Define your generation here. Generation What
قانون الهجرة غير المنظمة.. الردع وحده لا يكفي
 
 

بعد أسابيع قليلة من مأساة قارب الهجرة على شواطئ رشيد بالبحيرة، التي راح ضحيتها 300 شخص في البحر المتوسط بين قتيل ومفقود، أصدر البرلمان قانونًا جديدًا للهجرة يجرم تهريب الأفراد لأول مرة في تاريخ التشريع المصري.

تمت الموافقة على القانون بأغلبية 402 صوت يوم 17 أكتوبر، ومن المتوقع أن يصدق عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي قريبًا، وأن يدخل حيز التنفيذ خلال بضعة شهور.

أعد القانون اللجنة التنسيقية القومية لمناهضة ومنع الهجرة غير الشرعية، وهي لجنة حكومية مكونة من 19 هيئة، أسسها في الأصل رئيس الوزراء، إبراهيم محلب، عام 2014. منذ تأسيسها كان الهدف الرئيسي لها وضع مشروع قانون للهجرة، وإعداد دراسات ميدانية في المحافظات التي تشهد نسبة عالية من هجرة المصريين لأسباب اقتصادية، إلا أنها وضعت أيضًا استراتيجية وطنية لسنوات 2016 – 2026.

عقدت اللجنة التنسيقية عددًا من اللقاءات الاستشارية مع مسؤولين وخبراء في الهجرة ومنظمات غير حكومية أثناء مرحلة صياغة المشروع، بما في ذلك مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة.

تحدد الصياغة النهائية للمشروع، التي اطلع «مدى مصر» على صورة منها، عمليات التهريب المختلفة التي سوف يتم تجريمها، بما في ذلك تأسيس أو تنظيم أو قيادة «مجموعة للجريمة المنظمة» بهدف تهريب المهاجرين. وتشكل العقوبات التي سوف تطبق على المهربين ومستخدمي السلاح في هذا الشأن أو تهريب النساء أو الأطفال أو الأشخاص ذوي الإعاقة، أو اقتراف جريمة تهدد حياة أو سلامة المهاجرين، أحكامًا بالسجن وغرامات كبيرة تتراوح ما بين 200 ألف إلى 500 ألف جنيه.

كما نص القانون على عقوبة السجن المؤبد للمهربين إذا ترتب على الجريمة وفاة أو إصابة أو إعاقة دائمة لأي من المهاجرين، أو إذا تم تهريب أكثر من 20 شخصًا في الرحلة الواحدة، أو إذا استخدم مقترف الجريمة السلاح في مقاومة السلطات أو إذا استخدم أطفالًا في ارتكاب الجريمة. كذلك ينص القانون على إجراءات حماية للقصر غير المصحوبين ببالغين، وكذلك تأسيس صندوق يستخدم الأموال التي يتم مصادرتها من المهربين في مساعدة اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين. كما سيتم دمج القانون رقم 64 الصادر عام 2010 الخاص بمناهضة الإتجار في البشر ضمن القانون الجديد.

أشرف ميلاد، المحامي المتخصص في طلب اللجوء، يمتدح عدة جوانب في القانون، بما في ذلك الربط ما بين «الهجرة غير الشرعية والاتجار في البشر معًا»، حيث أن في ذلك اعتراف «بتقاطع هاتين الجريمتين، كما أنه يولي نفس أهمية الاتجار بالبشر للهجرة غير الشرعية». كذلك استقبل القانون بالترحيب من قبل المنظمات غير الحكومية الدولية والمسؤولين المصريين.

في أول قمة للأمم المتحدة عن اللاجئين، تحدث الرئيس عبد الفتاح السيسي عن القانون، مؤكدًا على «التزام مصر بدعم الجهود الموجهة لقضايا الهجرة». وقال: “دعونا نتفق على أن مناهضة الهجرة غير الشرعية يجب أن يكون ضمن الأولويات العالمية. كذلك دعونا نتفق أنه لا سبيل لوقف استمرار الهجرة غير الشرعية إلا من خلال الاشتباك مع جذورها الأساسية وفتح الأبواب أمام الهجرة الشرعية».

الردع

تقول نائلة جبر، رئيسة اللجنة التنسيقية القومية لمناهضة ومنع الهجرة غير الشرعية، في مدح مصر بسبب إصدارها «قانونًا نموذجيًا» للبلدان الأفريقية وبلاد الشرق الأوسط الأخرى، يمكنها أن تستخدمه في مناهضة التهريب والهجرة غير المنظمة: «هذا القانون سوف يدفع المهربين إلى التفكير قبل تكرار اقتراف الجريمة».

كان مدير مكتب المنظمة الدولية للهجرة بالقاهرة، عمرو طه، قد ناشد البرلمان إصدار القانون «باعتباره رادع قوي للمهربين» بعد وفاة المئات على شاطئ رشيد الشهر الماضي. وقال في تصريحات صحفية إن «القانون يحمي الحقوق ويتناول احتياجات المهاجرين الذين يتم تهريبهم».

بعد فترة قصيرة من مأساة رشيد التقى «مدى مصر» بعض الصيادين الذين عملوا لفترات متراوحة مع المهربين منذ عام 1999. كان الرجل، الذي طلب الإشارة إليه باسم الشيخ نادر، يستخدم قاربه لنقل السوريين في اتجاه إيطاليا. يقول إنه عمل مع شبكات المهربين، ثم تركهم لشعوره بالذنب بسبب المختفين في البحر، ثم عاد للعمل معهم نتيجة ضغوط الشبكة عليه، ولأن المال مغرٍ.

يقول الشيخ نادر: «لقد سمعت عن هذا القانون، إلا أن التهديد بالسجن أو مخاطر هذا العمل، ليست كافية حين يكون المكسب بهذا الحجم الكبير».
ويضيف: «هؤلاء الناس (شبكات التهريب) ومصالح رؤسائهم يمكن أن تحرك أي شيء، يمكن أن يفعلوا أي شيء. سوف تحتاج إلى ما هو أكثر من القانون لوقف التهريب. لديك قانون لمناهضة الإدمان، ولكن هل توقف الناس عن تدخين الحشيش؟!».

يعتقد الشيخ نادر أن تهريب البشر من سواحل مصر لن يتوقف طالما أن هذا العدد الكبير من الناس يسعون إلى حياة أفضل عبر البحار، كما أن المكسب ضخم للغاية، سواء بالنسبة للصيادين المشاركين في التهريب الراغبين في حياة أفضل لأسرهم أو شبكة الكبار التي تغتني عبر تهريب حمولات من البشر.

«الكثير من الشباب المصري شاهد السوريين ينجحون في الهجرة والوصول إلى أوروبا. إنهم يحاولون عبور البحر أملًا في حياة أفضل بدون فقر، وأغلب الشباب يلجأون إلى الوسطاء للاتفاق على الرحلة. إنهم يأتون إلينا»، يقول الشيخ نادر، فيما يعني ضمنًا أن شبكات التهريب تقدم ببساطة خدمة مطلوبة. ويضيف: «إذا قرر أحدهم الهجرة فمن المستحيل تغيير رأيهم».

رغم قول الشيخ نادر إنه في هذه الأيام يوفر للمهربين فقط أماكن تمكنهم من «تخزين» المهاجرين قبل انتقالهم إلى القوارب، إلا أنه يشكك فيما إذا كان القانون سوف يثني الناس عن التهريب.

هناك آخرون على الساحل الشمالي غير مقتنعين بادعاءات الحكومة حول اهتمامها بحماية المهاجرين، حيث أن الطريقة التي تم التعامل بها مع مأساة رشيد من قبل السلطات تمثل أحد أسباب هذا التردد.

«لقد عملت بالصيد على مدى 20 عامًا، وعملت على شواطئ ليبيا وتونس وتركيا واليونان، وقد شاهدت عمليات الإنقاذ على ساحل ليبيا، شاهدتها بعيني. لماذا لا نجد أبدًا مروحيات أو طائرات تمسح شواطئ مصر؟»، يقول شكري، صياد وقريب أحد ضحايا قارب رشيد. لا يعتقد شكري أن الحكومة المصرية تهتم حقيقة بالشباب المصريين أو اللاجئين أو غيرهم الذين يموتون على شاطئ المتوسط بأعداد كبيرة.

صياد آخر، وائل عبد القادر، من برج رشيد، ساهم في إنقاذ الناجين، يقول: «إذا كان خفر السواحل تحركوا حين أبلعناهم بالحادث لتمكنوا من إنقاذ المئات. لكنهم لم يفعلوا. ولا زلنا نتساءل: لماذا؟».

اعتاد المهربون التأقلم مع الظروف المحلية، فيسدون بذكاء الفجوات الأمنية ويستغلون الأسواق النامية، حتى أنهم «يبنون الغواصات للتسلل إلى أوروبا»، بحسب ادعاءات أحد الوسطاء بالقاهرة الذي تحدث مع «مدى مصر» في العام الماضي.

ماذا عن تجريم الضحايا؟

رغم المطالبات الكثيرة بإصدار قانون لتجريم مكافحة الهجرة غير المنظمة، إلا أنه تظل هناك عدة أسئلة بشأن تأثيره على طريقة معاملة مصر للأجانب الذين يتم القبض عليهم أثناء محاولاتهم الهجرة بشكل غير رسمي، وذلك في ضوء الطريقة المعتادة من احتجاز وعقاب وترحيل المهاجرين غير الشرعيين.

تنص المادة الثانية من القانون أن المسؤولية القانونية في جرائم التهريب تقع على المهرب وليس على المهاجر، الذي يعتبره القانون «ضحية»، الأمر الذي ينسجم مع القوانين الدولية لمناهضة الهجرة، إضافة إلى مختلف المعايير القانونية الدولية، بما فيها بروتوكول باليرمو، التي تسعى إلى تجنب تجريم المهاجرين وضحايا التهريب.

بروتوكول مناهضة تهريب المهاجرين عن طريق الأرض أو البحر أو الجو، الذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2000 وصدقت عليه مصر في عام 2005 صيغ بحيث «يمنع ويناهض تهريب المهاجرين … وفي نفس الوقت حماية حقوق المهاجرين المُهربين».

Survivors of the Rashid boat tragedy

ناجون من مأساة مركب رشيد قيد الاحتجاز

رغم ذلك فإن المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء الأجانب الذين يتم ضبطهم أثناء عملية الهجرة في مصر عادة ما يتعرضون للعقاب والتجريم، الأمر الذي قد يعني فترات طويلة رهن الاعتقال الإداري والسجن أو الترحيل إلى بلادهم الأصلية، حيث تهددهم المخاطر.

ارتفعت معدلات الهجرة غير المنظمة سنويًا منذ عام 2013. إلا أن إجمالي عدد الأفراد المحتجزين بسببها في عام 2016 قد تجاوزت أي عدد سابق للمهاجرين في الفترة ما بين 2013 – 2015، بحسب بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. في شهر أغسطس كانت المفوضية سجلت 3742 حالة احتجاز لمهاجرين حاولوا التسلل عبر الساحل الشمالي مقارنة بـ 3635 خلال عام 2015 أو 3036 خلال 2014.

تتراوح الاتهامات في العادة ما بين دخول أو خروج غير قانوني، واستخدام وثائق مزورة، وأحيانًا تهديد الأمن العام أو النظام العام. في العادة لا يمر المحتجزون بمرحلة التحقيقات، وإنما يتعرضون للاحتجاز الإداري أو الترحيل.

ارتفاع أعداد المهاجرين الذين يتم إيقافهم على الساحل الشمالي يوضح أن مصر «جادة في تناول المشكلة»، بحسب جبر، التي تضيف أن حرس الحدود «تبذل أقصى جهودها» لمناهضة التهريب.

في أوائل أكتوبر الماضي ألقي القبض على ما قيل إنها عصابة تهريب تعمل من خلال مطعم سمك في شارع خالد بن الوليد في حي ميامي شرق الإسكندرية. كان المهربون يستخدمون المنطقة لسنوات في نقل وتسكين اللاجئين والمهاجرين مؤقتًا قبل نقلهم إلى القوارب. ألقي القبض على ثلاثة مصريين وخمس سودانيين بدعوى أنهم أفراد في هذه العصابة. بعد مأساة رشيد كانت هذه العملية بمثابة سبق ضخم للشرطة.

إلا أن الحقيقة لم تكن كذلك، حيث كان السودانيون يبحثون عن أقاربهم المتوفين. ميادة، طالبة في جامعة الإسكندرية، فقدت شقيقها محمود وثلاثة أقارب وصلوا من السودان للمساعدة في البحث عن جثمانه، وعن قريب آخر لهم كان يعيش في مصر.

اطلع «مدى مصر» على الوثائق التي تثبت تسجيل ميادة في جامعة الإسكندرية هذا العام، إضافة إلى رسالة استلمتها الأسرة من القنصلية السودانية تطالب النائب العام بالتعرف على جثمان محمود وتسليمه لأهله.

تم ترحيل ثلاثة من أقارب ميادة إلى السودان وأطلق سراح قريبها لأنه مسجل في مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر. أما ميادة فلا تزال محتجزة في الإسكندرية.

التجريم أمر لا يقتصر على الأجانب. بعد مأساة رشيد الشهر الماضي تم تصوير العديد من الناجين وهم مكبلين إلى أسرتهم في المستشفيات بعد إنقاذهم من البحر. كذلك لمّح عدد من المسؤولين والشخصيات الإعلامية إلى أن المهاجرين المصريين لا يمكن أن يكونوا فقراء، مدعين أنهم طالما تمكنوا من دفع الأموال للمهربين، فلا يمكن الوثوق بهم، بل أصبحوا محل شك، بل وقد يستحقون هذا المصير.

قال المتحدث الرسمي باسم مجلس الوزراء، حسام الجاويش، في أحد البرامج الحوارية التليفزيونية مؤخرًا: «الهجرة غير الشرعية تستدعي مبلغًا كبيرًا من المال، وأعتقد أنه بمثل هذا المبلغ يمكن للمواطن بسهولة أن يبدأ مشروعا في قريته». وأضاف: «هذا يمكن أن يوفر لهم دخلًا جيدًا ويحميهم من المشاركة في عمليات التهريب».

تقول جبر: «القانون سوف يسمح للنيابة بالبدء في التحقيق، وعندما تتأكد من أن الشخص المعني مهاجر غير شرعي وليس مهربًا سوف يتم الإفراج عنه». وتضيف: «لقد طُرح هذا السؤال بعد مأساة رشيد: لماذا تم احتجازهم كمجرمين؟». وتستطرد: «الأمر نفسه سوف يحدث (بعد إصدار القانون)، لكن الأمر سوف يكون أسهل»، بفضل رفع الوعي وتدريب المسؤولين بواسطة المنظمات الدولية.

الترحيل القسري للأفراد المتلبسين بفعل الهجرة غير المنظمة، وهو الأصعب في قياسه وتوثيقه عن الاحتجاز، هو طريقة أخرى تجرم بها الحكومة المصرية اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين. في بعض الحالات تفقد مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أثر الأفراد خاصة من يتم احتجازهم في سجن الأجانب بالقناطر ومنشأة أخرى في مرسى مطروح.

أشارت المفوضية إلى صعوبة متابعة المهاجرين المحتجزين في مصر ومن تم ترحيلهم. في شهر أغسطس كانت المفوضية سجلت ما يزيد عن 900 حالة ترحيل هذا العام، ما يمثل 24% من إجمالي المحتجزين بسبب الهجرة. حوالي 90% من المرحلين كانوا من طالبي لجوء غير مسجلين أو مهاجرين، إما من السودان أو جزر الكومورو.

تقول رئيسة اللجنة التنسيقية إنه بعد إصدار القانون سوف يكون كل ترحيل بمثابة «عودة طوعية»، مشيرة إلى أن المادتين 25-27 من القانون الجديد اللتين تحددان كيفية مساعدة الحكومة والمنظمات الشريكة في «عودة آمنة» إلى البلد الأصلي أو بلاد أخرى. وتضيف: «لا يوجد ترحيل في القانون، وإنما نتحدث عن عودة طوعية».

كانت الحكومة المصرية قد وصفت مثل تلك العودة بكونها طوعية في مراسلاتها مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بشأن الأفراد المحتجزين، رغم أن العودة غالبًا ما يُدفع إليها المحتجز دفعًا من خلال تخييره بين الاحتجاز الإداري طويل المدى أو العودة.

يشير تقرير المفوضية عن اتجاهات احتجاز المهاجرين الصادر في شهر يونيو الماضي إلى أن الحكومة المصرية اتصلت بالسفارة الاريترية للتحضير لترحيل حوالي 12 لاجئًا اريتريًا كانوا رهن الاحتجاز لمدة عام «رغم أنهم عبروا عن رغبتهم في التسجيل مع المفوضية وخوفهم من العودة إلى اريتريا».

ترجمة: عايدة سيف الدولة

اعلان
 
 
توم رولينز 
محمد حنفي الكاشف