Define your generation here. Generation What

كيف تحول الهامش إلى متن: عن الاحتجاج والسياسة وحركة 6 أبريل (1)

هل كان علينا أن نسقط من علو شاهق ونرى دمنا على أيدينا لندرك أننا لسنا ملائكة كما كنا نظن؟

وهل كان علينا أيضا أن نكشف عن عوراتنا أمام الملأ كي لا تبقى حقيقتنا عذراء؟

كم كذبنا حين قلنا نحن استثناء

محمود درويش

السطور التالية هي محاولة لتقييم حركة شباب 6 أبريل، التي كنت ولا أزال أنتمي إليها، ولنقدها ذاتيًا، وهي محاولة أسعى لأن تكون موضوعية، ولكنها غير محايدة على الإطلاق، لأنه من الصعب جدًا الكتابة بحياد عن مشروع كنت ولا أزال أنتمي إليه ويعبر عني وأتحمل مع غيري من شباب هذا البلد نجاحاته وإخفاقاته، ومهما حاولت فغالبًا ما يظهر انحيازي للمشروع كله بما له وما عليه، وانحيازي أيضًا للأمل والحلم الذي يقول دائمًا «فلنحاول مرة أخرى مهما أكدت التجربة أنه لم يعد هناك مجال لذلك».

اخترت لعملية التقييم هذه ثلاثة مداخل رئيسية؛ الرؤية والفكرة، التنظيم أو الموقف، والتناقضات، وأبدأ بالرؤية والفكرة ثم أتناول في جزأين تاليين التنظيم والتناقضات.

الجزء الأول، الرؤية والفكرة:

من حق جيلنا أن يجرب، فإما أن ينجح أو أن يقدم تجربة للأجيال القادمة.

بهذه العبارة بدأت الحركة بيانها التأسيسي في 2008، وهي جملة شكلت ملامح عمل الحركة وطريقة تناولها للأمور على مدار أكثر من ثماني سنوات. إن محاولتنا أن «نجرب»، مع اعتماد طريقة التجربة والخطأ، هو حق إنساني، ولكنه كان الطريق الأصعب والذي لم نملك سواه. لم تنقصنا الشجاعة، وأحيانًا لم ينقصنا الحظ أيضًا، ولكن كثيرًا ما كان ينقصنا الوعي. ولا يمكن بأي حال فصل هذه التجربة عن سياقها التاريخي والاجتماعي والثقافي والسياسي، فنحن أبناء عصرنا بامتياز، حيث بدأت خطواتنا من الفراغ الكامل تقريبًا والتجريف المتعمد في كل مناحي الحياة. أزمة هويتنا هي انعكاس لأزمة الهوية في المجتمع، ويمكن القول بسهولة أيضًا إن الحركة هي شريحة عرضية من المجتمع المصري بتناقضاته وأزماته ومشاكله، ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك على طريقة رؤيتنا للعالم ولأنفسنا وأفكارنا وتنظيمنا ومواقفنا.

الوجود قبل الماهية، أو (اركب وبعدين نشوف)*

نشأت الحركة في مناخ سياسي خال تقريبًا من الممارسة السياسية التقليدية بتعريفها البسيط، أي قيام السياسة عن طريق وجود مجموعة أشخاص ذوي رؤية معينة ومشروع سياسي يرون أنه الأنسب لإدارة البلاد فيتقدمون به للشعب ليقتنع به أغلبيته فتختارهم أو تختار غيرهم للحكم. ونتيجة لظروف القمع والفساد لم تكن هذه هي الطريقة في الواقع، وإن كان هناك ديكور ديموقراطي من أحزاب وبرلمان. كان بحر السياسة خاليًا تقريبًا وكان ظهور حركة كفاية في نهاية 2004 إيذانًا بتطور مهم في الحياة السياسية المصرية وبزوغ عصر الحركات الاحتجاجية وتصدرها للمشهد السياسي.

نشأت 6 أبريل كحركة احتجاجية جديدة تعتمد على الشباب، لم تهتم بتحديد ماهيتها أو وظيفتها الأساسية بشكل واضح مفهوم للجميع، وإن كانت هناك محاولات بدائية لوضع إطار عام يجمع أعضاء الحركة عرف بـ«الأيديولوجيا الأبريلية»، وهي أقرب لمانيفستو منها لرؤية واضحة متكاملة. كان الاهتمام الأكبر دائمًا بالوجود والظهور كحركة احتجاجية، لا كأيديولوجيا، وهو المصطح الذي لم تقدم له الحركة شرحًا وافيًا، وإن كنا نفهم أن الغرض هو تجميع أكبر عدد ممكن من التيارات الفكرية والسياسية تحت مظلة سياسية واحدة وتجاوز صراعات الماضي الفكرية التقليدية التي لا تحرز أي تقدم واضح، بل لا تزيد عن كونها وسيلة للتفريق والتشرذم، والحقيقة أن هذه الرغبة في «تجميع الكل» خلقت أزمات لاحقة في التنظيم والمواقف والخطاب السياسي، مع مشاكل أكبر في تحديد الهوية سنشرحها بشكل أكبر في جزء التنظيم. كان الأهم هو تقديم الحركة كصرخة احتجاجية أو صوت ضمير. وهنا أتذكر التعليق الساخر لمحمد حسنين هيكل الذي قاله لنا في أحد لقاءاتنا معه: «يعني إيه حركة ضمير؟ ضمير مين؟»، ولم نفلح في الإجابة عن سؤاله حتى الآن.

أقول إن الفعل الاحتجاجي، بكل ما يحمله من قيم شجاعة ونبل وتجرد، يكون في أغلب الديموقراطيات المستقرة على هامش العملية السياسية نفسها بتعريفنا السابق لها، ولكن في ظل سياق اجتماعي وسياسي كالذي عشناه وقتها، حيث لا سبيل للتعبير عن الرأي بأي وسيلة تقريبًا، فقد تحول الفعل الاحتجاجي إلى متن أو صلب العملية السياسية، هذا وإن كان يبدو من الخارج نجاحًا وانتصارًا، إلا أنه يحمل بذور أزمة حقيقية تبدت لنا فيما بعد، وهي قصور الفعل الاحتجاجي وعدم قدرته على تحقيق أي منتج حقيقي في الظروف الطبيعية.

لم تكن الحركة وقتها تمتلك أي أدوات لتقديم مشروع سياسي، ولم تكن بيننا كفاءات قادرة على تصميم مشروع كهذا، فضلًا عن تنفيذه. كان كل اهتمامنا منصبًا على التكتيكات اللازمة للحركة على الأرض، وخاصة حرب اللاعنف التي تبنينا منهجها وحضرنا كل دروسها، ولم يكن من بينها درس السياسة، بل كنا ننظر للمناصب السياسية بوصفها خيانة لـ«مبادئنا»، بنوع من التطهر الثوري الذي يقترب من درجة الحماقة، وربما كان ذلك إرهاصًا بتناقض هام عند جموع «شباب الثورة» هو تناقض الثوري مع السياسي، الذي ربما نتناوله لاحقًا.

ونتيجة لنجاح التجربة نسبيًا، فقد ظهرت في السنتين التاليتين محاولات لاستنساخها، ومن الإنصاف القول إن كلفة النشاط السياسي وقتها كانت أقل بكثير مما هي عليه الآن، مما دفع الكثير إلى محاولة تقليد الحركة، فظهرت موضة لحركات سياسية لم تختلف كثيرًا بأي حال عن حركة 6 أبريل في أفكارها أو في تنظيمها، وكان السبب الوحيد تقريبًا وراء إنشائها هو رغبة أصحابها في الوجود والتأثير (من جديد الوجود ثم الماهية). أتذكر مثلًا محاولة أحد النشطاء تأسيس حركة احتجاجية جديدة ضد التوريث، ولم تكن إلا عبارة عن دعوة لمؤتمر صحفي حتى يتكلم مؤسس الحركة ويظهر بوصفه مؤسس الحركة، في حين أنه لم يقدم أي جديد من حيث الفكرة أو التنظيم. واستمر هذا الاختزال ثم الابتذال سمة مميزة قد نتحدث عنها لاحقًا، حيث تكرر مع ائتلاف شباب الثورة (موضة الائتلافات) وتكرر كذلك مع (المليونيات)، وهي حالة مدهشة من فرض النسق تحتاج إلى دراسة جادة في رأيي.

ما بعد يناير

أتذكر جيدًا اجتماعًا حضرته بعد التنحي مباشرة تساءلنا فيه: ماذا بعد؟ ما هو دورنا في الفترة القادمة بعد أن سقط النظام (هكذا كان البعض يفكر وقتها)؟ وهل سنستمر في نفس الدور الاحتجاجي الذي بدا أنه لم تعد هناك حاجة إليه؟

كان أحد الاقتراحات وقتها أن نحلَّ الحركة، ومن يرغب فعليه الانخراط في العمل السياسي الحزبي مثلًا. ولكن في النهاية اقترح أحمد ماهر أن نقنّن عمل الحركة كمنظمة سياسية (وهو ما استغله البعض في شق الجبهة الديموقراطية بزعم أنها وسيلة للحصول على تمويل)، ومع الوقت تبلورت أفكار ماهر للحركة ودورها أن تكون مظلة جامعة تشمل أذرع للعمل السياسي الحزبي وحركة ضغط ومنظمة للشباب، وكذلك للعمل الاجتماعي والتنموي والعمل الفكري والثقافي (كان من ضمن أحلامي دائمًا إنشاء أكاديمية لـ 6 أبريل) وغيرها، وبدت الفكرة براقة وقتها.

كان من الواضح وقتها أن العمل الاحتجاجي يجب أن يتوقف، وأن فرصة البناء والمشاركة الفعالة الحقيقية قد جاء وقتها، وأن علينا التفكير في كيفية تقديم منتج جديد غير الخطاب والتحريض والتظاهر، وهنا ظهرت أزمة بنيوية جديدة، وهي أنه فيما سبق الثورة كان من السهل علينا تحديد هدفنا، وهو معارضة النظام، ولم نهتم مسبقًا بما يكفي بما نريده ومن نريده بديلًا لهذا النظام. كنا نتحدث عن الحرية والعدل والديموقراطية ونتفق أن هذه القيم هي السبيل والبديل ولكننا نختلف تمامًا فيما بيننا على الأقل في تعريفها.

ولا يمكن الحديث عن فترة ما بعد 11 فبراير مفصولًا عن السياق السياسي والاجتماعي وقتها، فما حدث كان من الضخامة والإرباك لدرجة أن أفقد الجميع تقريبًا توازنه وقدرته على الحكم الصحيح على الأمور وتحديد مقدار القوة والتأثير. كان نجوم الاحتجاج، أو نجوم الهامش السياسي، متصدرين تمامًا للمشهد بعد أن حققوا «نجاحًا» باهرًا. وعلى طريقة «جربتها ونفعت» اتجه الجميع إلى تكرار التجربة ومحاولة تقليد هؤلاء النجوم، الذين اصطلح فيما بعد على تسميتهم بـ«شباب الثورة»، وهو مصطلح اختزالي ماكر، وإن كان براقًا، حيث يختزل الثورة التي شارك في صنعها ملايين المصريين من مختلف الأعمار وعبر تراكم مجهودات سنين في مرحلة عمرية واحدة، وهي الشباب، وليس في كل الشباب أيضًا، بل شباب الثورة تحديدًا. كانت الملايين تلتف حول الشاشات لسماع هؤلاء «الثوار»، وكانت الصورة سيدة الموقف، وكان المتلقي في معظم الأحيان «متلقيًا سلبيًا» تشدُّه الحالة الرائعة من النقاء الثوري والشجاعة التي يراها، دون التفكير بشكل ناقد في مضمون ما يقال. وتحول هؤلاء الشباب، أو تحولنا بالأحرى، إلى ظواهر صوتية تليفزيونية نمطية جذابة جدًا لمزيد من الشباب للوقوع في فخ القالب الجاهز للثائر الساخط على كل شيء.

لم تمتلك الغالبية العظمي من «شباب الثورة» أدوات حقيقية للتغيير والبناء، أو مشروعات سياسية يمكن تقديمها للجمهور. والحقيقة أن القوة المعنوية والقدرة على التأثير والحشد التي كنا نمتلكها في هذه الفترة كانت من الفرص الحقيقية القليلة التي حصلنا عليها. وبالطبع استغلت الثورة المضادة هذا الإفلاس، وقامت بإلهائنا بعقبات مستمرة، مما اضطرنا طول الوقت لتسويف وتأجيل التفكير في تقديم مشروع سياسي حقيقي، فإلى جانب احتياجنا مرة أخرى للاحتجاج والتظاهر بعد مماطلات وفخاخ المجلس العسكري، إلا أنه أيضًا يمكن إلقاء اللوم علينا نحن أنفسنا، لأننا وإن كنا نعرف بدقة ما لا نريده، إلا أننا لا نعرف ما نريده تحديدًا وبدقة، وغير قادرين على ترجمة شعارات الحرية والعدل والكرامة إلى برنامج سياسي.

ومن الإنصاف أيضًا الحديث عن نقطة مهمة في هذا الجانب، وهي أنه في رأيي كما أنه لم تكن الأيديولوجيا هي الأزمة الحقيقية لـ6 أبريل (كما سأوضح لاحقًا في جزء التنظيم)، كذلك فإن غياب المشروع أو «البديل»، وهي كلمة اختزالية أخرى تكرس لفكرة محدودية الاختيار، ليس هو أزمة الثورة المصرية، حيث كانت هناك بالفعل مبادرات جيدة إلى حد كبير في كل المجالات تقريبًا وقدّمها متخصصون، إلا أنها استقرت في الأدراج أو صناديق القمامة، لأنه لم تكن هناك إرادة سياسية لتنفيذها ببساطة، وهو ما أعطى وجاهة ما لاستمرار الاحتجاج حتى إسقاط النظام بالكامل وإجبار الفاعل السياسي على البحث عن مشاريع وبدائل والمفاضلة بينها، وإجباره على تنفيذها، وهي مشكلة في حاجة إلى مزيد من البحث.

ورغم استمرار الاحتجاجات والفاعليات على مدار الوقت من يوم التنحي وحتى 30 يونيو، إلا أن الحركة طوّرت رؤيتها واستراتيجية عملها في محاولتين؛ الأولى شرفت بالمشاركة في إعدادها في عام 2012، مع إعادة التنظيم والهيكلة، وهي أيضًا أقرب لإطار عام لتصورات حول دور الدولة والدستور وحقوق وواجبات المواطن إلى جانب محاولة متواضعة منا لإنشاء مركز دراسات وأبحاث خاص بالحركة.

كان فتح المجال العام بعد التنحي وحتى 30 يونيو، عملية جديدة نسبيًا على المجتمع المصري، حيث ازداد الحديث حول مفاهيم كانت جديدة نسبيًا، مثل الدولة والثورة والديموقراطية والليبرالية والعلمانية والاشتراكية وغيرها، وحدث كل هذا في خلفية من مشهد التظاهر والاحتجاج المستمر، ما رسّخ في الوعي الجمعي للأسف ارتباطًا ما بين التظاهر وبين 6 أبريل أو حتى كل «شباب الثورة»، فتحول شباب الثورة إلى «العيال بتاعة المظاهرات»، والحقيقة كما قلنا إن معظم الشباب، والذين لم ينتموا إلى تنظيمات حتى بعد التنحي، ومعظم التنظيمات أيضًا، لم يبذلوا مجهودًا في الاشتباك مع الجانب النظري وتعريف المصطلحات، بقدر ما بذلوا مجهودًا في الاحتجاج. ونتيجة لذلك فإن معظم الوافدين الجدد على تنظيمات مثل 6 أبريل كانوا من جمهورها كحركة احتجاجية أو «بتاعة مظاهرات»، وهو ما فاقم الارتباك حول الهدف من زيادة العدد بشكل ضخم، كما أثّر على التنظيم كما سنوضح لاحقًا. وأذكر أني بدأت أدرك المشكلة حين وجّهت سؤالًا لعدد من الأعضاء حول تصورهم لدور الحركة وعن سبب انضمامهم لها لأفاجأ بإجابات أبعد ما تكون عن بعضها، ويمكن إسقاط نفس الوضع على آلاف ممن شاركوا في ثورة يناير، سواء كانوا أفرادًا أو تنظيمات.

واستمر الارتباك مع محاولات الحركة للتنظيم، حتى 30 يونيو، ومن الطريف القول إن الثورة المضادة استخدمت نفس أداة الثورة، وهي الحركات الاحتجاجية، حيث أشرفت المخابرات على تأسيس «حركة تمرد» التي كانت واجهة لإسقاط محمد مرسي.

ما بعد 30 يونيو (الإله/ الثورة في المحكمة)

دائمًا ما تكون أوقات الهزيمة والتراجع فرصة للتفكير والنقد والمراجعة والتساؤل عن الأخطاء، ومن المفهوم إنسانيًا أنه في أوقات القوة والانتصار لا يهتم المرء بمراجعة حساباته، وقد رأيت بعيني كيف حولتنا نشوة الانتصار إلى شخصيات متعالية مغرورة ضيقة الأفق، وكيف كسرتنا مرارة الهزيمة ودفعت الكثيرين إلى الانسحاب أو التشكيك في جدوى ما نفعله ونقد ومحاسبة الثورة، ولكنها دفعت مجموعة أقل إلى محاولة النقد ومحاسبة أشخاص «الثوار»، سواء كانوا أفرادًا أو تنظيمات.

يذكّرني ذلك بفيلم «الإله في المحكمة»، أو «god on trial»، والذي يحكي عن محاكمة يقوم بها مجموعة من اليهود في سجون هتلر للإله عشية اقتيادهم للحرق في أفران الغاز، حيث يحاكمون الإله على أنه أوصلهم للمحرقة، وهم من بني إسرائيل شعب الله المختار، و دون أن يسائلوا أو يحاكموا أفعالهم نفسها. وبنفس المنطق، فمن الظلم محاكمة فكرة الثورة (التي لا يساورني أي شك أنها حق) دون محاكمة أنفسنا وأفعالنا بلا مغالاة، لأننا بأي حال لا يمكننا إغفال دور الظروف الموضوعية وعلى رأسها حقيقة أن النظام لم يسقط وأن الثورة المضادة انتصرت في 30 يونيو.

ومن الإنصاف أيضًا القول أن حالة الاستقطاب الحادة وحالة الشحن والتعبئة ضد الإخوان، والتي جرى تحويلها ببراعة إلى شحن ضد ثورة يناير نفسها، شكلت مناخًا صعبًا جدًا للحركة والعمل، وكانت القبضة الأمنية البشعة والتي لم تر مصر مثيلًا لها من قبل ولا حتى في أيام مبارك، عائقًا كبيرًا أمام أي تفكير أو تحرك، أو أي فرصة لالتقاط الأنفاس. وإذا كان هناك متنفس سمح بتكوين هامش للسياسة في أواخر عهد مبارك، فإن نظام السيسي لم يسمح بأي هامش، فضلًا عن المتن. وإذا كانت تكلفة النشاط السياسي أيام مبارك تشمل الاعتقال أو الضرب أو الفصل من العمل، فإن تكلفة النشاط وقت السيسي تعدت هذا إلى القتل. فأخذت مساحات الحركة تضيق وينفض عنها الأعضاء والمتابعون، وخاصة بعد اعتقال اثنين من مؤسسي الحركة، مثل أحمد ماهر ومحمد عادل، ثم عمرو علي ورامي السيد، وهو ما جعل التنظيم يتآكل وسائر الأعضاء ينفضون إلا قليلًا.

ويبقى من المهم تذكر محاولة جديدة وجيدة جدًا، حيث أقامت الحركة ورشة ضخمة لإعادة تقييم دورها وتحديد استراتيجيتها، بذل فيها المنسق عمرو علي مجهودًا كبيرًا وانتهت بإعداد ورقة أصدرتها الحركة في 6 أبريل 2015، وهي أفضل المحاولات على الإطلاق حتى الآن.

____________________

* «اركب وبعدين نشوف» مقتبس من عنوان مقال لأحمد ماهر، وهو بدوره مقتبس من مقال للمهندس وائل عادل.

اعلان