Define your generation here. Generation What
سمير الكردي، واقع معماري مرير ومغامرات جديدة
 
 

رجل طويل القامة، نحيف، لطيف الكلام، وقد يصل عشقه للاختلاف حد الحماقة؛ هذا هو سمير كردي. «الجهل هو الفضيلة الأساسية لهذا المشروع»، قالها ليَ المعماريُ عن المنزل الذي يبنيه الآن، والذي يُعّد الخامس له. يُطلق عليه اسم «Gym House – منزل الجيمنازيوم»، فالجيران والجهات المختصة على قناعة تامة بأنّه صالة رياضية وليس منزلًا.
عندما ذهب مع العميل لرؤية الموقع لأول مرة بمدينة الرحاب في القاهرة الجديدة، عرف على الفور أن هذا المشروع سيكون بمثابة تحدٍ له: دور أرضي نصف مجوف لعمارة سكنية ومغطى تمامًا بأسوار عالية تحيط بالعقار، «حالة ملتفة

«ما أعجبني به هو امتلاؤه بالعيوب»، يقول سمير.

screen-shot-2016-10-24-at-1-24-09-pm

أدّت حلوله المعمارية إلى إنشاء مساحة مدهشة؛ معاصرة ولكن محافظة، واسعة ولكن صغيرة، تتمتع بالفخامة ولكن بسيطة أيضًا، اجتماعية وعالية الخصوصية في آن واحد، وبتصميم وتخطيط أقرب إلى بيت وليس مجرد شقة. كانت الطريقة الوحيدة لعدم وضع غرف النوم بأطراف المنزل جنبًا إلى جنب الحديقة، هي وضعها في منتصف التصميم، وبالتالي، جعلها كهوفًا لعدم وصول الضوء الطبيعي إليها. «لا أحد يضع غرف النوم في قلب المنزل»، يقول كردي، فهي تحتاج للضوء الطبيعي والتهوية. ومع ذلك، استطاع سمير أن يتوصل إلى الحل بواسطة منهجين.
الأول هو ما يسميه «الثبات والمرونة». كل الأشياء ثابتة، ولكن أضيفت المرونة إلى التجربة. لدى كل مساحة عدة وظائف، فكل واحدة متصلة بطرق عديدة بمساحات أخرى ومصممة لتولّد أحداثًا. على سبيل المثال، قد تُفتح غرف النوم بأكملها لتكوّن امتدادًا لغرفة المعيشة. وقد صُمّم السلم الخارجي لغرفة النوم الرابعة الواقعة أسفل الأرض ليعمل أيضًا كمنطقة جلوس، حيث تمكن رؤية قرص الشمس وهو يهبط أسفل تلك الأسوار العالية وقت الغروب. قد تُعد بعض تلك اللمسات كتلك التي تُرى في أفلام جيمس بوند: طاولة غرفة المعيشة التي تحمل التليفزيون تظهر من خلفها مكتبة مُجوّفة، كما ينبثق بار من قلب الحائط المجاور لحمام السباحة.

Photo Rana ElNemr

Photo Rana ElNemr


المنهج الثاني هو استخدام طبقات شفافة وأخرى شبهشفافة تسمح بمرور القليل من الضوء وطبقات مُعتمة، وذلك من أجل الحصول على أقصى اتصال بصري مع الخارج. فقد غطّت ستائر ذهبية شفافة نوافذ غرفة المعيشة الضخمة. ويقع جناح مخصص للشيشة في ركن غرفة المعيشة، بسقف مفتوح يحيط به زجاج فايبر مزخرف. واستُخدم ورق حائط يمتص الصوت مصنوع من المطاط الأخضر المخصص للسيور الناقلة داخل المصانع. أعطت أيضًا مختارات القشور الخشبية القديمة غير المتناسقة لمسة كرتونية للمكان. وفي أثناء بحثه عن خشب الزيتون، وجد كردي صانع أمشاط يستخدمه، وانتهى به الحال إلى الذهاب لمدينة الإسماعيلية لشراء أشجار زيتون، ثم تركها لتنضج مدة أربعة أشهر، وبعد ذلك، وبالتعاون مع صانع الأمشاط الذي لم يفعل شيئًا مماثلًا في حياته من قبل، حصل كردي على ذلك البلاط المعطّر الذي يغطي أرضية غرفة الملابس.

وكما كان الحال في تحضير كل شيء آخر، كعملية خلط أرضيات التيرازو وتقطيع الرخام، فقد صُنّع البلاط داخل الموقع. ففي أغلب الأوقات، كان سمير يذهب بنفسه يوميًا ليشرف على كل التحضيرات، وإلا سيضطر العميل إلى التعاقد مع مقاول مختص في تلك النوعية من الأعمال، وكان ذلك ليُكلف العميل أموالًا ضخمة. أدّى أيضًا وجود سمير بالموقع إلى تعامله مع الجهات المختصة، والتي كانت دائمًا تسعى للتأكد من أن المكان ليس صالة جمنيزيوم. فكل الأشياء تدل على كونه ليس منزلًا: البنية غير المألوفة بجانب الخامات اللافتة وطاولة الطعام المصنوعة من زجاج الفايبر.

«أنا شديد الاهتمام بالمجتمعات الجديدة» يقول كردي، ويوضح أن تلك المدن الواقعة على أطراف المدينة تعطي الفرصة لمزيد من الاحتمالات والطاقات، كصحف بيضاء-Tabula Rasa. وهذا ينبع من نظرته للفن المعماري كعملٍ سياسيٍ، «لا بد وأن تكون جزءًا من النظام. منزل الجيمانيزيوم ذلك هو جزء من نظام البيوت الجديدة، ومن نظم الحياة الجديدة، ومن مغامرات المصريين المعاصرين لينخرطوا داخل المجتمع من خلال المدن المغلقة. لا بد وأن تكون جزءًا من المجتمع، وإلا، بابتعادك عن المشاركة فيه، فستحرم نفسك من المشاركة في تقديم خدمة جيدة لهذا النوع من الحياة الجديدة، وستسمح لأنصاف الموهوبين ولمتوسطي الخيال من المعماريين بالمشاركة بدلاً منك. لماذا تفعل ذلك بنفسك؟»

ولد كردي بمحافظة القاهرة عام 1974، ولكن لأن والده كان قائدًا بوزارة الداخلية، فقد عاش سمير مع عائلته أربعة عشر عامًا بميناء مرسى مطروح الواقع بين مدينة الإسكندرية والحدود الليبية. يقول كردي أن هذا أنشأ بداخله إحساس الفضول والرغبة في الملاحظة، «وهذه أشياء هامة جدًا في مهنتي». كانت مرسى مطروح هي المقصد الأول للمصيفين في ذلك الوقت، حيث تمتلئ بالغرباء كل عام. عليك أن تكون شديد الملاحظة لتتعامل مع كل هؤلاء البشر بدون التعلق بشخصياتهم، يقول كردي. لم تكن هناك أشياء لتمارس عدا السباحة والقراءة. ولحسن الحظ كانت لدى عائلة كردي مكتبة ضخمة بالمنزل، وكان أول كتاب يقرأه هو مسرحية «لا مخرج» لجان بول سارتر، والتي وقعت أحداثها بالجحيم.

The pavilion. Photo: Rana ElNemr

The pavilion. Photo: Rana ElNemr

كانت رغبة الكردي الأولى أن يدرس بالمعهد العالي للسينما ليصبح مخرجًا، ولكن عائلته فضّلت أن يدرس الهندسة أولًا لأنها ستثقل من تجربته، ولكن الأمور لم تجر حسب الخطة. لم يدرس كردي السينما على الإطلاق في النهاية، ولكنه لا يشعر بالندم، فالسينما والعمارة يتشابهان في العديد من الأمور. لابد أن يكون لدى المُنتَج في الاثنين بنية متتالية وسردية في العرض، ولكي تكون واحدًا من صنّاعهما، لابد وأن تحمل رؤية للواقع، ومعرفة واسعة لمجالات أخرى بالحياة والمقدرة على الربط بينهم. لا أحد يستطيع حصر مهنتي السينما والعمارة.
تخرج سمير عام 1997 من جامعة القاهرة، حيث التقى بمعلمه وملهمه عبد الحليم إبراهيم، الذي وعلى عكس كردي، لا يهتم بالحداثة ويصب تركيزه على العمارة الإسلامية، وحرم الجامعة الأمريكية الجديد هو خير مثال على عمله. يقول سمير كردي عنه إنه يمتلك نهجًا معماريًا محددًا وشاملًا، يستطيع من خلاله إيجاد أرضية مشتركة بينه وبين المتعاونين معه. ومثل معلمه، يهتم كردي بأوجه التشابه بين الشخصيات وليس بالتناقضات، ولا يزال يرى أن عبد الحليم هو المعماري الأهم في مصر. تعاون سمير مع معلمه وساعده في تصميم مكتبه الجديد عام 2002. كانت الدعوة بمثابة تعبير عن الثقة، ومثّل العمل مع المعلم ضغطًا كبيرًا عليه أيضًا، ولكن في النهاية، كانت رحلة تعليمية مثمرة لكردي.

بدأ كردي أعمال التصميم الداخلي عام 2001، وكان أول مشروع له هو تصميم صالة بلياردو على سطح عقار بهليوبوليس، والذي تحول، برغم محاولات كردي لإقناع العميل بعدم فعل ذلك، إلى بنتهاوس كامل. عادة ما يأتي العملاء لكردي بعد رؤية أعماله في المجلات المعمارية، فلا وجود لسمير على أي من مواقع التواصل الاجتماعي، فهي تفرض نمطًا محددًا من التطابق على حسب كردي، «لن أصنع لنفسي قوقعة».

The billiards room that became a penthouse. Photo: Rana ElNemr

The billiards room that became a penthouse. Photo: Rana ElNemr

ذهب سمير إلى سويسرا للعمل لمدة سنتين في مكتب العمارة الشهير هيرتسوغ ودي مورون(واللذين صمّما متحف Tate Modern بلندن). لفتت انتباهه حساسية العمل هناك وأراد أن يتعلم أكثر حول عملية تصميم مشاريعهم. ومن هنا، ذهب إلى مدينة روتردام ليعمل بمكتب الهندسة المعمارية المتروبوليتانية. وفي يومه الثاني، كان سمير بمكتب رم كولهاس، واحد من مؤسسي المكتب، وقد شكلت هذه المقابلة الرابط ما بين الاثنين. فواقعية كولهاس البائسة، والتي تمتلئ بالسخرية في بعض الأحيان «المدينة هي ماكينة إدمان بلا مخرج للهروب»، تلاقت مع ما يدور داخل رأس كردي.

عاد كردي إلى القاهرة عام 2009 ومازال يعمل بها حتى الآن. يقع الاستوديو الخاص به في حي المعادي حيث يسكن أيضًا. وقد شكل لنفسه نوعًا خاصًا جدًا من مناخ العمل يتناقض تمامًا مع مناخ العمل الصارم الخاص بمعلمه عبد الحليم. يعين كردي من واحد إلى خمسة مساعدين له في كل مشروع، بالإضافة إلى المتدربين، كما يتعاون أيضًا مع مهندسين معماريين وعلماء في العلوم الإنسانية ومحامين وعلماء سياسة واقتصاد وإعلاميين وفنانين وروائيين. دائمًا ما يوضع تصور المشروع وتتضح رؤيته من خلال النقاشات والقراءات والتجارب مع أفراد الفريق. «لا تستطيع ممارسة فن العمارة وحيدًا»، يوضح كردي. ولكن في الوقت ذاته، يقوم فن العمارة على شخص واحد. «العمارة»، وكررها لي باستمتاع، «هي مهنة متناقضة جدًا».

أضاف سمير، «تعريف الأشياء هو شئ في غاية الأهمية». فالأسئلة التي نناقشها تتضمن: ما هو معنى «المجتمع الجديد» بالنسبة لأحلام الطبقة المتوسطة؟ ماذا يعني أن تبني مجمعًا سكنيًا خاصًا؟ ما هو الاختلاف بين امتلاك منزل هنا وبين امتلاك واحد في منطقة أخرى في المدينة؟ ما هي الثورة، أكانت مجرد زخم ضاع، أم أنها طرف الخيط لعملية طويلة من المقاومة والمعارضة؟ وبناء عليه، تندرج تعقيدات الحياة الواقعية داخل كل تصميم لمبنى. «أنا لا أصمم مدنًا فاضلة» يقول كردي، «فالوضع في غاية البؤس».

A project for Rampart Retreat Touristm - The International Architecture Biennale Rotterdam, made in collaboration with Rana ElNemr

A project for Rampart Retreat Touristm – The International Architecture Biennale Rotterdam, made in collaboration with Rana ElNemr

استلهم المنهج الخاص به في العمل من الطرق التي عادة ما يُنتج بواسطتها الفن المعاصر، كما يتداخل عمله مع الفن في عدة أحيان. شارك سمير في معارض عديدة للتصميم، على سبيل المثال، شارك في معرضٍ ببيت الفن بمدينة ميونخ عام 2010، كما تعاون مع زميلته الفنانة رنا النمر، في عدة مشاريع. وفي 2012، أنشأ عملًا فنيًا مجمعًا تحت اسم «نصب تذكاري للتعبيرات الطنانة – A Monument to Buzzwords »، وهو مجموعة من الصور تظهر بداخلها ممرات خرسانية تحتل نفس الطرق التي سلكها المتظاهرون عام 2011.

يرتبط الفن المعماري بالسياسة بشكل مباشر، يقول كردي. فالفن المعماري هو فعل سياسي بحكم السياق، وبحكم متطلبات العملاء وسوء الفهم المستمر من قبل الجهات الحكومية. أوضحت الثورة الصراع مع القوى الحيوية في مصر، الشيء الذي يراه سمير مفيدًا. ففي العمارة، لابد أن تخلق لنفسك قوتك الخاصة وأساليبك الدفاعية، حتى وإن كانت لمجرد إقناع الناس بأنك تعمل على بناء منزل، وليس صالة جيمانيزيوم.

هذا النص يُنشر بالتعاون مع موقع كايرو أوبزرفر بمناسبة معرض القاهرة الآن! مدينة غير مكتملة، والذي ينسقه محمد الشاهد من كايرو أوبزرفر في إطار فعالية أسبوع دبي للتصميم“.

اعلان
 
 
جينفر إيفانز