Define your generation here. Generation What

افتتاحية «المصري اليوم»: مطلوب دعاية.. لا صحافة

جاءت افتتاحية “المصري اليوم” المعنونة “رسالة الإعلام بين الحقوق والواجبات”، والصادرة أمس السبت، لتعيد إلى الحياة من جديد نقاشًا شبيهًا بما دار عقب توقيع 17 رئيس تحرير صحيفة خاصة وحزبية وقومية بيانًا مشتركًا، في أكتوبر 2014، أعلنوا فيه دعمهم لـ”الإجراءات كافة التي اتخذتها الدولة في مواجهة العناصر الإرهابية وحماية الأمن القومى للبلاد في إطار الدستور والقانون، ويؤكد المجتمعون على ثقتهم في مؤسسات الدولة المصرية ودورها الوطني في هذه الفترة المهمة من تاريخ مصر”، وتجديدهم “رفضهم لمحاولات التشكيك كافة في مؤسسات الدولة وفي خياراتها الأساسية أو التطاول على الجيش أو الشرطة أو القضاء بما ينعكس بالسلب على أداء هذه المؤسسات”.

الخيط الرابط بين افتتاحية المصري اليوم وبيان رؤساء التحرير قوي بما يكفي للجمع بينهما هنا. فكلاهما صدر بعد عمل إرهابي قوي في سيناء، وكلاهما يحمل النبرة ذاتها التي تفرض على الصحافة مهمة ليست لها بالأساس، بل تتعارض معها في كثير من الأوجه والمعاني.

***

تقول المصري اليوم: “هذه لحظة تاريخية حاسمة، يتقدم فيها الواجب على الحق، يتقدم فيها العام على الخاص، تتقدم فيها حقوق الوطن على حقوق الأفراد، يتقدم فيها العطاء على الأخذ، يتقدم فيها العقل على العاطفة، يتقدم فيها الصبر على التهور، تتقدم فيها الحكمة على الحمق والنزق والانفعال.”

– لماذا يُقدّم الحق بصفته نقيضًا للواجب، حتى ولو مؤقتًا؟ ولماذا توضع حقوق الوطن وحقوق الأفراد على طرفي النقيض؟ وما المقصود بـ”حقوق الوطن”؟ هل الوطن قيمة مجردة؟ هل هو الشوارع والآثار والنيل والهرم مثلًا؟ من يدفع الثمن في النهاية؟ أليسوا “الأفراد”؟ من يضع الحدود الفاصلة بين العام والخاص؟ كل شيء هو شأن عام بالأساس: الحرب في سيناء، أسعار السلع الغذائية، تعويم الجنيه، القيمة المضافة، قرض صندوق النقد وغيره من القروض، التعذيب في أقسام الشرطة، الإهمال العمدي للأوضاع الصحية للسجناء، منظومة الصحة والتعليم في مصر، الهجرة غير المنظمة، حوادث الطرق السريعة، جرائم العنف الطائفي، محاكمة العمال عسكريًا، أوضاع العمال عمومًا، التمييز والعنف ضد المرأة، التمييز ضد الأقباط، الحريات الدينية، الحريات العامة والشخصية، إلخ. كل هذا شأن عام يصنع ما نسميه في النهاية “الوطن”. من يملك حق ترتيب الأولويات هنا؟ ومن أعطى ذلك الحق للصحيفة؟

تقول المصري اليوم: “في الظروف العادية، وفي الحياة الطبيعية، تكون رسالة الإعلام هي الرقابة، هي النقد، هي تسليط الأضواء على السلبيات، هي مواجهة السلطات العامة من أكبر مؤسسة سياسية إلى أصغر مجلس محلى أو قروي أو بلدي”.

– وفي الظروف غير العادية، هل تختلف هذه المهمة؟ لا أعرف مهمة أخرى للإعلام غير المراقبة والمساءلة وتوفير المعلومات للمواطن عن كل ما يهم شؤون حياته. بل تزداد خطورة هذه المهمة في “الظروف غير العادية”، لما تحمله هذه الفترات من فرص لتغول السلطة التنفيذية على المواطنين وتوسيع صلاحياتها.

تقول المصري اليوم: “محليًا: لا ينكر عاقل أن لدينا مشكلات ضخمة، ورثناها، ثم زدناها استفحالًا، في كل مرافق الحياة.”

– تقول هذه الفقرة صراحة إن المواطنين والمجتمع هم المسؤولون عن تفاقم المشكلات. هذا حكم تاريخي لا أعلم كيف لأحد أن يصدره بسهولة ويسر دون شعور بالقلق أو التردد.

تقول المصري اليوم: “ليس مطلوبًا أن نعزف الدعاية الممجوجة، ولا نضرب طبول التأييد الرخيص، ولا ننفخ زمامير التهليل لهذا أو ذاك، فقد شبعنا من هذه الممارسات أحقابًا طويلة وثبت أن جدواها صفر كبير.”

– متفقون، ما المطلوب إذن؟ الافتتاحية لم تحدد ذلك، ولن تحدده صراحة.

المصري اليوم: “من حقك أن تختلف، مع نظام الحكم، على كل شيء، على كل أولوياته، ولكن لا يجوز لك، ولا لي، ولا للحاكم، ولا للمحكوم، أن نختلف على الأولوية الأولى والأخيرة، على أولوية الأولويات، على مصر.”

– لم تحدد الافتتاحية متى يكون المختلف ناكرًا لأولوية “مصر” على كل الأولويات، تاركة ذلك لسلطات التحقيق غالبًا، خاصة مع وجود ترسانة قوانين كافية لحبس أي صحفي بتهم نشر أخبار كاذبة، التحريض على الدولة، إهانة القضاء، التحريض على الفجور، تكدير السلم العام، إلخ، دون محددات واضحة لهذه التهم. المدهش أن المصري اليوم نفسها عانت أكثر من مرة من إحالة عدد من صحفييها إلى التحقيق بسبب عملهم الصحفي، بالإضافة إلى تدخل جهات سيادية لوقف طباعة نسخ الصحيفة أكثر من مرة. فهل كانت المصري اليوم في أي من هذه المرات بعيدة عن وضع مصر على رأس الأولويات؟

تقول المصري اليوم: “من حقك أن تختلف، مع سياسة أي دولة عربية، لكن من واجبك أن تتذكر: مصر والعرب حقيقة واحدة، يلزم كل طرف عربي أن يتفهم ظروف الطرف الآخر، كل العرب يعيشون تحت ضغوط، وتحت تهديد، في مواجهة مخاطر غير مسبوقة.”

– المقصود هنا أن الخطر دائمًا يأتي من الخارج، وما يأتي من الداخل هو إما مؤامرة أو صغائر يمكن التغاضي عنها أو تأجيل مواجهتها لحين التخلص من الخطر الخارجي. فلا السعودية تقصف المدنيين في اليمن، ولا نظام بشار الأسد يقتل المواطنين في سوريا، ولا البشير يحكم السودان بقوة السلاح. كما أن صدام حسين لم يجثم على صدر شعبه عقودًا قاتلًا من قتل ومعتقلًا من اعتقل، كما لم يحكم نظام البعث السوري السوريين بأجهزته الأمنية، ولم يكن يحكم ليبيا حاكم مجنون لا تنقصه إلا شهادة طبية بذلك. والمليشيات الإسلامية المسلحة، بالتأكيد، مأجورة من الخارج كلها كلها. فمجتمعاتنا وسلطاتنا الحاكمة فلة، شمعة منورة!

تقول المصري اليوم: “مصر لا تنسى فضل العرب، ومن المستحيل أن تتنكر لذلك، نحن نفاوض صندوق النقد الدولي على اثني عشر مليار دولار بشروط صعبة، في حين قدم لنا الأشقاء في الفترة الأخيرة ما يزيد على ثلاثين مليار دولار دون شروط.”

– هل هناك قروض ومنح في أي مكان في العالم دون مقابل سياسي؟ وماذا عن المطالبات بدور مصري في الحرب على الحوثيين باليمن؟ وماذا عن المطالبات بدور مصري عسكري في سوريا؟ وماذا عن المطالبة بدور مصري في تشكيل محور سني في مواجهة محور شيعي في المنطقة؟ دعك من قراءتنا نحن للواقع، هل يجوز لصحيفة بحجم المصري اليوم أن تفترض مثل ذلك الافتراض، متنازلة عن فضيلة الشك؟ الشك والفضول هو عماد أي عمل صحفي وكل عمل صحفي.

لقد بدأت صحيفة المصري اليوم سنة 2004 بحملة دعائية شعارها “صحيفة يملكها القارئ”، وصولًا إلى شعار “من حقك تعرف”، وغالبًا نحن الآن في مرحلة “على من نطلق الرصاص”.

اعلان