Define your generation here. Generation What

تأملات حول مهرجان القاهرة للمسرح «المعاصر والتجريبي» ما يبدو تقنيًا ليس كذلك:

تابعت بريبة بعض النقاشات التي سبقت الحسم في إعادة تسمية وهيكلة مهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي”. سبب ريبتي كان افتقاد النقاشات لأسس الاختصاص المعرفي للمفاهيم والخطابات والهيكليات التي تشكّل وتحرّك ما نسميه اليوم بـحقل المسرح المعاصر العالمي”. وجاء اختيار الاسم، ومن ثم البرنامج للأسف، ليؤكدا شكوكي.

العالمية في المسرح المعاصر، وهذا مهم، لم تعد اليوم موضوع تبادل أعمال محلية عبر الحدود وحسب، وإنما باتت أحد الأركان الأساسية لحقل المسرح، من حيث تبادل الخبرات والمختصين، مناقشة الرؤى النظرية والتطبيقية للحقل وتطويرها، خلق شبكات تعاون فاعلة التأثير، وصولًا إلى الإنتاج المشترك عبر الحدود، حيث نجد الكثير من الأعمال تقدمها فرق ينتمي أعضاؤها لدول متعددة. ومن لم يفهم ذلك بعد، أو يفهم ولكن لا يمتلك الأدوات الواضحة لخلق وتشكيل المساحة المحلية القاهرية المتميزة والجاذبة عالميًا التي يتواصل من خلالها مع العالم، لا يمكنه التأسيس لمهرجان عالمي ذي قيمة.

بعد سنين من الانقطاع يعود مهرجان القاهرة الدولي باسم وطاقم جديدين، لكن للأسف محملًا بإشكاليات جوهرية كان يمكن تفادي الكثير منها ببساطة.

إشكاليات الاسم

في المؤتمر الصحفي الذي سبق المهرجان أكد سامح مهران مدير المهرجان على ما يلي: ‪”‬لا أنكر أن كلمتي المعاصر والتجريبي لغويًا غير متفقتين، ومفهوم المعاصر معيار زمني، والتجريبي معيار إجرائي‪“‬.

من هنا يمكن للمطّلع تأمل التخبط الاستثنائي في ما يخص المفاهيم الفاعلة داخل الحقل المسرحي العالمي المعاصر لدى القائمين على مهرجان القاهرة. فـالمعاصرةلدى المسؤولين عن المهرجان كلمة تعني ‪“‬الآن، بينما تعني التجريبية” “‬محاولة التجديد‪‬؟”

قبل كل شئ فإن المعاصرة Contemporaneity و التجريبية Experimental هما مفهومان، وليسا بكلمتين، والفرق شاسع طبعًا. المفهوم ببساطة هو تصور حالة أو ظاهرة قائمة على منظومة فكرية تتشكل عبر الوقت لتحدد مضمون المفهوم المتحرك. هذا يعني أننا حين نستخدم المفهوم علينا أن نكون واعين بتاريخه وبالبناء الفكري الذي يشكله والممارسات الناتجة عنه.

يرتبط مفهوم المسرح التجريبي بالحداثة، حيث انبثق من حركة مسرح الأفنجارد avant-garde theatre في أواخر القرن التاسع عشر، ليكون قطبًا يتحدى القيم الفكرية والاجتماعية والجمالية البرجوازية التي كانت سائدة وقتها في المسرح. وكان أهم ما قامت به حركة الأفنجارد هو امتلاك الطاقة الفكرية والإبداعية الكافية لكسر الكثير من الحدود والمعايير التي كانت تقيد المسرح وقتها، معيدة طرح السؤال الأساسي: ما هو المسرح؟

وبغض النظر عن كيفية اختيارنا لتفسير علاقة التجريبية والأفنجارد بالحداثة، تبقى هذه الحركة في زمننا الراهن، وبعد تنحي الحداثة عن مركز الصدارة كرؤية في الفن، حركة غير رائدة في عالم المسرح المعاصر. حيث تراكمت فوقها أفكار ونظريات ورؤى فكرية، فلسفية واجتماعية عديدة، وكذلك أساليب وممارسات وتطبيقات مسرحية جديدة، بهدف مواكبة التغيرات الكبيرة والعنيفة التي جرت في عالمنا منذ أواخر القرن التاسع عشر.

صحيح أن مفهوم التجريبية ظل فعّالًا حتى بعد تنحي الرؤية الحداثية، لكنه اليوم شبه مختف من المنظومة اللغوية للفن المعاصر. حدث هذا بالتدريج، لينحصر استخدامه أخيرًا في حيز من الحقل المسرحي يعيد صياغة الخطاب الحداثي بأشكال وتقنيات معاصرة. بمعنى شديد الوضوح، فإن الحركة التجريبية اليوم تعتبر في المسرح العالمي حركة تقليدية. والأسلوب المسرحي التقليدي لا ينقلب لشئ آخر لمجرد مجيئه من الخارج، قد تكون الحرفية والتقنيات أعلى، لكن هذا لا يجعله معاصرًا بالضرورة.

أما مفهوم المسرح المعاصر فينطوي على منظومة من الرؤى والنظريات والتطبيقات التي بدأت بالتكون لتحليل ظواهر مسرحية جديدة والتنظير لها، ظواهر مختلفة بأساليبها ومتنوعة بآلياتها ولديها رؤية جديدة للواقع، بدأت بالظهور منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، ولفترة كانت تُعطى تسميات عديدة مثل مسرح ما بعد الحداثة، أو التجريبية المعاصرة“.‬

كان أول من قدم دراسة حقيقية وجادة لهذه الظواهر والتيارات المسرحية الجديدة هو أستاذ الدراسات المسرحية الألماني هانس ليمان Hans-Thies Lehmann، في كتابه ‪“‬مسرح ما بعد الدراما” Postdramatic Theatre (الذي أصبح فيما بعد نقطة انطلاق لدراسات واسعة حول المسرح المعاصر)، وفيه درس ليمان الحركات المسرحية الجديدة من منظور علاقتها بالنص المسرحي كخط أساسي. اليوم تحتل هذه التيارات، التي تمكنت من النضوج على مدى عدة عقود، مركز الصدارة في المسرح العالمي المعاصر، من حيث قدرتها على استقطاب النشاط الاجتماعي والنظري، وكذلك تطوير الأدوات التطبيقية، وصولًا إلى التعليم.

لكي نفهم أو نستقبل الفعاليات المصرية المسرحية بوصفها معاصرة، على صعيد مفهومي وليس لغوي، ولكي يستحوذ المسرح المصري على حيز في النقاش العالمي المعاصر (ومصر تستطيع هذا وتستحقه)، يجب التسليم بمجموعة من الأسس، أهمها أن تكون هناك أدوات ومعايير فكرية وتطبيقية تتطور وتتفاعل خارج المنظومة الفكرية الحداثية، وتتداخل بنفس الوقت مع الحالة المحلية في مصر، وتواكبها تاريخيًا. والسبب بكل بساطة هو أنه لا يمكن استخدام مفهوم المعاصرةفي إطار منسجم مع الحداثة”. أما من يرفضون أفكار ما بعد الحداثة (وأحيانًا يرفضونها من قبل أن يفهموها، وهم كثر) فعليهم حين يتكلمون عن المعاصرة، إيجاد بديل مفهومي مستند إلى منظومة فكرية تُقدَّم وتُطرح للنقاش، أما فكرة الجلوس على صرح الحداثة المتداعي والحديث عن المعاصرة فقد باتت بلا جدوى، بل ومضرة جدًا.

الإشكال إذن في اسم المهرجان ليس إشكالًا لغويًا، وإنما إشكال مفهومي متعلق باستخدام كلمة المعاصرة، دون الأخذ في الاعتبار بماهية المعاصرة في المسرح، وما المطلوب لكي يكون المهرجان جزءًا منها. الأسئلة الملحة هنا هي: هل ناقش المسؤولون عن المؤتمر هذه المواضيع الجوهرية؟ هل يتعامل طاقم المهرجان فعلًا مع هذه المفاهيم باعتبارها مجرد كلمات لها معان لغوية؟ لو كانت الإجابة بالنفي، فكيف إذا جُمع مفهومان متضاربان تحت مظلة واحدة، ولماذا؟ كل هذه الأسئلة هي من صلب عملهم وعليهم طرح إجابات عليها.

إشكاليات البرنامج

البرنامج المطروح أمامنا هو عبارة عن خليط غير متناسق من أعمال لا يوجد ما يربطها ببعض، أو رؤية معلنة لها أو خطاب لها يفرض نفسه في واقعنا المعاصر. هي أعمال آتية في الغالب من أطراف هامش الحقل المسرحي العالمي، وتعمل على إعادة صياغة مفاهيم وجماليات الحداثة، وهذا لا بأس به. ولكن المشكلة التي أحاول الحديث عنها تكمن بأن مهرجان القاهرة يضع يده على الحيز المتاح لدى وزارة الثقافة لتقديم المسرح العالمي المعاصر، لكنه في الواقع لا يفعل ذلك.

لا يمنح البرنامج المتاح على صفحة المهرجان الرسمية الجمهور فرصة للاطلاع ولو على أسماء الفرق المشاركة، وإنما يكتفي بأسماء الأعمال فحسب، وعليك أنت أن تبحث وتجد قدر المستطاع. ليس هناك أي نص نقدي من قبل المسؤول الفني (غير المعروف أصلًا) يشرح للجمهور سبب اختيار هذه الأعمال، ووفق أي مبادئ اختيرت، أو ماذا يريد مهرجان القاهرة الدولي قوله للعالم من خلال برنامجه. لا كلمة عن خصوصية المهرجان بالمقارنة بالمهرجانات العالمية الأخرى. لا يقول المهرجان أي شيء عن أي شيء، لا للمتخصص المحلي أو العالمي، ولا حتى للمشاهد المطَّلع. كل ما يقال هو ما معناه: ‪”‬فيه عندنا شوية حاجات جاية من برا تعالوا شوفوها‪“‬. أو كلام إنشائي مثل: “الثقافة تقرِّب بين الشعوب”. أو وزارة الثقافة تقدم ‬على طبق من فضة أحدث ما تم الوصول إليه من محاولات التجريب في العالم‪“‬، وهذا بحد ذاته إجحاف منقطع النظير.

يقودنا هذا مباشرة صوب أحد الأهداف التي يصبو إليها منظمو المهرجان، وقد طُرحت أثناء المؤتمر الصحفي، وهو دور المهرجان العالمي كأداة يمكن من خلالها إلهام المسرح المحلي بما يساعده على تجاوز تقليديته الشديدة. هذا هدف نبيل ومهم، لكن للأسف فلا شيء في واقع المهرجان يشير إلى هذا الصوب، لأن البرنامج نفسه يقدم في الحقيقة خطابًا تقليديًا بالمطلق. وما يهم فهمه هنا هو أن ليس كل إنتاج مسرحي يُعرض في زمننا المعاصر هو بالضرورة عملًا معاصرًا. لكي يكون كذلك يتوجب على العمل الانطلاق من رؤية نظرية معاصرة، واستخدام أساليب وتطبيقات معاصرة.

إشكاليات التخصص

باتت فكرة وضع مخرجين وكتاب مسرحيين كمبرمجي مهرجانات وبيوت مسرح فكرة غير مجدية، إذ أن البرمجة اليوم هي اختصاص عملي يتطلب جهدًا كثيفًا ومتشعبًا ويلعب دورًا محوريًا في هذا النوع من النشاطات. أصبحت البرمجة Curator في المسرح المعاصر اختصاصًا عمليًا ولغة تواصل مهمة لها حدودها النظرية، وثمة تخصص أكاديمي Curatorial Studies يقدم المعرفة بالبنى الفكرية والتطبيقية لهذه اللغة.

بناء هيكلية المهرجان هو أمر مهم، ويعني إيجاد أساليب للتعامل مع التخصص المعرفي، وكذلك تحديد مراكز اتخاذ القرار الفني والإداري، وكل هذا يجب أن يكون معلنًا وواضحًا. بينما الهيكلية التي تسيّر مهرجان القاهرة غير معلنة أو معروفة بتفاصيلها، وهي مشكلة غير هينة، إذ يكون عليك استشفاف هذه الهيكلية بنفسك.

هناك عدة أسباب لأهمية هذا الموضوع؛ أهمها أن يعرف المتخصص والجمهور مَن هو الشخص الذي يتحمل المسؤولية الفنية، وكيف فكر حين كوَّن برنامج المهرجان؟ ما هي الظواهر العالمية والمحلية، المجتمعية والسياسية، التي تشغل اهتمامه أو اهتمامها في وقتنا الراهن الزاخر بالأحداث الضخمة؟ أي الاتجاهات الفكرية المعاصرة التي مال أو مالت إليها وقت وضع البرنامج؟ وأخيرًا، كيف يريد مهرجان القاهرة أن يخاطب العالم؟ وكل هذا يجب ان يكون مشفوعًا بنص نقدي Curatorial text.

تعني المسؤولية الفنية التواصل بين المبرمِج من جهة والمتخصص والمشاهد محليًا، إقليميًا وعالميًا، من جهة أخرى، قبل وأثناء وبعد المهرجان. تعني قدرة المهرجان على اختراق مساحات متعددة من النقاشات الجارية داخل الحقل وخارجه، هذا لو كان المهرجان كمؤسسة يصبو أن يكون له صوت مؤثر في مصر والعالم.

ما يسهل استنتاجه أن المهرجان يقوده مدير إداري، وتأتي بعده لجنة ‪“‬مشاهدة‪،“‬ كما هو مذكور على الصفحة الرسمية. لكن ما معنى ‪“‬المشاهدة‪“‬ هنا؟ هل يشاهد هؤلاء، ثم يقترحون أعمالًا على المدير، الذي تكون له الكلمة الأخيرة مثلًا؟ هل يحدث اختيار عن طريق التصويت؟ الله أعلم. ما يمكن استشفافه مما طرح في المؤتمر الصحفي أيضًا هو أن رئاسة المهرجان نشرت إعلانًا عن المهرجان موجهًا للعاملين في المسرح في ‪“‬العالم‪“‬ تحثهم على إرسال أعمالهم مسجلة على هيئة فيديو، وهذا أمر غير مقبول.

هذه الطريقة لبناء برنامج مهرجان عالمي مرفوضة ولا يمكن وصفها بالجدية، لأنها عمليًا تعني أن المقيمين على المهرجان لا يمتلكون الأدوات التي تمكنهم من أخذ زمام المبادرة الذاتية. بمعنى آخر، فإن المهرجان لا يملك التخصص المعرفي الكافي لكي يحدّد بنفسه وينتقي أفضل الإنتاجات الإبداعية المنسجمة مع رؤيته الفكرية والاجتماعية. لكي يحدث هذا يتوجب وجود رؤية فنية واضحة، مع متابعة عالمية حثيثة وواعية من قبل متخصصين، ووجود أشخاص وتجمعات، داخل المهرجان وحوله، مرتبطين بشبكات عالمية متميزة ومهمة، وأخيرًا، وجود تفاعل واسع وخاص مع المراكز الحقيقية للمسرح المعاصر المحلي.

كل هذا يجعل مهرجان القاهرة للأسف من الضعف بحيث لا يمكن نقده بشكل موضوعي، وإنما فقط،‬ كما فعلت أنا،‬ الإشارة للفجوات المعرفية العميقة المحيطة به.

لنتذكر أن القاهرة لديها مهرجان عالمي يمكن وصفه بالأهمية، مهرجان يقوده أشخاص يمتلكون ما يكفي من التخصص والمتابعة، والكلام هنا عن عن ديكاف (الذي يشكّل المسرح قسمًا مهمًا منه). هل نظر القائمون على مهرجان القاهرة لديكاف؟ هل التقوا بالمسؤولين هناك وتبادلوا معهم الحوار؟

هذا النوع من المعرفة والتخصص والمتابعة موجود أيضًا خارج ديكاف، لدى أفراد قاهريين مستقلين. هل فكر أحد باستقطاب تلك الخبرات؟ خصوصًا ونحن نتكلم عن مهرجان عالمي للمعاصرة كان من المفترض بذل المستحيل من أجل حشد واستقطاب كل ذوي الخبرة والمعرفة له.

الاستنتاج البديهي الذي سيصل إليه أي متابع مُلم بحقل المسرح العالمي المعاصر حول مهرجان القاهرة، هو غياب الرؤية والتخصص والمتابعة. هذا مهرجان يضع نفسه على أقصى هامش الحقل العالمي، والمؤلم هنا هو وجود الإمكانية البشرية المصرية القادرة على فعل ما هو أفضل بكثير.

لا تكمن مشكلة المسرح المصري‪/‬العربي في ضعف تقنيات الإضاءة أو الصوت، لا في السينوجرافيا، ولا في النص أو الإخراج حتى. وإنما تكمن المشكلة في انعزال المسرح المصري/ العربي عن التطورات والنقلات التي جرت في الرؤى المسرحية منذ الستينيات. وتكمن تحديدًا في استمرار تبني الرؤى والأدوات الحداثية التجريبية التي باتت ثقيلة وبالية.

أخيرًا، فهناك طريقتان للخروج من هذا المأزق؛ الأولى أن يرفع المقيمون على المهرجان أيديهم عن حيز المعاصرةالواردة في العنوان، ويركّزوا فقط على الجانب التجريبي.

والطريقة الثانية هي البدء مباشرة باستقطاب التخصص المعرفي القادر على التعامل مع المسرح المعاصر بحرفية ورؤية واضحة، وهذا ممكن.

وهناك طبعًا احتمال ثالث، وهو استمرار الادعاء بتبني المعاصرة، لكنه احتمال غير محبب، خاصة عالميًا.

اعلان