Define your generation here. Generation What

السعودية ومصر: تطلعات متناقضة

على أغلب الأحوال، لم يكن دعم المملكة العربية السعودية لمصر عبر السنوات الثلاثة الفائتة، إلا جزءًا من استراتيجيتها الإقليمية لمواجهة النفوذ الإيراني المتمدد في المنطقة العربية منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وهو النفوذ الذي تراه المملكة مهددًا لها بالضرورة، ولمجمل المنطقة العربية. وبالإضافة لأولوية المملكة في الحفاظ على سياستها الداخلية من محاولات التدخل الإيراني، فإنّها ترى كيانها السياسي وسياستها الخارجية حاجز صدّ في المنطقة ضدّ النفوذ الإيراني، الذي يتطلّع للوصول للشمال الأفريقي.

بالإضافة إلى النفوذ القديم لإيران في لبنان والعراق، والذي يعود لما قبل 2011، فقد استثمرت طهران اندلاع الثورات العربية لصالح سياساتها ومصالحها الخارجيّة؛ حيث أدّى تدخلها في سوريا واليمن إلى توجيه بوصلة الثورتين فيهما بشكل تاريخي. أما في مصر، فقد أذنت ثورة 25 يناير 2011 بفتح صفحة جديدة في العلاقات المصرية الخارجية، وسمحت بالتالي بفتح نافذة لعودة العلاقات الإيرانية المصرية المنقطعة منذ 1979. وبالموازاة مع ذلك، حاولت إيران أن تجد لها موطئ قدم في مصر بعد 2011 عبر الأنشطة التجارية والسياسية والثقافية والدينية. ومن الأنشطة الثقافية نذكر على سبيل المثال، أنشطة رابطة الحوار الديني وجهود رئيسها حميد رضا غريب بعد الثورة المصرية.

وقد تنبهت السعودية و الإمارات في وقت مبكر للاستعداد الإيراني للاستثمار لإعادة العلاقات مع مصر، فسارعت كل من الدولتين لتخصيص مبالغ مالية لمساعدة مصر في بناء اقتصادها بعد الثورة. وتذهب بعض التحليلات إلى أنّ المساعدات السعودية الإماراتية كانت بهدف قطع طريق التطبيع التجاري مع إيران، والذي قد يفتح الباب في النهاية لتطبيع كافّة العلاقات بين مصر وإيران.

وقد جاء صعود الإخوان المسلمين في مصر لسدة الحكم في 2012 ليهيء فرصة مواتية لعودة العلاقات الرسمية بين مصر وإيران. ففي سابقة تاريخية، زار الرئيس الأسبق محمد مرسي إيران مشاركًا في قمّة عدم الانحياز في 30 أغسطس 2012، ليصل بذلك حبل العلاقات الرسمية الذي انقطع منذ معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل في 1979. وفي 5 فبراير 2013، زار الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد مصر للمرة الأولى بعد القطيعة، وحرص على لقاء شيخ الأزهر، أحمد الطيب، وعلى زيارة أضرحة أهل البيت في القاهرة.

ورغم أن خطاب الرئيس الأسبق محمد مرسي في قمة عدم الانحياز كان ناقدًا لموقف إيران الداعم لبشار الأسد، ورغم إعلان الأزهر في بيان صحفي عقب زيارة نجاد لرفضه القطعي لما أسماه المد الشيعي في البلاد السنية، ولرفضه التدخل الإيراني في دول الخليج العربي، إلاّ أنّ إيران اعتبرت عودة العلاقات الرسمية بين البلدين، وقبول الأزهر لزيارة أحمدي نجاد، نصرًا كبيرًا. وفي تصوري، فإنّ إيران عدّت هذه الخطوة محورية في إطار استراتيجيتها الخارجية الطامحة للعب دور القوة الإقليمية العظمى في المنطقة.

جاء التقارب الإيراني المصري المكثف، الذي شهده عام حكم جماعة الإخوان المسلمين لمصر، على خلفية الافتراض الإيراني أن حكمًا إسلاميًالمصر سيكون حليفًا طبيعيًا لها. بالإضافة إلى المشتركات الأخرى بين جماعة الإخوان المسلمين والنظام الإيراني مثل مركزية القضية الفلسطينية، وملف التقريب بين المذاهب الإسلامية، وهي المشتركات التي كانت إيران لتستثمر فيها لتحقيق التقارب بين الدولتين، لو افترضنا استمرار حكم الجماعة، و هو الذي لم يحدث.

راقبت المملكة العربية السعودية نشاطات النفوذ الإيراني في مصر باهتمام بالغ في 2011 و2012، وكانت على تواصل دائم مع رموز الأزهر ورموز أخرى من تيارات إسلامية، عبر السفير السعودي في القاهرة، بخصوص ما يمكن تسميته بـالملف الشيعي في مصر”. وبحسب التقرير الذي نشره مدى مصر، وبناء على ما أظهرته وثائق ويكيليكس من تسريبات السعوديةفي 2015، فقد تابعت المملكة بقلق بالغ تطورات التقارب الإيراني المصري، سواء على مستوى السياسة الخارجية، أو على مستوى المؤسسات المرجعية الدينية العلمية في كلا البلدين الممثلين للمذهبين الإسلاميين الأساسيين.

ولذا، يبدو أن السعودية قد أخذت عودة العلاقات المصرية الإيرانية هذه على محمل الجد، واعتبرتها مؤشرًا قويًّا لاحتمالية التحالف المستقبلي بين مصر وإيران، وهو ما يمثل تهديدًا لها.

وفي ظل تلك المعطيات، يمكن القول إن التقارب المصري الإيراني الرسمي والمعلن في عام حكم الجماعة لعب دورًا في قرار المملكة بدعم الإطاحة بحكم الإخوان في مصر صيف 2013. ففي الواقع، لا يوجد عداء تاريخي بين السعودية وجماعة الإخوان المسلمين، إذ استقبلت المملكة بحفاوة الإخوان الهاربين من بطش الرئيس السابق جمال عبد الناصر في الخمسينيات والستينيات، وكذلك فعلت مع إخوان سوريا في السبعينيات والثمانينيات. وهذا ما أكده تصريح وزير الخارجية السعودية الراحل سعود الفيصل، في فبراير 2015، حين قال إن مشكلة المملكة ليست مع الإخوان المسلمين ولكن مع أقلية بايعت المرشد.

ولذا أذهب إلى أنّ دعم السعودية للإطاحة بحكم الإخوان لم يكن هدفًا بذاته، وإنّما كان الهدف منه الإتيان بنظام مصري يتبع قيادة المملكة السعودية في المنطقة العربية ويساعد على تنفيذ استراتيجيتها وأولوياتها، بل وتحدد له المملكة أدوارًا إقليمية بعينها في إطار أولوية صراعها مع نفوذ إيران في الشرق الأوسط.

وعلى ذلك، فإنّ رؤية المملكة لدعم تحالف الثلاثين من يونيو في 2013 كانت رؤية بعيدة المدى، وإقليمية بالدرجة الأولى؛ حيث تطلعت إلى بناء تحالف سنّي إقليمي، يسعى للتصدي للنفوذ الإيراني الذي حقق نجاحًا كبيرًا في اليمن وسوريا، بالإضافة إلى النفوذ المتوفر منذ ما قبل 2011 في العراق ولبنان.

وبينما قاربت المسألة السورية بين السياسات الإقليمية لكل من السعودية وتركيا، فقد بدا أن الضلع الثالث المفقود لاستكمال التحالف هو الضلع المصري. وقد رأت المملكة فيما يبدو أن بإمكانها المساعدة في حل المشاكل الاقتصادية الداخلية لمصر عبر المساعدات والمعونات، لتتفرغ مصر لأعباء أدوارها في هذا التحالف الإقليمي. كما رأت أنّ بإمكانها رفد هذا التحالف بالرؤية الاستراتيجية وبالتمويل اللازم، في حين تعطي مصر القوة البشرية، والمكانة التاريخية المتمثلة في كونها حاضنة الأزهر، معقل الإسلامي السنّي، وهو الدور الأهم.

يمكن القول إذن أن الهدف الاستراتيجي للمملكة من دعم مصر هو بناء مثلث تحالف إقليمي، أضلاعه السعودية وتركيا ومصر.

ولكن العلاقات المصريةالتركية في السنوات الثلاثة الأخيرة كانت عائقًا أمام بناء مثل هذا التحالف. إذ استمرت تركيا في دعم الإخوان المسلمين الذين أطاح الجيش المصري بحكمهم، بدعم وتأييد من السعودية. واستمرت السياسة العدائية بين مصر وتركيا حتى أصبح التصالح بين البلدين خيارًا ضروريًّا بعد الانقلاب الفاشل في تركيا في 15 يوليو 2016.

وتُوّج التقارب المصري السعودي بموافقة مصر في أبريل 2016 على نقل السيادة على جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية. وفي حين بدا هذا الحدث مركزيًّا في السياسة الداخلية المصرية، فهو لم يكن أكثر من حدث هامشي في السياسة الإقليمية.

ويبدو للمتابع أنّ الخارجية المصرية اتخذت قرارًا بعدم ترتيب أية التزامات إقليمية أو دولية على الدعم السعودي لمصر. ظهر ذلك في مواقف عديدة لمصر من الأزمة السورية في مجلس الأمن، حيث تغيبت في يونيو 2016 عن الخطاب الموجه لمجلس الأمن في يونيو 2016، كما تغيبت في سبتمبر 2016 عن الاجتماع الدولي الذي رعته السعودية لبحث الوضع الإنساني في سوريا، بالإضافة لاجتماع وزير الخارجية المصرية سامح شكري مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف على هامش اجتماع مجلس الأمن في 23 سبتمبر. ثم كانت القشة التي قصمت ظهر السعودية، حين صوتت مصر لصالح قرارين متناقضين بشأن سوريا في الجلسة الأخيرة لمجلس الأمن، التي انعقدت في 8 أكتوبر، وهو الموقف الذي أثار غضب المملكة. حيث صرّح عبد الله المعلمي، مندوب السعودية في مجلس الأمن، معلّقًا على الموقف المصري كان مؤلما أن يكون الموقف السنغالي والماليزي أقرب إلى الموقف التوافقي العربي من موقف المندوب العربي (المصري)…”

ومن حينها، بدا أن مصر قد اتخذت قرارًا بالانفراد عن السعودية في سياستها الخارجية تجاه سوريا. فبشكل مفاجئ، دخلت مصر في الأزمة السورية باعتبارها وسيطًا في الخلاف حول مدينة حلب، إذ أعلنت وزارة الخارجية المصرية في تصريح رسمي عن نجاح وساطتهافي حلب في 20 من الشهر الجاري، وهو اليوم الذي أعلنت فيه روسيا عن هدنة لمدة ثلاثة أيام. كما أنّ دخول مصر المفاجئ هذا جاء بعد أيام من زيارة رئيس مكتب الأمن الوطني السوري اللواء علي المملوك العلنية إلى القاهرة لأجل التنسيق الأمني.

الآن، وبعد ثلاث سنوات من محاولات المملكة الحثيثة لبناء تحالف سنّي، يظهر فشل هذه المساعي، حيث تحول العقبات على المستويين الداخلي والإقليمي دون بنائه، فكلٌّ من تركيا ومصر ترى علاقاتها الخارجية امتدادًا لسيادتها القطرية واستقلالها في قراراتهما، والواضح أنّ المصالح الخارجية لكل من البلدين على تناقض. أمّا على المستوى المصري فالجيش، وهو المستفيد الأكبر من التقارب السعودي، لديه تاريخ من العلاقات الجيدة مع روسيا، يجعل إمكانية استثمار هذا الميراث واستعادته، ممكنة في أي وقت. كما أن جهاز الخارجية المصرية، الذي يملك ميراثًا من تقاليد العمل الدبلوماسي، والتحالفات التاريخية، يرفض الانصياع لتحالف إقليمي جديد تقوده المملكة، بل ويتعامل مع لحظة دعم السعودية لتحرك الثلاثين من يونيو باعتبارها لحظة انتهت، وغير ملزمة.

في النهاية، يمكننا استنتاج أن مصر لم تلتفت من الأصل لمآرب السعودية في استكمال الضلع الثالث لمثلث التحالف السنّي الإقليمي الذي سعت إليه منذ صيف 2013، بل فضّلت تحديد علاقاتها وتحالفاتها الخارجية بناء على سيادتها المنفردة ومصالحها القطرية المباشرة، والتي تتناقض مع تطلع المملكة لقيادة تحالف سنّي في المنطقة ليواجه النفوذ الإيراني.

اعلان
 
 
خديجة جعفر