Define your generation here. Generation What
هنا رشيد: شبه دولة على الأرض.. لا دولة في البحر
 
 

“لو ركبت البحر ممكن أموت مرة واحدة.. لكن لو فضلت هنا هموت 60  ألف مرة”. رامي برعي، 19 عامًا، أحد الناجين من غرق مركب الهجرة غير الرسمية برشيد، يفسر لـ”مدى مصر” عزمه تكرار التجربة رغم هول المأساة التي عاشها مع ما يقرب من 450 شخصًا غرق منهم 200 تقريبًا أمام عينيه وهم يحاولون عبور المتوسط إلى إيطاليا في 21 سبتمبر الماضي.

تخرج برعي من المدرسة الثانوية، لكنه لم يجد عملًا، ولم يجد شيئًا يجعله يرغب في البقاء. “مش عارف أشتغل لأنه مفيش شغل.. لو هاجرت هاعيش بشكل أحسن”، يقول برعي.

برعي ليس وحده كما توضح بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، التي تقول إن 2634 مصريًا حاولوا عبور المتوسط إلى إيطاليا في عام 2016، فيما كان كان عدد المصريين الذين خاضوا هذه الرحلة العام الماضي 344 شخصًا. ووفقًا لبيانات المفوضية أصبح المصريون ضمن أعلى عشر جنسيات ممن يحاولون عبور المتوسط إلى إيطاليا.

وتقول المنظمة الدولية للهجرة إن أغلب المصريين المتوجهين إلى إيطاليا عبر البحر من القصر، ما يجعل مصر البلد الأول في إرسال قصر غير مصحوبين ببالغين عبر المتوسط. ما بين يناير ومايو 2016 ذكرت المنظمة أن 1815 مهاجر مصري عبر المتوسط، من بينهم 1147 من القصر.

أحدث التقديرات المنشورة لمعدلات البطالة في مصر بلغت 12.7%، حيث قطاع الشباب الأكثر تأثرًا بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تبلغ نسبة البطالة بين الفئة العمرية 25-29 عامًا 31.3% و27.3% بين الفئة العمرية 15-29 عامًا.

يصعب على الأرقام وحدها إقناعك بفكرة أن شاب في مقتبل العمر يخطط لتكرار تجربة موت عاشها بنفسه. الأمر الذي عبر عنه الرئيس عبد الفتاح السيسي تعليقًا على الحادث: “وماشي ليه؟ سايبها وماشي ليه؟ … انتم تقدروا تبنوها، انتم تقدروا تبنوها، بس حطوا إيديكم في إيدينا، وثقوا إن ربنا سبحانه وتعالي هيوفقنا إن إحنا نعمل ده… سايبني وماشي ليه؟ تزعّلنا وتزعّل أسرتك وتزعّل مصر كلها عليك ليه؟ وأنا باكلمكم كده طب ما إحنا مش سايبينك خالص، مش أنا اللي مش سايبك، بلدك مصر مش سايباك”.

لكن كلما انتقلت من منطقة إلى أخرى بمدينة رشيد تتسلل إليك مشاعر هذا الشاب.

لا تقتصر المشكلة في رشيد على البطالة المزمنة فحسب بل هناك مشكلات ضخمة في البنية التحتية. حيث تعاني المنطقة من الانقطاع المتكرر للكهرباء، ورداءة المياه، والإسكان مؤقت أو أصغر من اللازم بالنسبة لأغلب الأسر، كما أن السكان يمرضون من المياه ولا يملكون ما يسددون به تكلفة العلاج في المستشفيات، بحسب وليد عبد الخالق، أحد صيادي رشيد.

canal-filled-with-trash-by-abdel-khalek

القمامة تملأ إحدى ترع رشيد

“شوفي بيرموا الزبالة في المية اللي بيشربوا منها”، يشير عبد الخالق إلى سيدة تفرغ محتويات سلة قمامة في الترعة، ويتابع زميله أحمد “الجميع هنا مرضى”.

يضيف عبد الخالق أن المنطقة ليس بها حتى مركز شباب، لا يوجد ما يمكن للشباب أن يفعله، ليس لديهم فرص عمل، وعدم توفر العمل يعني أنهم لا يملكون تكلفة الزواج، وكأنهم يعيشون في فخ.

الكثير من الشباب أصبحوا يرون في أوروبا الحل الوحيد. إنهم يشاهدون على الانترنت صور من قاموا بالرحلة، حيث يبدون في حال جيد وسعداء ويرون في ذلك وسيلة للهروب، بحسب عبد الخالق. كل من عبد الخالق وأحمد يدركان أن في هذا التصور جزء من الخيال، وأن الحياة صعبة في أوروبا. لكنهم مع ذلك يتفهمون سبب رغبة الناس في الرحيل.

يقول علي، 17 عامًا، أحد الناجين، لـ”مدى مصر” إن هناك أربعين شابًا من منطقته، الجزيرة الخضراء، يحاولون القيام بتلك الرحلة عبر البحر، رغم أن  بعض من أصدقائه الستة الذين كانوا بصحبته على القارب المنكوب لم يتمكن من النجاة.

على أحد المقاهي في وسط مدينة رشيد يبدو أن كل فرد يعرف شخصًا كان على القارب المنكوب أو ساهم في عمليات الإنقاذ. يلوح عبد الخالق لشباب من الناجين والصيادين الذين شاركوا في جهود الإنقاذ، ويدعوهم للإنضمام إلينا.

أحد هؤلاء الشباب، شريف علال، يجلس لبضعة دقائق ليتحدث عن أخيه، الذي كان يبلغ من العمر 17 عامًا، وغادر دون أن يخبر أسرته. أطلع علال “مدى مصر” على آخر رسائل شقيقه الهاتفية. “كان صغير أوي”، يقول علال، ويضيف أنه نفسه يحاول أن يغادر ويأمل في الحصول على تأشيرة للسعودية.

يقول حامد حسن، صياد من رشيد شارك في جهود الإنقاذ، أنه قبل أن يتوجه للمشاركة في إنقاذ الركاب توجه شخصيًا إلى مقر خفر السواحل ليطلب المساعدة. يتذكر حسن أنه سمع بأنباء غرق القارب حوالي الرابعة والنصف صباحًا حين تلقى مكالمة هاتفية من ابن أحد السكان المحليين، صبي يبلغ من العمر 13 عامًا، لم تكتب له النجاة. “كان ممكن يبقى مهندس أو دكتور”، يقول حسن، مضيفًا أن أحدًا لم يتحمل مسؤولية إنقاذ الناجين.

“بلغت الناس إن فيه مركب بيغرق في الشرق. روحنا لخفر السواحل، أخدنا عربية ووقفنا عند أول نقطة حوالي الساعة خمسة ونص الصبح، كان الركاب لسه عايشين. بلغناهم أن فيه قارب بيغرق وعليه أكتر من 300 فرد، أغلبهم من هنا. قالوا لنا أنهم مايقدروش يعملوا حاجة”، يقول حسن.

نصح خفر السواحل حسن بالذهاب إلى الشرطة، لكن الشرطة قالت له إن الأمر لا يقع ضمن مسؤوليتها. طوال هذا الوقت كان القارب يغرق. حين يأس حسن وحاول أن يخرج إلى البحر بنفسه بصحبة عدد من الصيادين، استدعى الأمر بضعة ساعات إلى أن سمح لهم خفر السواحل بالتحرك.

دون أي مساعدة من خفر السواحل، كان على الصيادين التحرك لإنقاذ الناجين الذين أمضوا في المياه، حتى ذلك الوقت، أكثر من خمس ساعات. حين وصلوا أخيرًا إلى موقع القارب الغارق، كانت الجثث في كل مكان، يقول حسن. مضيفًا أنهم بدأوا بإنقاذ الأطفال، وآخرون أنقذوا ما يزيد عن 90 شخصًا من المياه في ذلك اليوم.

العديد من الصيادين يعززون هذه الرواية، ويقولون إن السلطات منعتهم من الخروج مبكرًا، وأجبرتهم على الانتظار حتى العاشرة صباحًا لمنحهم تصاريح البحث وعمليات الإنقاذ.

body-bags-by-abdel-khalek

جثث ضحايا مركب رشيد

يقول برعي إن القارب بدأ في الغرق حوالي الرابعة من صباح يوم الأربعاء. ولم يأت أحد للمساعدة حتى العاشرة صباحًا، بحسب قوله، وحتى في ذلك الوقت كان الصيادون هم من جاءوا للإنقاذ ولم تصل أي قوات للدولة.

يتذكر برعي أنه اقترض هاتف من راكب آخر واتصل برقم الطوارئ الرسمي، وشرح لمن تلقى المكالمة أن القارب يغرق. الجميع في رشيد يرددون الشيء نفسه: رد فعل الدولة على الكارثة كاد أن يكون غائبًا. الصيادون هم من أنقذوا الناجين.

يضيف برعي: “الحكومة عرفت إننا بنغرق من أربعة الصباح، لكنهم ما بعتوش حد، ما عملوش أي حاجة. ما شفتش لا جيش ولا حكومة خالص”.

فايز محمد، 22 عامًا، أحد الناجين الذي تحدث مع “مدى مصر” في زيارة سابقة لرشيد يقول إنه منذ ركب الجميع القارب أدركوا أنه سوف يغرق، “الناس بدأت في الاتصال بالشرطة والجيش. كانت الساعة حوالي أربعة أو خمسة الصبح. ضابط الشرطة فضل يسألنا على التليفون أسئلة غريبة زي: ايه اللي وداكوا هناك؟”

حتى بعد أن أنقذ الصيادون حوالي 150 من الناجين، قامت الشرطة باحتجاز أغلبهم، ثم تم إخلاء سبيل المصريين من بينهم بسرعة مقابل غرامة، أما الأجانب فقد احتجزوا لأيام. كما أصدرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بيانا قالت فيه إنهم أسرعوا في عملية اعتبار الناجين كلاجئين، إلا أنه لازال من غير الواضح ما إذا كان تم إخلاء سبيل الأجانب من عدمه.

ناجون من مركب رشيد قيد الاحتجاز

غياب الدور الحكومي لم يكن مثار تساؤل أهالي رشيد فقط، بل امتد لكتاب أعمدة وصحفيين وإعلاميين بعضهم قريب من الدولة.

التقى فريق برنامج وائل الإبراشي على قناة دريم مع مجموعة من السكان المحللين الغاضبين الذين لم يخففوا من كلماتهم بشأن فشل خفر السواحل، كما أظهر فيديو غير محرر أقارب الناجين وهم يصرخون “خفر السواحل قتلوهم، السلطات قتلتهم.”

في عموده بجريدة الأهرام، كتب مكرم محمد أحمد، النقيب الأسبق للصحفيين: “كيف يمكن لقارب أن يبحر وعلى متنه أكثر من 500  راكب، بما يزيد عن قدرة القارب بعدة مرات… دون أن يلاحظه أمن الميناء وخفر السواحل والشرطة وكافة أجهزة المراقبة”، مضيفًا أنه قبل أن يبحر أي قارب تكون هناك في العادة عملية طويلة تشمل وسطاء وكافة المستفيدين وهذا الأمر ليس سرًا.

كذلك تحدث إبراهيم عيسى في برنامجه اليومي القاهرة والناس مطالبا بالتحقيق مع المسئولين الأمنيين بعد هذه المأساة، على حين طالب أنور السادات، عضو البرلمان، وزير الدفاع بتحديد أسماء المسئولين، وكتب في شكوى رسمية مطالبًا السلطات بالتحقيق في شكاوى أسر المهاجرين: “كيف يمكن للمئات أن يعبروا من شواطئ مصر، المحمية بخفر السواحل والبحرية، دون اكتشفاهم؟”

إلا أنه حتى الآن لم يتم احتجاز سوى حفنة من المهربين وأصحاب القوارب، ولم تحدث أي محاسبة أخرى بشأن الحدث.

رغم إقرار أحمد بأن المهربين كثيرًا ما ينقلون المهاجرين في قوارب صغيرة لتلتقي بقوارب أكبر تنقلهم إلى أوروبا، “ولكن لو ده اللي حصل، ليه خفر السواحل ما منعش الجريمة قبل ما تحصل؟، لما كارثة بالحجم ده تحصل يبقى الدولة وأجهزتها كانوا نايمين في العسل”.

في المساء اصطحبنا عبد الخالق إلى المقابر، وأشار إلى قبر أحد الضحايا، وبجواره خيمة كانت جثث الغارقين ترُص تحتها. وتذكر: “الريحة كانت رهيبة”.

grave-of-victim-by-kashef

قبر أحد ضحايا مركب رشيد

ترجمة: عايدة سيف الدولة

اعلان
 
 
بِشا ماجد