى «استراتيجية الاتصال» واستكشاف كيف يمكن استخدام أساسيات الإعلان لنقل بعض الأفكار، ومعالجة المشاكل الاجتماعية المختلفة في جميع أنحاء المنطقة». وطرح أيضًا تصميم عبوة في إطار موضوع «الضيافة في العالم العربي»، ما دفع الطلاب إلى التعرف على الـ22 دولة عربية من منظور ثقافي.

قد يكون من الصعب تحقيق مكانة في سوق التصميم بهذه النظرة المختلفة للتصميم، ولكن في السنة النهائية، يطلب من طلاب الجامعة الألمانية بالقاهرة التدرب لثلاثة أشهر في شركة أو وكالة كاختبار عملي. ويوضح سقف الحيط أن الطريقة التي يتعلم بها طلاب الجامعة الألمانية تجعل من الصعب التكيف مع الكيفية التي تجري بها الأمور في السوق. حيث يتعلم الطلاب أثناء الدراسة البحث والابتكار، لكن لا يُتوقع من المصمم منذ لحظة دخوله في السوق إلا أن ينفذ بكل بساطة.

وفي جامعة حلوان، لا نلمس فقط التنوع الديموغرافي الأوسع، إنما هناك قسم خاص بمقرر الإعلان ويعد التصميم للعملاء مكونًا رئيسيًا في العملية التعليمية به.

ويقول د. محمد أردش إنه في بعض الأحيان يقوم الأساتذة بدور العملاء، طالبين من الطلاب أكثر من تصميم للمهمة ذاتها. ويضيف أردش: «ومن الطرق الإضافية التي نحاول دمج طلابنا بها في السوق أننا نستضيف ممثلي شركات حقيقية في الجامعة، ونعقد مسابقات بين الطلاب لتصميم ما يحتاجون له، سواء كان شعارًا على سبيل المثال أو على مستوى أوسع صورة ذهنية للشركة».

من جانبه، لم يكن من أهداف د. سقف الحيط أبدًا مساعدة الطلاب على أن يصبحوا أكثر توافقًا مع السوق، بل حاول تسليحهم بالأدوات التي تساعدهم على إيجاد سبل تمكنهم من الالتفاف حول قواعد السوق، بدلًا من الخضوع لها. ويروي سقف الحيط قائلًا: «عمل بعض من أفضل خريجينا في وكالات الإعلان، لكنهم لم يكونوا سعداء، فهذا النوع من بيئة العمل تقريبًا يقتل كل شيء نحاول أن نعلمهم إياه».

وأعرب عن أمله في أن يتمكن طلابه في نهاية المطاف من ابتكار المحتوى الأصلي الخاص بهم والعمل على نشره، عوضًا عن بناء مسيرتهم المهنية في أداء أعمال تم تكليفهم بها مقابل المال. وأكد بقوله: «وأعتقد جازمًا أن هذا الجيل سيغير الكثير من المفاهيم بشأن التصميم ودوره في المجتمع» وأضاف: «لن يكون الأمر سهلًا، حيث سيكون لزامًا عليهم تمهيد الطريق، أي سيكون عليهم تأسيس المشاريع والاستوديوهات الخاصة بهم وكذلك شركات التصميم الجماعية، وإيجاد مكان لأعمالهم على خريطة العالم الخارجي.»

ويعتقد سقف الحيط أنه يمكن إنجاز الكثير اعتمادًا على الميزانيات القليلة، كما أن الحشد الجماعي في الأفكار والموارد قد يساعد أيضًا، إلا أنه يعترف أن تحقيق التوازن بين الحاجة لدخل مادي مناسب وبين الإنجاز الإبداعي، من أكبر الصعوبات التي يواجهها المصممون. ويؤكد أنه ليس ضد الخريجين الذين يقررون تجربة العمل في الإعلان أو العمل التجاري إذا اضطروا لذلك، طالما أنهم يقتربون منها بنفس العقلية التي طوروها خلال الدراسة، ومن ثم يستطيعون ضخ رؤية جديدة في السوق، بما يتضمنه ذلك من طرح أفكار جديدة وتطوير أساليب جمالية مختلفة. ويكمل سقف الحيط: «وفي وقت لاحق يستطيع الخريجون افتتاح مشاريعهم الصغيرة التي تجتذب العملاء وتحل محل الوكالات الإعلانية الضخمة الباهظة أسعارها، وهذا هو مستقبل السوق».

ويحث نوار طلابه على الذهاب إلى سوق الورق في منطقة العتبة من أجل شراء المواد اللازمة لمشاريعهم بأنفسهم، بهدف التعرف على السوق قبل التخرج من الجامعة. ويؤكد قائلًا: «أنت في العالم الأكاديمي مجرد نموذج أولي، ويجب عليك كمصمم أن تكون جزءًا من العالم الحقيقي، والسوق هو جزء كبير من هذا العالم».

ويضيف نوار: «إن الخط الفاصل بين الفن والتصميم يصير متطابقًا كل يوم، لكن رغم كل شيء فالتصميم يعد من الفنون التطبيقية؛ بمعنى أنه فن يؤدي وظيفة ما، بينما يمكن أن يظل الفن كما هو مجرد فن في حد ذاته». ويختتم بقوله: «لذا ليس من مهام المعلم بالضرورة تعليم المصممين فن البيع، لكن لابد من تعليمهم فن التواصل».

___________

هذا النص يُنشر بالتعاون مع موقع كايرو أوبزرفر بمناسبة معرض القاهرة الآن! مدينة غير مكتملة، والذي ينسقه محمد الشاهد من كايرو أوبزرفر في إطار فعالية أسبوع دبي للتصميم

اعلان
 
 
ياسمين زهدي