Define your generation here. Generation What
أزمات السيول المتكررة.. مسؤولية من؟ وكيف نواجهها؟
 
 

22 قتيلًا و72 مصابًا، كان هذا هو عدد ضحايا موجة السيول -المعلن، حتى مساء أمس- التي شهدتها مدن مختلفة في مصر يوم الخميس الماضي، ودمرت العشرات من المنازل والطرق وأتلفت الأراضي الزراعية وتسببت في انقطاع التيار الكهربي. وكان الأكثر تضررًا جراءها محافظات البحر الأحمر وجنوب سيناء وأسيوط وقنا وسوهاج والوادي الجديد بالإضافة إلى مركزي الواحات الداخلة والفرافرة. وفيما تستمر معاناة المواطنين سنويًا، تستمر الدولة في اللجوء لحلول تكشف السيول عدم جدواها.

عَلِق كل من صفاء عصام وكريم عبد الراضي بسبب السيول بينما كانا يحاولان العودة من محافظتي البحر الأحمر وجنوب سيناء، فبينما كانت عصام في مدينة شرم الشيخ بحكم تغطيتها الصحفية لـ «مؤتمر الشباب»، كان عبد الراضي في زيارة قصيرة للغردقة، وكلاهما اضطر إلى تأجيل رحلة العودة بسبب السيول.

تحكي عصام أن الوضع في شرم الشيخ كان أقل سوءًا من مناطق أخرى في الجمهورية، بحسب ما تابعته من أخبار. استمرت الأمطار منذ ليل الأربعاء وطوال الخميس، اليوم الأخير للمؤتمر، وكانت المياه تتسرب إلى الفندق الذي تواجدت به من سقف الدور الأخير ومن أبواب الدور الأرضي. وفاضت الشوارع المنخفضة في شرم الشيخ بالمياه، وساعد على ذلك عدم وجود شبكة جيدة لتصريف مياه الأمطار بحسب ما أخبرها به سائق تاكسي يعمل بالمدينة منذ ١٤ عامًا.

قال سائق التاكسي لعصام إنه قبل نحو تسع سنوات لم تكن الأمطار تهطل بهذه الغزارة على المدينة السياحية، أما خلال السبع سنوات الأخيرة فتتعرض المدينة مرة أو مرتين في العام لسيول بهذه الغزارة، وفي كل مرة تغرق شوارعها دون أن يتم إجراء أي تعديلات عليها بحيث تستوعب هذه الأمطار. تحكي عصام أن السائق كان يقول ذلك بينما يحاول الالتفاف حول بعض الشوارع المغلقة بسبب ارتفاع مستوى المياه بها.

كانت الخطة الأصلية لعصام هي مغادرة شرم الشيخ صباح الجمعة، غير أن منظمي «مؤتمر الشباب» أخبروها أن الطريق غير آمن، وأن رحلة العودة ستتأجل حتى يتأكدوا من الشرطة أن الطريق مفتوحًا. وفي صباح الجمعة، بينما كانت سيارات شفط المياه تعمل في شوارع المدينة، كانت عصام وصحفيون آخرون يحاولون معرفة إن كان يمكنهم العودة بمفردهم. تقول عصام إن إدارة الفندق أخبرتهم أن طريق جنوب سيناء مغلقًا، وهو الأمر نفسه الذي قالته شركة الأتوبيسات قبل أن تخبرهم بعد ساعتين أن الطريق أصبح مفتوحًا. وفضّلت عصام في نهاية الأمر أن تعود بالطائرة مساء الجمعة.

من جانبه، يحكي عبد الراضي أنه استقل الأتوبيس مساء الخميس، وكانت الأمطار مستمرة دون انقطاع منذ ليل الأربعاء، غير أن الشرطة كانت قد أغلقت طريق الغردقة-الزعفرانة وطلبت منهم العودة، وبالفعل حاصرتهم المياه بينما كانوا في بداية الطريق مما أجبرهم على الرجوع مرة أخرى. ولم يتمكن عبد الراضي من العودة إلى الطريق مرة أخرى إلا صباح أمس السبت، خاصة بعدما أغلقت الشرطة طريق الغردقة-سفاجا أيضًا بسبب الأمطار.

يقول عبد الراضي إن شوارع الغردقة أيضًا فاضت بمياه الأمطار التي ارتفعت إلى منسوب الرصيف مما منع السيارات والمارة من الحركة، قبل أن تبدأ سيارات شفط المياه عملها صباح الجمعة. وعلى طريق الزعفرانة كان هناك عدد من السيارات والميكروباصات التي جرفها السيل وقلبها على جانب الطريق الذي تضرر بشدة بسبب الأمطار. وكانت معدات القوات المسلحة تقوم برفع السيارات وفتح الطريق.

فيما تعرّضت هبة شامة، مهندسة بشركة تكوين لتنمية المجتمعات المتكاملة، أثناء عملها بقرية شُطب بمحافظة أسيوط إلى موقف شبيه. تقول شامة إن الأمطار أدت إلى غرق الشوارع الرملية في القرية وحولتها إلى برك من الطين، وأن الكهرباء انقطعت في المنازل، بالإضافة إلى حدوث ماس كهربائي في البيوت التي تسربت المياه إليها. وتضيف أنه حتى في مدينة أسيوط نفسها، غرقت الشوارع في مياه الأمطار، كما أن عربات شفط المياه لم تكن كافية لمعالجة الموقف بالسرعة المطلوبة.

وكان الدكتور وحيد سعودي، المتحدث باسم هيئة الأرصاد الجوية، قد صرح لإحدى القنوات التليفزيونية الخاصة أن «الهيئة حذرت من موسم السيول منذ شهر كامل، وبأننا نشهد فصل التقلبات الشتوية الحادة ومن المحتمل يحدث سيول قوية، وناشدنا كل المحافظين في ذات الوقت باتخاذ التدابير اللازمة».

وتشهد مصر سيولًا تضرب المحافظات نفسها بشكل شبه منتظم سنويًا خلال فصل الشتاء، غير أن الأضرار تتفاوت بين عام وآخر. ففي العام الماضي، أدت السيول إلى مصرع 5 مواطنين في الإسكندرية وتضرر العديد من المنازل في المندرة ووادي القمر، فضلًا عن إصابة المدينة بأكملها بالشلل. فيما أدت السيول في مارس 2014 إلى تضرر نحو 4300 أسرة، 53.5٪ منهم في محافظة أسيوط. كما تسببت السيول في يناير 2010 في مصرع نحو 12 شخصًا وتضرر مئات المنازل في شبه جزيرة سيناء والبحر الأحمر وأسوان. فيما تُعدّ سيول نوفمبر 1994 هي الأعنف في التاريخ القريب للبلاد. يرصد موقع «ريليف ويب»، التابع لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق أعمال الإغاثة، أن السيول أدت إلى مصرع المئات من المواطنين في ذلك العام، خاصة في قرية درنكة بمحافظة أسيوط، حيث اجتاحت مياه الأمطار خزانًا للوقود مما أدى إلى إشعال النيران به وانتقالها إلى منازل القرية التي كان يقطنها نحو 20 ألف نسمة تم تهجيرهم لاحقًا بسبب خراب منازلهم.

ودائمًا ما تؤدي السيول إلى تضرر المنازل الواقعة في مناطق منخفضة في مجرى السيل وكذلك تدمير الطرق السريعة. غير أن تكرار نفس الآثار يطرح سؤالًا حول إمكانية تجنبها وطرق ذلك.

يقول يحيى شوكت، أحد مؤسسي 10 طوبة لدراسات العمران، إن التعامل مع كوارث السيول يحتاج إلى إجراءين أساسيين، وهما: وجود ضوابط استباقية تمنع أو تخفف على الأقل من آثار السيول بشكل كبير، وخطط معدة مسبقًا لإدارة الأزمات والكوارث لدى وقوعها.

يكمل شوكت: «فيما له علاقة بالطرق على سبيل المثال، يمكن إنشاؤها في مناطق السيول بشكل مرتفع عن الأرض، وحفر أنفاق أسفلها لتعبر مياه السيول من خلالها دون الإضرار بالطريق»، وهو ما يراه شوكت متحقق في عدد من الطرق بمصر مثل الطريق الدائري الإقليمي، إلا أنه يرى أن ارتفاع تكلفة هذه الطريقة في البناء ربما يكون السبب في عدم تعميمها على كل الطرق السريعة التي دائمًا ما تتضرر من السيول. ويضيف: «أظن أن الدولة تجد تكلفة إعادة إصلاح ورصف الطرق بالسُبل العادية أوفر من إنشاءها من البداية بشكل يحميها من السيول».

أما فيما له علاقة بتخطيط المدن، فيقول شوكت «إن القوانين تمنع البناء في مخرّات السيول، إلا أن الدولة حتى هذه اللحظة تبدو غير قادرة على تطبيق ذلك بشكل كامل»، مضيفًا أن «خليج نعمة على سبيل المثال مبني في ممر السيل، وكذلك معظم الخلجان سواء في سيناء أو البحر الأحمر مبنية في مسارات السيول»، وهو الأمر المتكرر في قرى الصعيد.

يقول كريم إبراهيم، المهندس المعماري بشركة تكوين لتنمية المجتمعات المتكاملة، إنه في عام 2010 شارك في ترميم جزء من منازل مجموعة قرى أبو الريش في أسوان، والتي كانت قد تهدّمت بسبب وجودها في ممر السيل. ويشير إلى أن ما حدث وقتها أن مياه الأمطار تجمّعت أعلى الجبل، قبل سقوطها بسرعة وبكمية كبيرة جارفة معها كتل من الحجارة التي أدت إلى هدم المنازل فضلًا عن غرق الأراضي الزراعية.

وتتولى وزارة الري والموارد المائية مسؤولية تجهيز وتطوير مخرّات السيول، إلا أن الرقابة على هذه المخرّات تتم بشكل محلي. ويرى إبراهيم أن ضعف الرقابة على هذه المخرّات، وغيرها من الإجراءات الاستباقية للتعامل مع السيول مثل السدود والترع، تأتي من كونها مسؤولية موزعة على أكثر من مستوى وجهة سواء مركزيًا أو محليًا.

فيطرح على سبيل المثال أن ملكية وإدارة الأراضي داخل المدن والقرى في مصر تتوزع مسؤوليتها بين وزارة الزراعة وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة التابعة لوزارة الإسكان والمحافظات المختلفة ووزارة الدفاع. وهو الأمر الذي يتكرر في الطرق، فهي مقسّمة إلى طرق تملكها وتديرها وزارة النقل، وأخرى تقع ولايتها ضمن المحافظات والأحياء بالإضافة إلى الطرق التي تمتلكها وتديرها القوات المسلحة. وهو ما يجعل التنسيق يتم بين أكثر من جهة ومستوى محلي ومركزي، مما يجعله صعبًا، حسب ما يراه إبراهيم.

وكانت وزارة الري قد أعلنت قبل عامين عن خطة لإعداد أطلس للسيول في مصر، في المحافظات الـ 10 المعرضة للسيول، وهي محافظات شمال سيناء وجنوب سيناء ومحافظات الصعيد والساحل الشمالي الغربي. وقتها قال حسام المغازي، وزير الري آنذاك، إنه «لدينا 142 مخرًا للسيل في 9 محافظات، منها 35 بأسوان، و24 بقنا، و6 بسوهاج، ويبلغ إجمالي أطوال مخرات السيول 341 كم».

وكانت حكومة رئيس الوزراء السابق إبراهيم محلب قد وضعت خطة قومية لمواجهة آثار ومخاطر السيول، غير أن تنفيذها قد تعطّل بسبب وصول التقديرات المالية المبدئية لتنفيذها إلى مليار جنيه على الأقل خلال 5 سنوات.

ويعلّق إبراهيم قائلًا «لدينا خبرة في التعامل مع السيول. الأمر ليس اختراعًا. غير أن تراكم التعديّات على المخرّات وتعدد الجهات المسؤولة عن مراقبة التعديات عليها، والجهات المسؤولة عن الطرق والأراضي يقلل من فعالية ما نملكه من وسائل لمنع أضرار السيول».

يعود شوكت إلى الحديث عن إجراءات التعامل مع الكوارث، فيقول «ربما يكون من غير الممكن بناء مدن مُحصّنة بالكامل من أخطار السيول، إلا أنه يمكن وضع خطط فعالة للتعامل مع الطوارئ». وفي هذا الشأن يرى وجوب وجود مسارات محددة في المدن التي تضربها السيول بشكل اعتيادي، على أن تكون معروفة مسبقًا للسكان ومؤمّنة لإخلاء المدن في أوقات الكوارث الطبيعية، ومحددة بلوحات إرشادية. كما أن جانبًا أساسيًا للتعامل مع أي أزمة من وجهة نظره هو وجود هيئة دائمة معنية بالكوارث، قادرة على اتخاذ إجراءات استباقية مثل إخلاء أجزاء من المدن والقرى المتوقع أن تضربها السيول، وهو ما يقول شوكت إنه غير موجود في مصر.

ويضيف: «لدينا في مصر إدارة كوارث تابعة لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، غير أنها ليست جهة تنفيذية». ويكمل شوكت أن الجهة التنفيذية التي لديها إدارة كوارث وتتدخل في الأزمات المختلفة هي القوات المسلحة، أما مدنيًا فهناك وزارة التضامن التي تقوم بتعويض المضارين من تلك الكوارث فحسب، بالإضافة إلى المحافظات والإدارات المحلية التي تتعامل مع الأزمة لدى وقوعها.

وأعلنت الحكومة أمس السبت تخصيص 50 مليون جنيه لتعويض المضارين من السيول الأخيرة، و50 مليون أخرى لاستعادة كفاءة البنية الأساسية التي تأثرت بفعل السيول.

من جانبه، يتفق إبراهيم مع ما طرحه شوكت، فهو يرى أن غياب هذه «الإدارة الوطنية» المسؤولة عن التحرك مركزيًا ومحليًا للتعامل مع الأزمات قبل وقوعها وأثناء حدوثها وبعدها هو ما يفاقم نتائج الأزمة.

اعلان