Define your generation here. Generation What

حديث المصلحة والحرب بالوكالة: مصر في اليمن مرة أخرى

لا يناضل اليمنيون «ضد ماضي الشعوب المتحضرة» بل يعيدون إنتاج ماضيهم المعتم، ويعيشون فيه. فلطالما ذرفوا دموعًا وسنوات كثيرة، حتى أُطلق على مضيق ساحل بلادهم الغربي اسم «بوابة الدموع» أو ما يُعرف الآن بـ«باب المندب». وتذكر إحدى الأساطير إن البحارة الناجين من ارتطام سفنهم بالنتوءات الصخرية الحادة أو الجزر المتخفية تحت مياه البحر، كانوا يلجؤون إلى جزيرة بريم «ميون» ليندبوا موتاهم، ويناظرون الشعاب المرجانية وقد استحال لونها إلى الأحمر.

عانت اليمن من أنظمة حكم متخلفة تتابعت عبر فترات تاريخية طويلة أدت دومًا إلى خروجها من التاريخ وبقائها في الماضي، غير أن جغرافيتها، لا سيما مدارها الساحلي، كانت جزءًا حاضرًا في صراع القوى السائدة في كل عصر، من حروب الفرس والرومان مرورًا بنهوض الدولة الإسلامية ودويلاتها حتى الحملات العثمانية وهجوم البرتغاليين، إلى حروب محمد علي باشا التوسعية واستعمار الإنجليز، وتناقضات الحرب الباردة وصراع حركات التحرر الوطني ودور مصر الناصرية، حتى زمن الحرب على «الإرهاب». ورغم أن الحرب الدائرة اليوم في اليمن تمتلك كافة أسبابها وسياقاتها الأهلية والمحلية، على عكس الرائج في تناولات وتحليلات الحالة اليمنية والمتسم بالاختزالية والتسطيح، مثل تلك التحليلات التي تقدم نفسها كحقيقة ثابتة وتختصر المشهد العام اليمني بتعقيداته وأبعاده الاجتماعية والتاريخية، في كونه مجرد حرب بالوكالة، غير أن موقع البلاد الجيوسياسي خطا بهذه الحرب خارج تخومها المحلية، لتأخذ شكل حرب إقليمية في صميم أعمال ومصالح القوى الدولية الكبرى، وأحد مظاهر أزمة النظام العالمي الراهن.

يمكِّننا استحضار التاريخ، بل والإيغال فيه، من فهم استراتيجيات الدول المحورية. فليست هذه المرة الأولى التي يستحيل الصراع في اليمن إلى حرب إقليمية، ولا المرة الأولى كذلك التي تكون مصر بجيشها طرفًا في تلك الحرب. يرى جمال حمدان في كتابه «استراتيجية الاستعمار والتحرير»، أن التاريخ إذا تكرر يكون التكرار هو الجغرافيا، فالتاريخ ليس جغرافيا متحركة، بل الجغرافيا تاريخ متوقف، ويفهم حمدان صراع القوى المحورية باعتباره صراعًا من أجل البقاء أو التضخم.

المشاركة المصرية في التحالف الذي تقوده السعودية ليست تبعية بالمطلق، بل لحضور مصر دلالة تتجاوز مسألة مساعدة السعودية ودول الخليج في الدفاع عن أمنها القومي إلى أبعد من ذلك، وهو صيانة أمن مصر القومي، باعتبارات الجغرافيا والاستراتيجية والذاكرة، حيث يمثل مضيق باب المندب مرتكزًا استراتيجيًا يقوم عليه أمن قناة السويس وفعاليتها، كما أن أغلب الساحل المصري يشرف على البحر الأحمر ويستدعي الحماية، وكذا تأمين عمق موانئها ومنابع البترول في خليج السويس والحركة إليه.

لم يقتصر انحسار حضور «مصر ما بعد كامب دايفيد» على مستوى حضورها الكثيف في المخيلة الجمعية للشعوب المستوطنة في فضائها الحيوي، بل شهد الحضور المصري انحسارًا جيوسياسيًا مؤثرًا وخطيرًا، لا سيما في البحر الأحمر. وإذا كانت كامب دافيد قد رسمت إسرائيل في مخيلة مصر الرسمية كدولة غير معادية، فإن الجغرافيا لم تُسقط، حتى من تلك المخيلة، عن إسرائيل، صفة «الدولة المنافسة» في أقل تقدير.

«موطئ قدم واحد في البحر الأحمر مسألة مصيرية لكسر عزلة إسرائيل»، هذه الكلمات الصادرة بتوتر عن آبا إبيان وزير خارجية إسرائيل (1966-1974)، بحسب حمد سعيد الموعد في دراسته « أمن الممرات المائية العربية»، تكرّس مركزية البحر الأحمر بالنسبة للوجود الإسرائيلي واستمراره. وكجزء من استراتيجية ملئ الفراغ، كما تذكر منى عبد الفتاح في دراستها «إسرائيل وإيران: صراع المياه في أفريقيا»، فقد كثفت إسرائيل من نفوذها العسكري ومن صلاتها السياسية بأنظمة الدول المطلة على البحر الأحمر، إلى الحد الذي مكنها من استئجار بعض جزر أرخبيل دهلك الإريتري بإطلالاتها على مسالك إبحار السفن إلى إيلات والسويس.

ويشهد البحر الأحمر في العشرية الأخيرة نشاطًا إيرانيًا لافتًا يأتي في سياق صعود إيران كقطب إقليمي واسع التطلعات، ولا يمكن لهذا الصعود أن يكتمل إلا ببناء حضور نافذ للجمهورية الإسلامية في البحر الأحمر وباب المندب، بقصد ضمان حركة الملاحة والتجارة التابعة لها من جهة، والتصدي لمواجهة التهديدات الغربية من خندق متقدم من جهة أخرى. ولذا عمّقت الجمهورية الإسلامية من صلاتها بالسودان وجيبوتي وإريتريا إلى درجة بناء قاعدة عسكرية في إحدى جزر أرخبيل دهلك، بحسب هذه الدراسة لأنشل بفيفر، والمنشورة في هاآرتس. فضلًا عن علاقتها العضوية بحركة الحوثيين التي كانت قبل التطورات الأخيرة، واستيلائها على العاصمة صنعاء مع حليفها الرئيس السابق صالح، تسيطر كليًا على «ميدي»، أخر موانئ اليمن في أقصى شمال ساحلها الغربي.

الواقع أن صدر البحر الأحمر لا يضيق، بل في مساماته ما يتسع لتطلعات فاعلين جدد، كما يبدو جليًا في الحضور المتزايد لدولة الإمارات العربية، بحسب الدراسة التي نشرها معهد واشنطن بعنوان «الإمارات العربية المتحدة تضع أنظارها على غرب السويس». ناهيك عن بارجات الدول الكبرى التي تمخر مياه البحر الأحمر على إيقاع منطق الاستقرار الذي لا يتحقق إلا بالهيمنة. وبالنظر لحالة الحرب الناشبة في المنطقة العربية، والمشابهة لصورة الحرب في حالة الطبيعة كما يفترضها الفيلسوف توماس هوبز ، فإن الحرب الحالية في اليمن وانضمام مصر للتحالف الذي تقوده السعودية يوفر لها، نظريًا على الأقل، أسبابًا كافية تقدر من خلالها استعادة دورها ونفوذها في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

تركزت جهود القوات المصرية المشاركة في عمليات التحالف السعودي على تأمين الحدود البحرية اليمنية الشاسعة (فامتداد الشريط الساحلي اليمني يبلغ حوالي ألفي كيلو مترًا) ،حيث ينصب الدور المصري على منع وصول إمدادات ولوجستية لقوات الحوثيين وصالح، وتأمين ومرافقة السفن التجارية القادمة عبر مضيق باب المندب وحتى قناة السويس. وفي منتصف يوليو2015 ساهمت القوات المصرية، بواسطة قطعها العسكرية البحرية، في تأمين وتغطية القوات الإماراتية والحكومية والمقاومة الجنوبية أثناء استيلائها على مرسى رأس عمران، الذي شكل منطلقًا حاسمًا في سيطرة قوات التحالف على بقية مدينة عدن الساحلية، ثاني كبرى المدن اليمنية.

بعد أشهر قليلة من استيلائها على عدن، أحرزت قوات التحالف السعودي تقدمًا نافذًا تجاه مضيق باب المندب، من خلال السيطرة على جزيرة ميون التي تجري على ضفتيها مياه مضيق باب المندب، شاهدةً على مرور 304 مليون برميل نفط يوميًا، والمئات من السفن التجارية العملاقة، كشريان دافق في جسد الاقتصاد العالمي. وفي منتصف أكتوبر اقتُحمت جزيرة ميون على وقع الضربات الجوية ونيران البحرية السعودية والمصرية، التي أمنت عمليات الإنزال الشاطئية، وتغطية حركة المروحيات وعمليات تمشيط جزر البحر الأحمر، كما تفيد المعلومات عن سيطرة قوات مصرية على بعض هذه الجزر. وبعد حوالي عشرين شهرًا من الحرب، يمكننا القول إن قوات التحالف تبسط سيطرتها، بفعالية مؤثرة، على المياه الإقليمية اليمنية بموانئها وأغلب منافذها المائية. إلا أن دورات متقطعة ومتصلة من الأخبار تظهر من وقت لأخر عن تسرب أسلحة ومساعدة لوجستية لجماعة الحوثي وقوات الرئيس السابق صالح.

حملت الأسابيع القليلة الفائتة توترًا في علاقة مصر بالمملكة السعودية، برزت ملامحه في حدة اللغة الديبلوماسية وتداعياتها الخبرية والتفاعلية في الإعلام والميديا الاجتماعية، التي أخذت طابعًا حادًا بل ومنفلتًا، ويظهر ذلك في بعض التحليلات التي وصفت العلاقة بين الدولتين بـ«المنهارة. غير أن واقع العلاقة لا يُفهم من خلال الخطاب الدبلوماسي وحسب، بل بالاقتراب من طبيعة المصالح والتهديدات الناظمة للعلاقة، في سياقها الحالي مع عوامل الجغرافيا والتاريخ والنظام الدولي المنشئة للعلاقة في شكلها وبنيتها الحالية. والواضح أن العلاقة بين الدولتين تشهد حالة من المد والانحسار الناجم عن إشكال مركزي، يتجلى في موقف الدولتين من الحالة السورية وتباين تصوراتهما حول الحل الملائم للأزمة. وقد يمتد هذا الخلاف إلى مساحات أخرى في جسد العلاقة بين الدولتين، ولعل أزمة واردات المشتقات النفطية لأرامكو، التي أشار لها موقع «مدى مصر»، هي أحد تداعيات الخلاف على الملف السوري.

رغم هشاشة سياسات الدول العربية المعاصرة، فلا معطيات كافية تدلنا على أن التوتر الناشب في العلاقات المصرية السعودية قد يؤثر عميقًا على أساس التنسيق السعودي المصري إزاء الحرب في اليمن، ويرجع ذلك إلى توافق المصالح وطبيعة التهديدات، وإن تفاوتت، خاصة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ما يجعل ثبات التوجه والعلاقة بين الدولتين تجاه الحالة اليمنية متماسكة على المدى الذي أراه غير القصير.

 

اعلان