Define your generation here. Generation What
تونس التي اقترضت من الصندوق.. تقشف وتضخم وتراجع للدينار
 
 
فتحي الشامخي
 

في الوقت الذي تنتظر فيه مصر موافقة المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي على قرض بـ 12 مليار دولار، تحدث «مدى مصر» مع النائب في البرلمان التونسي عن حزب الجبهة الشعبية اليساري، فتحي الشامخي، حول التجربة التونسية مع الصندوق، والتي كان آخر محطاتها اتفاقين متواليين: الأول أبرمته حكومة حزب النهضة الإسلامي في 2013 بقيمة 5.34 مليار دولار، والثاني أبرمته حكومة الحبيب الصيد في منتصف العام الحالي بقيمة 2.9 مليار دولار.

يقول الشامخي ، الذي تقدم في يونيو الماضي بمشروع قانون لمراجعة الدين الخارجي، إن النتيجة المباشرة للاتفاق الجديد هو الأزمة السياسية المحتدمة حاليًا بسبب ما أسماه بـ«أوامر صندوق النقد الدولي» للحكومة الحالية بالتراجع عن اتفاقها السابق مع الاتحاد التونسي للشغل (اتحاد النقابات العمالية) المتعلق بزيادة الأجور، وصولًا إلى إحالة مشروع الموازنة لمجلس النواب في نهاية المهلة التي يتيحها الدستور دون أن يشمل الاتفاق.

ورصد تقرير سابق نشره «مدى مصر» ارتفاع الأجور التونسية في موازنة سنة 2016 بنسبة 12%، بضغط من الاتحاد التونسي للشغل، لكن  كريستين لاجارد، مديرة صندوق النقد الدولي، انتقدت هذا التوجه في خطاب لها إلى البنك المركزي التونسي في سبتمبر 2015، معتبرة أن الوفورات «التي تحققت من انخفاض دعم الطاقة مع انخفاض أسعارها في السوق العالمي التهمتها الزيادة في الأجور في القطاع الحكومي».

ويرى الشامخي أن هذه الأزمة التي أثارها تراجع الحكومة عن اتفاقها مع الاتحاد تهدد «جوهر التوافق» الذي فازت لأجله اللجنة الرباعية للحوار الوطني في تونس بجائزة نوبل للسلام العام الماضي.

وتتألف اللجنة الرباعية  التي تشكلت عام 2013 من أربع منظمات: الاتحاد العام التونسي للشغل، الاتحاد التونسي للصناعة والحرف والصناعات اليدوية، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، ونقابة المحامين التونسيين.

ويقول الشامخي: «انعكس الاتفاق الجديد (مع صندوق النقد الدولي) بوضوح على (مشروع) الموازنة الجديدة في صورة عدد من الإجراءات ذات التأثير التضخمي على رأسها تعديلات مقترحة على قانون الضريبة على القيمة المضافة»، موضحًا أن «التعديل الجديد يتضمن رفع الضريبة على عدد كبير من السلع والخدمات من 12% (في الوضع الحالي) إلى 18%، وهو ما يشمل الضريبة على خدمات نقل البضائع، وهو ما سينعكس بشدة بالطبع على أسعار كل السلع تقريبًا حتى التي لن تشهد ارتفاعا في سعر الضريبة عليها».

وأوضح الشامخي: «يتضمن القانون حاليا ثلاثة شرائح لسعر الضريبة: 6% و12% و18%. الاقتراح الذي دعا إليه صندوق النقد الدولي هو إلغاء الشريحة الوسطى ورفع الضريبة على كل السلع التي كانت تشملها سعر الضريبة الملغى إلى الشريحة الأعلى».

فتحي الشامخي، النائب في البرلمان التونسي

فتحي الشامخي، النائب في البرلمان التونسي

وكان بيان صندوق النقد في أغسطس الماضي بالموافقة على اتفاق على مستوى الخبراء بشأن القرض لمصر قد تضمن الإعلان عن حزمة من الإجراءات «الإصلاحية» من بينها تمرير قانون الضريبة على القيمة المضافة.

ويرى الشامخي أن تأثير الاتفاق الأول على الاقتصاد التونسي تبدو أوضح، قائلًا: «أبرز هذه التأثيرات هو التراجع الكبير في سعر الدينار التونسي على نحو أدى فعليًا لارتفاع معدلات التضخم على نحو كبير التهم فعليًا تأثير ارتفاع الأجور بعد الثورة (نتيجة الضغوط الاجتماعية)».

وأوضح قائلًا: «تضمن برنامج القرض الأول عام 2013 إصدار قانون جديد للبنك المركزي على نحو انتهى إلى تحريره تمامًا من سلطة بعد تمرير القانون في أبريل الماضي، وهو ما أفضى في نهاية المطاف إلى قرار لاحق من محافظ البنك المركزي بتعويم العملة التونسية تمامًا، وهو ما أفضى بدوره إلى تراجع سعر الدينار بواقع 13% في الشهر الأول بعد تمرير القرار، وبواقع 25% قياسًا لسعره في نفس الفترة من العام الماضي».

وتتضمن قائمة الإجراءات «الإصلاحية» الضرورية لحصول مصر على قرض صندوق النقد الدولي تبني نظام أكثر مرونة لسعر الصرف بما يعني تخفيض سعر الجنيه مقابل الدولار.

ومن ناحية أخرى، فقد «تضمن تعديل قانون البنك المركزي حظر إقراض البنك المركزي للحكومة، في الوقت الذي سمح فيه له بإقراض البنوك الأجنبية، وهو ما يعني أن الحل الوحيد المتاح أمام الحكومة في حالة الحاجة إلى تمويل طارئ هو اللجوء للأسواق المالية العالمية، بما يعنيه ذلك من تعميق أزمة القروض الخارجية التي يعاني منها الاقتصاد التونسي»، حسبما قال الشامخي.

كان المعهد التونسي للاقتصاد، الذي يمثل شبكة من الباحثين المعنيين بمراقبة نشاط المؤسسات المالية الدولية، قال في تقرير أصدره تعليقًا على تمرير قانون البنك المركزي هذا إن «التسويق» لهذا الإجراء يتم على أساس قاعدة الحوكمة والفصل بين السياسات وعدم التداخل بينها، لكن «هذا المبدأ يقضي على إيجاد موارد غير مكلفة لتغطية النفقات العمومية دون ضرورة اللجوء إلى الاقتراض من الأسواق العالمية أو المؤسسات المالية، ما من شأنه أن يساهم في التحكم في نسبة التداين (الاستدانة)».

هنا يقول الشامخي إن «إجمالي الدين الخارجي وصل إلى ثلثي الدين العام، ومع ذلك فالحكومة غير قادرة على الاقتراض من البنك المركزي»، وأوضح: «هذا التوجه تدعمه الشركات الأجنبية في السوق التونسي التي تتحصل على أرباحها بالعملة التونسية قبل تحويلها إلى النقد الأجنبي تمهيدًا لترحيلها خارج البلاد، وهي لهذا السبب ترغب في ضمان احتياطي نقدي كافي على الدوام لسداد مستحقاتها».

بلغ إجمالي حجم الدين العام في تونس 538.84 مليار دينار في أغسطس 2016 مقابل 431.50 مليار دينار قبل سنة، ويتوزع بين دين خارجي بنسبة 65.2%، ودين داخلي بنسبة 34.8%، بحسب وزارة المالية التونسية.

أما فيما يتعلق بمؤشرات الاقتصاد الكلي «فلم تتحسن بالرغم من كل نصائح خبراء الصندوق»، على حد تعبير الشامخي، الذي قال إن «الدين العام كنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي ارتفع من 45.8% سنة 2013 إلى 52.7% في العام 2015، إلى 62.3% في العام الحالي، وفق ما صرح به رئيس الوزراء يوسف الشاهد أمام مجلس نواب الشعب»، مضيفًا: «مجرد العودة للاقتراض مجددًا من الصندوق هو دليل على أن وصفة الطبيب (في إشارة لتعليمات صندوق النقد الدولي) السابقة لم تجد نفعًا للحد الذي لازلنا فيه بحاجة لطلب الدواء منه».

الأمل في مراجعة الدين

يرى الشامخي أن مبادرات من نوعية مشروع القانون الذي تقدم به لمراجعة الدين الخارجي التونسي، هي الأمل أمام تونس ومصر في التخلص من عبء الدين الخارجي غير العادل.

بعد الإطاحة بالرئيس الأسبق حسني مبارك في 2011 تأسست «الحملة الشعبية لإسقاط ديون مصر- فتح عينك الدين من جيبك»، التي وصفت نفسها بأنها انطلقت من «رحم نضالات ثورة 25 يناير المستمرة»، وأنها استندت في دعوتها إلى مفهوم «الديون الكريهة»، في إشارة إلى الديون المرتبطة بالقروض التي تتحصل عليها النظم الشمولية، لا لتلبية حاجات ومصالح الدولة، وإنما تستهدف في الأساس دعم النظام الاستبدادي وقمع المواطنين.

ويرتبط بمفهوم الديون الكريهة غياب موافقة الشعب، وغياب المصلحة العامة في حالة إنفاق الأموال على نحو يتعارض ومصالح السكان، ومعرفة الدائنين بالنوايا السيئة للمقترضين.

وعارضت الحملة بشدة المفاوضات مع صندوق النقد بعد الثورة في هذا السياق، وتقدمت في مارس من العام 2012 بمذكرة بهذا المعنى للبرلمان متضمنة عدد من البدائل الاقتصادية عن رفع المديونية الخارجية.

بطريقة مشابهة، ينص مشروع قانون الشامخي على «تدقيق كامل الدين الخارجي التونسي خلال ثلاثين عاما من منتصف العام 1986 وإلى منتصف العام الحالي»، مضيفًا: «الدين الخارجي بعد الثورة جرى اقتراضه ضمن تداعيات إرث الديكتاتور (الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي)، وهو ما يستدعي إلغاؤه هو الآخر»، مضيفًا: «أعلم جيدًا ما يتضمنه قانون كهذا من تهديد لمصالح المؤسسات الدولية الدائنة لتونس، وهو ما قد يستدعي ضغوط منها في الاتجاه المعاكس». وكانت تونس قد بدأت برنامجها للإصلاح الهيكلي برعاية صندوق النقد الدولي بدءًا من العام 1986.

ولفت الشامخي النظر في حديثه إلى ما وصفه بأنه «توجه معادي بشدة لمصالح الأغلبية تبناه حزب النهضة الإسلامي في هذا السياق»، موضحًا أنه استطاع جمع توقيعات أكثر من سبعين نائبًا تأييدًا للقانون من كل الأطراف السياسية، بما في ذلك نواب حزب نداء تونس الحاكم، باستثناء حزب النهضة، الذي لم يوافق ولا نائب واحد فيه على التوقيع، على حد قوله.

ويرى الشامخي أن هذا يشير هذا في المقام الأول إلى سعي الإسلاميين إلى تجنب تدقيق قرض صندوق النقد، بعد أن «ورطوا فيه تونس في العام 2013».

اعلان
 
 
بيسان كساب