Define your generation here. Generation What

هل تعطي حركة «خمس نجوم» الإيطالية الأمل للشباب في مصر؟

لا يستطيع المتابع للحياة السياسية الإيطالية التغاضي عن الصعود السريع لحركة «خمس نجوم»، التي تأسست في 2009، وها هي الآن بحسب استطلاعات الرأي، الحركة الأكثر شعبية والمرشحة لقيادة الحياة السياسية الإيطالية في الفترة القادمة.

في هذا المقال نقوم سويًا برحلة للتعرف على هذه الحركة، ويمكنك بعد ذلك إطلاق لخيالك العنان بخصوص مدى إمكانية استنساخ هذه التجربة في بلادنا العربية.

الحركة ذات السبعة أعوام:

تأسست الحركة على مسرح سميرالدو بميلانو في الرابع من أكتوبر 2009، على يد الكوميديان والناشط السياسي بيبي جريللو ورجل الأعمال جان روبرتو كازاليجو. دور جريللو يشبه دور المدير الفني، فهو القائد وصاحب الكاريزما، وتتصدر تصريحاته مانشتات الصحف ومقدمات البرامج السياسية، بينما كازاليجو، وإن كان مكملًا لجريللو سواء تنظيميًا أو فكريًا، اإلا أنه شخصية بعيدة نوعًا ما عن الكاميرات.

جريللو هو الرئيس والقائد الروحي الملهم للحركة، التي كانت نتاج جهد وعمل بدأ منذ أكثر من أربعين عامًا في برامجه وعروضه المسرحية.

الحركة شعبوية وتتمحور حول فكرة رئيسية وهي تفعيل دور المواطن في عملية اتخاذ القرار، فيما يعرف بـ«الديموقراطية المباشرة»، وإحلالها موضع الديموقراطية التمثيلية. و«الخمس نجوم» لا يقصد بها خمس شخصيات وإنما خمسة مواضيع أو قضايا على أولوية نشاط الحركة وهي الماء، البيئة، النقل، التنمية، والطاقة.

لا تضع أيديولوجيا الحركة نفسها في اليمين أو في اليسار، وإنما تتشابه أيديولوجيًا إلى حد كبير مع حزب البيراتا (القرصان) في السويد (بداية 2006)، وألمانيا (سبتمبر2006).

حزب القرصان هو حزب يدعو إلى الشفافية في عمل الجهاز الحكومي وإيجاد الطريقة التي تمكِّن المواطنين من الرقابة على عمل مؤسسات الدولة، كما أن من أولوياته حماية البيانات الشخصية، حقوق المؤلف وحقوق النشر. لكنه لم يحقق النجاح الشعبي والانتخابي الذي حققته حركة خمس نجوم في إيطاليا، وذلك بسبب اختلاف المناخ السياسي في شمال أوروبا عنه في إيطاليا. كما أن الحركة في إيطاليا انتشرت جغرافيًا وتطورت سياسيًا، وتمتلك قائدًا كاريزميًا، بارعًا في الحصول على الأصوات الانتخابية، ويجيد فن الهجوم والنقد واستغلال الأخطاء السياسية للخصوم السياسيين.

كان الأمر في البداية صغيرًا، بدأ بلقاءات لمجموعات صغيرة من النشطاء السياسيين، وكما يقول جريللو: «سنستمتع وسنبقى سويًا وسنتشارك أفكارًا من أجل عالم أفضل». ومن خلال تلك اللقاءات تكونت مجموعات عمل تختص بمجالات معينة كالتكنولوجيا والابتكار والدراسات النقدية والاقتصادية والأعمال الدستورية، وكذلك أنشئ مكتب إعلامي، وغيره. في البداية انعقدت لقاءات مجموعات أصدقاء بيبي جريللو على مستوى المدن، واستمرت بعد تأسيس الحركة حتى وصلت في 2010 إلى 300 لقاء، من ضمنها 30 حركة في خارج إيطاليا، ولكنها نمت وأصبحت تُنظم على المستوى الوطني، وبالفعل تحولت لجماعة ضغط تسبب الكثير من الإزعاج للحكومات.

في 2006 كانت هناك مبادرة «برلمان نظيف» وتبعها في 2007 حدث بالغ الأهمية، وهو تخصيص يوم لجمع توقيعات من أجل قانون مبادرة شعبية خاص بقانون الانتخابات البرلمانية، ومنع إمكانية ترشح من صدرت بحقهم أحكام جنائية، أو من انتُخب برلمانيًا لفترتين. كانت الحركة في حاجة إلى 50 ألف توقيع، ولكنها جمعت 336 ألف توقيع بيوم واحد كاستعراض للقوة أمام كل القوى السياسية الأخرى الموجودة، معلنة عن حركة سياسية شعبية عظيمة في طور التكوين.

في 2008 اشتركت قائمة أصدقاء بيبي جريللو في الانتخابات البلدية بدون خبرة وحصلت على 1,72% في صقلية، 2,64% في روما، 3,64 في بلدية تريفيزو. وفي 4 أكتوبر 2009 أعلن المؤسسان ميلاد حركة «خمس نجوم» وبرنامجها.

في الانتخابات البرلمانية 2013، ترشحت الحركة في كل المحافظات وكل البلديات، وحلَّت في المركز الثاني بحصولها على 8,7 مليون صوت انتخابي، ولم يسبقها إلا الحزب الديموقراطي بحصوله على 10 مليون صوت، وأصبح للحركة 109 نائبًا و54 عضو مجلس شيوخ. وكانت هذه مفاجأة مدوية لم يتوقعها الأكثر تفاؤلًا، فها هي الحركة ذات الأربعة أعوام تنافس الحزب الديموقراطي الذي ورث تركة الحزب الديموقراطي المسيحي الحاكم في إيطاليا منذ أربعين سنة، وقاده سياسيون عظماء مثل دي جاسبري وألدومورو وأندريوتي، كما تنافس يمين وسط بيرلسكوني الذي حكم إيطاليا لمدة عشرين عامًا تقريبًا.

وإذا كانت نتائج انتخابات 2013 قد اعتُبرت مفاجأة للجميع، إلا أن نتائج الانتخابات البلدية في 2016 لم تكن مفاجأة، حيث سيطرت الحركة على 23 مدينة من ضمنها روما العظيمة وتورينو، في ضربة موجعة للحزب الديموقراطي الحاكم.

كيفية اتخاذ القرار:

كما ذكرنا سابقًا فالحركة تتبنى ما يعرف بـ«الديموقراطية المباشرة»، حيث تعرض القضية على المدونة الخاصة بالحركة للتصويت من قبل الأعضاء المسجلين، ومن خلال نتائج التصويت تتخذ الإدارة القرار. يحدث هذا أيضًا لدى طرد أحد أعضاء الحركة، وإعلان عدم تمثيله لهم، مثلما حدث مع عضوة مجلس الشيوخ اديلي جامبرو، ومع برلمانيين وأعضاء مجلس شيوخ منتمين للحركة.

وعلى سبيل المثال أيضًا، كان لجريللو وكازاليجو موقف صارم ضد المهاجرين، حيث قادا تيارًا داخل الحركة يتبنى هذا الموقف وهو ما عارضه عضوان من أعضاء مجلس الشيوخ داخل الحركة، وعندما خضعت القضية للتصويت الإلكتروني للأعضاء المسجلين، أُسقط موقف جريللو وكازاليجو، فما كان منهما إلا أن انصاعا احترامًا لقرار الأغلبية في الحركة. بعدها بأيام دعمت الحركة بمجلس الشيوخ قانونًا يتعلق بإلغاء تجريم الهجرة غير الشرعية في خطوة ديموقراطية جميلة وفعالة.

السياسة الخارجية:

بالنسبة لموقفها من أوروبا، تريد حركة خمس نجوم الخروج من الاتحاد الأوروبي، وتدعو إلى استقلالية القرار الإيطالي رافضة الوضع الحالي باعتبار إيطاليا دولة تابعة لقرارات تُتخذ في بروكسل، مقر الاتحاد الأوروبي، بعيدًا عن روما، كما أن التيار القوي داخل الحركة يدعو إلى الخروج من حلف الناتو وسحب كل الجنود الإيطاليين من دول العالم المختلفة حفاظًا على سلامتهم قائلًا: «لم تتبق أسباب أخرى لبقاء إيطاليا في حلف الناتو». الحركة قريبة من روسيا ودعت في الكثير من المناسبات لرفع العقوبات الأوروبية عن روسيا، كما أنها تعتبر بوتين شريكًا استراتيجيًا، معترفة بأهميته في حل قضايا الشرق الأوسط، وعلى رأسها القضية السورية.

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فالحركة ضد التدخل في ليبيا خوفًا من أن تصبح إيطاليا فريسة للتطرف بسبب القرب الجغرافي، وهو ما دفع بعض الشخصيات السياسية لوصف الحركة بالجبن. كما أن الحركة قريبة من إيران وعلاقاتها بالسعودية ودول الخليج غير مبشرة، حيث طالبت بوقف بيع الأسلحة لدول الخليج وتعهدت بعدم بيعها لها في حالة فوزها بالانتخابات السياسية القادمة.

ولكن التساؤل هنا هو: بعد اعتماد قانون «جاستا» الذي ينذر بتردي العلاقات بين الولايات المتحدة والسعودية، وعليه فستبحث السعودية عن أسواق جديدة لاستثماراتها بدلًا من السوق الأمريكية، هل ستضيع إيطاليا هذه الفرصة الاستثمارية الكبيرة مع دولة لها أهميتها على المستوى الإقليمي المجاور لها؟

وبالنسبة للقضية الفلسطينية، فقد تعهدت الحركة أنه في حالة وصولها للحكم ستعترف بالدولة الفلسطينية فورًا، ما عرَّضها لهجوم قوي من الجمعيات اليهودية، خاصة أن علاقة جريللو باليهود غير جيدة. كما أن إسرائيل رفضت زيارة وفد من الحركة لقطاع غزة.

ودائمًا ما تشير تصريحات الحركة حول التفجيرات الإرهابية لتدخل الدول الغربية في دول الشرق الأوسط ومسؤوليتها وبيعها للأسلحة في تلك الدول.

الانتقادات الموجهة للحركة:

يدرك المتابع للحركة أن مواقفها يشوبها الكثير من اللبس وتدعو إلى الحيرة، ففي سياساتها الداخلية لا تقدّم الحلول، بينما تبرع في نقد ومهاجمة الخصوم. ومع الإيمان بإعطاء الفرص للشباب إلا أن شبابها تنقصهم الخبرة اللازمة لقيادة الدولة الإيطالية، ففيرجينيا راجي، عمدة روما، لم تنجح إلى الآن في التغلب على مشاكلها وتحسين الأوضاع في المدينة الأهم. ومن النقد الموجه للحركة أيضًا أنها وبعد طرد الكثير من أعضائها لم تعد على أرض الواقع إلا تجسيدًا لرغبات جريللو وكازاليجو، وأنها على صعيد السياسات الخارجية، قد تتسبب في خسارة دول تجمعها بإيطاليا علاقات مميزة.

أسباب النجاح:

أسباب نجاح الحركة كثيرة ومتنوعة، ولعل أولها هو القائد صاحب الكاريزما، حيث قامت الحركة على أكتاف وشعبية بيبي جريللو، المولود في 48 لأب كان يملك مصنعًا وأم عازفة للبيانو. درس الاقتصاد وعمل كممثل تجاري في مجال الملابس، ثم اتجه إلى العمل ككوميديان. برع في عمله وتحول من كوميديان تقليدي إلى كوميديان بنكهة سياسية، وكانت قضية البيئة على رأس أولوياته دائمًا. في 1993 بدأ تقديم برنامج «بيبي جريللو شو» الذي بلغت متابعته التليفزيونية 15 مليون مشاهد. ومن التسعينات حوّل معظم نشاطه، ليقدّم العديد من العروض في الساحات الشعبية بدلًا من المسارح التقليدية، في خطوة حققت له الاتصال المباشر بالكثير من المواطنين.

كما يعد الصوت الإعلامي الموحد سببًا وراء نجاح الحركة، فقد استثمر جريللو معظم وقته في المدونة التي أصبحت نقطة قوة الحركة، وحصلت المدونة على العديد من الجوائز الدولية والمحلية من حيث عدد المتابعين وقوة التأثير. ويقول جريللو: «في هذا الوقت، ودون أن نشعر، يعيش العالم الحرب العالمية الثالثة، وهي المعلومات. الطريق الوحيد لإنقاذ أنفسنا هو المعرفة، معرفة الأخبار. نحن نمتلك الوسيلة، وهي الإنترنت الذي يسمح لنا بالوصول مباشرة إلى المعلومة. الساسة، القنوات التليفزيونية والصحف يصلون دائمًا في وقت متأخر». تبنت المدونة الكثير من القضايا، منها إرجاع الجنود الإيطاليين من العراق، وهي على حد قول الحركة حرب غير شرعية، وقضايا أخرى تعلقت بالاقتصاد، أو الاعتراض على ترشح بعض الأشخاص لوظائف بعينها. وصحيح أن الكثير من تلك الأهداف لم يحقق النتائج المرجوة منه، ولكن الحركة أثبتت أنها ذات نفس طويل، واستمرت في تبني القضايا معلنة عن وجودها الدائم.

المبادرات والوقفات كذلك مهمة جدًا وفعالة وتسبب إزعاجًا للأنظمة، وهذا ما قام به جريللو حتى أصبح شوكة في حلق الحكومة الإيطالية، واستطاع استقطاب معظم المحبطين وغير المهتمين سياسيًا. واستغل الحملات المستمرة في القضايا المختلفة، سواء سياسية أو اقتصادية، كتدريب على التنظيم الجيد وخلق كيان يمتلك الخبرة والقدرة على النمو.

الحماسة الشبابية هي كذلك واحدة من أهم عوامل جاذبية «خمس نجوم»، فلا شك أن السياسي كبير السن أكثر حنكة من السياسي الشاب بسبب خبرته وتجاربه، ولكن السياسة، شأنها شأن الوظائف الأخرى، في حاجة إلى الكثير من الطاقة والحيوية. كما أن الشيخوخة هي المرض الذي يهدم أي مؤسسة. فالمؤسسات في حاجة إلى تجديد وتطوير مستمرين، وهو ما التفت إليه جريللو بإعطاء الفرصة للكثير من الشباب الذي يحمل بعضًا من الرومانسية الثورية، فدي مايو أصبح نائبًا لرئيسة البرلمان الإيطالي وهو ابن السادسة والعشرين في 2013، وفيرجينيا راجي أصبحت عمدة العاصمة وهي ابنة السابعة والثلاثين في 2016، أما دي باتيستا ابن السادسة والثلاثين فهو يجوب إيطاليا شمالًا وجنوبًا على ظهر دراجته البخارية قاطعا 4000 كيلو مترًا، مرورًا بسبعة وعشرين ساحة؛ ليدعو المواطنين لرفض التعديلات الدستورية في استفتاء ديسمبر القادم، معلقًا على هذه الرحلة الشيقة بأنها «سياسة دون تكلفة.

هل يمكن استنساخ هذه التجربة بمصر؟

لا يسمح الوضع الأمني في مصر بأي محاولة لخلق كياني سياسي مؤثر، مع استخدامه وسائل الإعلام الخاصة أو التابعة للدولة لتشويه أي شخصية أو حركة في طور التكون. لكن النشطاء في مصر يقومون بالكثير من المبادرات والنشاطات في أصعب الظروف، والمتابع للحياة السياسية في مصر يلاحظ ظاهرة الجروبات الفيسبوكية الجادة والنشطة والتي تعمل على خلق الكوادر واكتشاف المواهب والتدريب على العمل التنظيمي الجيد، وهي كلها مقومات تعطي الأمل في خلق تيار منظم يمتلك ثقافة العمل الجماعي. فهل تنقصنا فقط شخصية كجريللو تجيد الحشد وتتمتع بمصداقية بين الشباب؟

اعلان
 
 
مصطفى العباسي