Define your generation here. Generation What
الملفات الأساسية في العلاقات المصرية – السعودية: لا احتمالات كبيرة للخلاف
 
 

في الأسابيع الماضية بدت ملامح الخلاف السياسي بين مصر والسعودية حادة وتتسع لتشمل ملفات عدة، خاصة بعد تصويت مصر لصالح مشروع قرار روسي متعلق بسوريا، الذي انتقده المبعوث السعودي للأمم المتحدة، ووصفه بـ«المؤلم».

بعد واقعة التصويت المصري انتقدت تقارير إعلامية سعودية ما وصفته بالتقصير المصري في اليمن. وبداية الشهر الحالي اعتذرت شركة أرامكو السعودية عن توريد الحصة الشهرية من المواد البترولية المتفق عليها مع مصر. ومؤخرًا اضطر الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي السعودي، إياد مدني، للاعتذار عن ما اعتبره البعض تهكمًا على الرئيس عبد الفتاح السيسي، أثناء كلمة له بمؤتمر «ايسيسكو» بقوله مخاطبًا الرئيس التونسي قايد السبسي «أنا متأكد أن ثلاجتكم فيها أكثر من الماء فخامة الرئيس».

ردود الأفعال في مصر، سواء على المستوى الإعلامي أو على مستوى أوسع يمكن رصده من التعليقات والتصريحات المنتشرة في الفضاء الإلكتروني، جلّها ذهب إلى أن خلافًا كبيرًا يظهر، ربما يطيح بالعلاقات بين البلدين. البعض دشن هاشتاج #اهلا_بدعم_ايران_لمصر تلويحًا باستبدال الدعم السعودي بالإيراني.

الباحث السياسي نايل شامة، يرى أن الأزمة بين مصر والسعودية هذه الأيام أزمة عابرة سيتم تجاوزها مع الوقت.

ويقول شامة لـ«مدى مصر» إن «العلاقات بين البلدين قوية جدًا منذ مؤتمر الخرطوم في العام 1967. تاريخيًا كانت العلاقات تمر بأزمات، يلعب فيها الإعلام دورًا أساسيًا، ومع الوقت تثبت العلاقات أنها أقوى من هذه الأزمات، وتعود لمسارها الطبيعي. نذكر هنا الأزمة التي حدثت بسبب الطبيب المصري المحكوم عليه بالجلد في التسعينيات، وكيف كان الإعلام مستنفرًا وساهم في خلق أزمة كبيرة، إلا أن الوقت كان كفيلًا بعبور الأزمة».

في عام 1995 عاقب القضاء السعودي الطبيب المصري محمد خليفة بالجلد 80 جلدة، بسبب بلاغ اتهم فيه مدرس سعودي باغتصاب ابنه. وكان الطبيب حصل على عدة تقارير طبية تفيد تعرض ابنه لعدة عمليات اغتصاب، إلا أن السلطات السعودية قررت في فحص خاص بها أن الطالب لم يتعرض لأي أذى، ووجهت للوالد الاتهام دون سند، ونفذّت حكمها عليه. الأمر الذي أثار ضجة إعلامية في حينها، ختمها الرئيس المخلوع حسني مبارك بتأكيده أنه لن يضحي بالعلاقات مع بلدٍ بأكمله من أجل شخص واحد فقط.

وأضاف شامة: «هناك دائمًا إحساس خفي بالتوتر، خاصة لدى الإعلاميين والمثقفين في مصر، مفاده التفوق المصري، في معادلة الحضارة المصرية في مقابل الوهابيّة الإسلامية السعودية. هذا الإحساس كان دائمًا يلعب دور في تأجيج الأزمات، وفي أوقات ما كانت الحكومة تتماشى مع هذا الإحساس، لكن في نهاية المطاف تعاود السير في السياق الطبيعي».

ومن أبرز أوقات التوتر بين البلدين كان في العام 2012 عندما اعتقلت السلطات السعودية المحامي المصري أحمد الجيزاوي أثناء سفره لآداء العمرة، واتهمته بمحاولة تهريب حبوب «زاناكس»، وذلك بعد عدة شكاوى تقدم بها الجيزاوي يتهم فيها المملكة بسوء معاملة المصريين العاملين فيها.

وأحاط مئات المتظاهرين بسفارة المملكة في الجيزة هاتفين ضد الملك وسياساته، ما ردت عليه المملكة باستدعاء السفير من القاهرة. وبعد أسابيع من التصعيد الإعلامي المتبادل، تحديدًا يوم 3 مايو 2012، زار وفد مصري مكون من رئيس مجلس الشعب ورئيس مجلس الشورى وعدد من رؤساء الأحزاب والكتل النيابية، وممثلين عن مشيخة الأزهر والكنيسة القبطية، المملكة للتعبير عن عمق المشاعر بين الشعبين، ولقطع الطريق على الأزمة المتصاعدة.

وقال دبلوماسي مصري، فضل عدم ذكر اسمه، لـ«مدى مصر» إنه «ليس خافيًا وجود خلافات مع المملكة السعودية على عدد من الملفات، لكن من قال إن هذا يرتقي لدرجة الأزمة؟ هناك خلاف في وجهات النظر حول سوريا، وهذا ليس جديدًا، ولا أتصور أن أي أحد راهن في أي وقت على تطابق كامل في السياسة الخارجية بين البلدين. الأكيد أن هناك وعي كامل لدى الطرفين أن لا غنى عن وجود تعاون كامل وتنسيق للمواقف. المملكة ساعدت مصر في أوقات صعبة جدًا، وهي تدرك جيدًا أن لنا دبلوماسية مستقلة، وتحترم ذلك. في النهاية نعم هناك خلاف في وجهات النظر، لكن هذا لا يهدد بوجود أزمة سياسية على الإطلاق».

في الملفات الأساسية، من الجائز رصد عدد من القضايا العريضة التي قد تحمل فرصًا للتوتر بين البلدين. على رأس هذه الملفات قضية الحركات الإسلامية والتصالح معها إقليميًا ومحليًا، وأيضًا مسألة قيادة القرار العربي.

الإسلاميون.. معارضون وحكام

تقول مُدرسة العلوم السياسية في جامعة القاهرة، ياسمين فاروق، لـ«مدى مصر» إن «المملكة تتعامل بحذر كبير مع مسألة الحركات الإسلامية، وعلى قاعدة الترويض وليس المواجهة. على المستوى الحركي ترى المملكة أنها تستطيع الاستعانة بالحركات الإسلامية في ظروف متعددة، وترى أنه طالما يمكننا الاستفادة منهم، فلا يوجد ما يستدعي العداء المجاني. لكن الأمر يختلف مع وضعية صعود الحركة الإسلامية للسلطة في أي مكان. وهذه مثلًا مشكلة السعودية مع إيران، أن الأخيرة قدمت نموذج لإسلام سياسي ثوري بدلًا من النموذج السعودي القائم على طاعة الأمير وحصر السياسة بين يديه. وهذه أيضًا كانت المشكلة مع نظام مرسي. السعودية رأت أن الإخوان في مصر قدموا نموذج ليس مختلفًا عن النموذج السعودي من ناحية المرجعيّة الاسلاميّة، لكنه قد يكون بديلًا عنه، وهذا ما تراه السعودية تهديدًا واضحًا. بعبارة أوضح، المملكة تفضّل التيارات الإسلامية طالما بقيت تيارات معارضة، ولا تطيق وصولها للحكم».

يفسّر هذا موقف السعودية من جماعة الإخوان المسلمين بعد وصولها للسلطة في مصر. بالرغم من التقارب الكبير بينهما في الملفات التي باتت تشكل الآن محور للخلاف، على الأقل في سوريا واليمن مثلًا. لكن بقي الموقف الأساسي، أن المملكة لم ترحب كثيرًا بالإخوان كنظام حاكم.

يقول شامة: «السعودية تخاف من التغيرات الكبرى التي تحدث في مصر. بدءًا من وصول عبد الناصر للحكم في القرن الماضي، وما أدى إليه ذلك من انتشار الميول العروبية والتحررية، وصولًا إلى دور مصر في الربيع العربي الذي أدى إلى التحركات في البحرين، والتي أجبرت المملكة على التدخل العسكري المباشر لقمعها. وفي هذا السياق، عندما وصل مرسي للحكم رأت المملكة بوضوح أن الأفضل لها هو التعامل مع حليف مضمون وقوي وهو الحليف الممتد من الدولة وليس الإخوان».

تشير فاروق إلى نقطة أخيرة في مسألة الإسلاميين، قائلة: «في بلدٍ لا تمتلك مؤسسات متماسكة عادةً ما يكون الموقف المبني على أبعاد شخصية أقوى وأوضح. وزير الداخلية الراحل الأمير نايف بن عبد العزيز كان يكن عداء واضح للإخوان المسلمين. والملك الراحل عبد الله كان يتذكر جميل وقوف مبارك مع دول الخليج في حرب تحرير الكويت. هذه المواقف الشخصية كان لها أثرًا لا نستطيع إغفاله».

لم يكن وزير الداخلية وولي العهد حتى وفاته في العام 2012، نايف بن عبد العزيز آل سعود، يخفي عدائه لجماعة الإخوان المسلمين، وله تصريحات عدة عن كون «الإخوان أصل البلاء ومصدر المشكلات. ناصبوا المملكة العداء أثناء حرب الخليج (عام 1991)».

وعلى الرغم من التصريحات المتعجلة التي انطلقت عقب تنصيب الأمير محمد بن سلمان وليًا لولي العهد ووزيرًا للدفاع، بأن النظام السعودي سيضغط بقوة لإتمام مصالحة مصرية-مصرية بين الحكومة والإخوان المسلمين، وإعادة تطبيع للعلاقات مع كل من قطر وتركيا، إلا أن هذا الملف يبدو أنه نال قسطه من المبالغة أيضًا، إذ يحيط التشكك في إذا ما كانت البلدان ستضعان هذا الملف في الحد الفاصل بينهما.

تقول فاروق: «لا أعتقد أن المملكة السعودية قد تترك لهذا الملف أن يوتر العلاقات مع مصر. نعم قد يُستخدم هذا الملف في الضغط السياسي في الظرف الحالي، لكن لن يكون ضغطًا عنيفًا. الأمر ليس بالدرجة إلى أن يجعل دول صديقة تتباعد».

شامة يوافق فاروق الرأي، ويقول: «درجة الأولويات لدى كل نظام سياسي متفاوتة بشدة. نحن هنا نريد أن نسأل ما هي القضية التي يراها النظام في مصر عُرضة للتفاوض والأخذ والرد، وما هي القضية التي لا تحتمل ذلك. حتى الآن يعد ملف الإخوان المسلمين بالنسبة للنظام مغلقًا. وفي الظروف الحالية قد يقبل النظام بالمصالحة الإقليمية مع تركيا مثلًا أو قطر، أما أن يتصالح مع الإخوان فهذا أمر بعيد، والسعودية تدرك ذلك جيدًا. لكن لو وصلنا إلى مرحلة بات للنظام فيها تقديرًا آخر، كأن مصلحته مثلا تتطلب المصالحة، فسيكون الوضع مختلف حينها”.

المنافسة على القيادة

ترى العديد من الآراء أن التنافس بين البلدين حول القيادة الإقليمية يزيد فرص التوتر بينهما، خاصة بعد ركود المشاورات المتعلقة بمقترح القوات العربية المشتركة التي، بطبيعة الحال، كانت ستلعب فيها مصر الدور القيادي الأول لاعتبارات قوة الجيش العددية والاقتصادية، وذهبت هذه الآراء إلى أن المملكة تفضل العمل المشترك في سياق قوات درع الجزيرة أو قوات إسلامية مشتركة، تذهب فيها القيادة لدول أخرى كبرى كباكستان لا تستطيع منافسة السعودية على المستوى العربي.

هنا، تقول فاروق: «هناك إشكالية أصلًا في مسألة القيادة الإقليمية هذه. لو تحدثنا بشكل مبدئي فقد نرى أن القيادة الطبيعية للمنطقة من نصيب مصر، هي الدولة التي تستطيع إحداث تغيير كبير في المنطقة كامتداد للتغيرات الواقعة داخلها. لكن بالنظرة الأعمق للمسألة هناك أسئلة متعلقة بالموضوع يجب الإجابة عليها. ما هو المقصود بالقيادة؟ وكيف تعمل؟ مثلًا، لو دعت مصر لمؤتمر دولي لحل الأزمة السورية، فهل ستشارك الدول العربية تجاوبًا مع الدعوة المصرية؟ ولو حدث العكس وتبنت السعودية نفس الدعوة، فهل ستجد إجماع عربي؟ في الواقع الإجابة على السؤالين هي بالنفي».

بدوره، يقول شامة إن «عندما كانت مصر لديها تطلعات لقيادة المنطقة وقت عبد الناصر مثلًا، بالطبع هذا أنتج عدد من الأزمات العنيفة مع السعودية، لكن في الحقيقة مصر الآن لا تتطلع لأي دور قيادي، يمكننا القول إنها تسعى لأن تكون لاعب أساسي في المنطقة. أما السعودية فمحكومة بالهوس الإيراني في المنطقة، وهو أولويتها الأولى».

تكمل فاروق الحديث: «تاريخيًا كان هناك تقسيم إقليمي واضح بين البلدين، وكان هناك احترام لهذا التقسيم. لكن بدءًا من 2003، ومع ضعف مبارك إقليميًا بدأت السعودية تخترق مساحة مصر التقليدية، وتستضيف وفود من غزة وتتوسط حتى في السودان. نستطيع القول إن مصر الآن تسعى لإعادة هذا التقسيم التقليدي، لكن تبقى الأزمة أننا لا نملك ما نقدمه في هذا الصدد، إلا أن يستثمر طرفًا ما فينا، كأن تقدم مصر مثلًا على أنها الطرف الإقليمي الذي يحتفظ بعلاقات مع نظام بشار الأسد ويستطيع التوسط إقليميًا على أساس أنها الدولة التي لم تتدخل عسكريًا في سوريا، وأيضًا لديها موقف واضح من المسألة السورية، هنا مثلًا يمكن أن تعود مصر لانتزاع مساحة إقليمية جيدة، غير ذلك، فالطرفين ليس لديهما ما يقدماه لما يسمى القيادة الإقليمية».

اعلان