Define your generation here. Generation What
«الملاك»- 2: تفاصيل الاجتماعات الأولى لأشرف مروان مع الموساد
 
 

كان أشرف مروان في السادسة والعشرين من عمره حين تواصل للمرة الأولى مع السفارة الإسرائيلية في لندن ليعرض خدماته في صيف عام 1970. كان مهندساً كيميائياً وضابطاً بالجيش المصري وزوجاً لابنة رئيس الجمهورية والزعيم العربي الأوحد وقتها جمال عبد الناصر، وموظفاً بمكتب الرئيس للمعلومات برئاسة سامي شرف.

قبل صدور كتاب “الملاك: الجاسوس المصري الذي أنقذ إسرائيل”، الذي تتناوله هذه السلسلة، كانت الرواية الشائعة تحدد ربيع عام 1969 كتاريخ للتواصل الأول بين مروان والإسرائيليين. أطلق تلك الرواية للمرة الأولى المؤرخ هوارد بلوم في كتابه  «عشية الدمار.. القصة الخفية لحرب يوم الغفران» الصادر عام 2003 (أي قبل الكشف عن اسم مروان وهويته في إسرائيل). وفقاً لرواية بلوم فقد زار مروان لندن بدعوى إجراء فحص على معدته، ولكنه اختار لذلك عيادة طبيب في شارع هارلي كانت العيادة نفسها التي استخدمت كغطاء في السابق لمقابلة سرية بين الملك حسين عاهل الأردن الراحل والمدير العام لمكتب جولدا مائير رئيسة الوزراء الإسرائيلية. وتمضي الرواية لتقول إن مروان سلم الطبيب ملفاً بالأشعة على معدته وبصحبته ظرف مليء بالوثائق المصرية الحكومية، وطلب منه توصيله إلى السفارة الإسرائيلية في لندن. وبعد ثلاثة أيام تواصل ضابط بالموساد مع مروان بينما كان يتجول في متجر هارودز، لتبدأ العلاقة بين الطرفين.

لكن كتاب “الملاك”-الذي يستند إلى مقابلات مع المسئولين عن “إدارة” العميل أشرف مروان من ضباط الموساد والمخابرات العسكرية الإسرائيلية، فضلاً عن استعراض الوثائق التي قدمها مروان لإسرائيل عبر سنوات طويلة- يقدم رواية مخالفة، بعد أن أصبح من الممكن الحديث صراحة عن مروان بسبب انكشاف هويته ثم مقتله في صيف 2007.

يقول كاتبنا أوري بار-جوزيف، أستاذ العلوم السياسية بجامعة حيفا، والضابط السابق بجهاز المخابرات العسكرية بالجيش الإسرائيلي، إن مروان كان في زيارة للندن في صيف 1970 لمتابعة دراسته للحصول على الماجستير في الكيمياء، حين اتصل بالسفارة الإسرائيلية وترك رسالة ذكر فيها اسمه وطلب التواصل مع ضابط المخابرات بالسفارة.

ما يهمنا هنا هو أن كلتا الروايتين (وإن كانت رواية بار-جوزيف تستند لمصادر أكثر قوة ورسمية من رواية بلوم) تتفقان على أن اتصال مروان بالموساد للمرة الأولى قد جرى في نهاية عهد عبد الناصر وليس بعد تولي السادات للحكم مع وفاة ناصر في سبتمبر 1970. ستتخذ هذه التفصيلة التاريخية أهمية لاحقاً في ضوء محاولات مروان وأسرته وبعض الكتاب المصريين التأكيد، بعد أكثر من ثلاثة عقود، على أن مروان كان يتواصل مع الإسرائيليين بتكليف من السادات لتغذيتهم بمعلومات خاطئة في إطار عملية للخداع الاستراتيجي كان مروان يلعب فيها دور عميل مزدوج. ليس هناك -حتى الآن- أي دليل أو حتى قرينة تثبت أن اتصال مروان بالموساد للمرة الأولى قد تم في عهد السادات أو تنفي أن ذلك الاتصال الأول قد تم في نهاية حكم عبد الناصر وقبيل وفاته.

على أي حال فإن ما يهمنا هنا ـكما جاء في المقال السابق– هو استعراض طبيعة المعلومات والوثائق التي سلمها مروان لإسرائيل عبر أعوام من تعامله مع الموساد، بحسب الوثائق والتقارير غير المنشورة التي اطلع عليها بار-جوزيف إبان تكليفه بإعداد دراسة للمخابرات العسكرية حول أسباب الفشل الاستخباراتي الإسرائيلي في التنبؤ بموعد اندلاع حرب أكتوبر، وبحسب المعلومات التي استكملها لاحقاً من مصادر مباشرة قررت أن تتحدث عن الأمر بعد مصرع مروان.

بعد الرسالة الهاتفية التي كان قد تركها لدى السفارة الإسرائيلية بالعاصمة البريطانية، انعقد الاجتماع الأول بين مروان والموساد أثناء زيارته اللاحقة إلى لندن في شهر ديسمبر من عام 1970. كانت حرب الاستنزاف قد انتهت رسمياً في أغسطس وكان عبد الناصر قد فارق الحياة في سبتمبر. وقع اختيار الإسرائيليين على الرجل الثاني في مكتب الموساد بلندن ليلتقي بمروان بسبب إجادته للغة العربية نظراً لمولده في فلسطين التي هاجرت أسرته اليهودية إليها في مطلع القرن العشرين (لم يكن لدى الإسرائيليين علم قبل اللقاء بمدى إجادة مروان للإنجليزية).

قدم الرجل نفسه لمروان باسم “أليكس”، ولكننا نعلم الآن أن اسمه الحقيقي هو “دوبي Dubi” بينما لا يزال اسم عائلته سراً رسمياً في إسرائيل، ولم يكشف الرجل عن هويته أو يتحدث للإعلام حتى هذه اللحظة. سيظل دوبي مسؤولاً عن إدارة “الملاك” حتى انتهاء علاقة الأخير بالموساد في نهاية التسعينيات.

خلال ذلك اللقاء الأول -الذي جرى بغرفة بأحد الفنادق الكبرى بوسط لندن- كان مروان مستعداً لإثبات مصداقيته وأهمية المعلومات التي يتاح له الاطلاع عليها كموظف بمكتب رئيس الجمهورية. بعد وقت من بدء الاجتماع أخرج مروان من حقيبته عدة صفحات مكتوبة بخط اليد وأخبر دوبي أنه يسلمها له “على سبيل مقدم تحت الحساب” وأنها “أوراق تحمل أهمية خاصة لإسرائيل”.

كانت تلك الأوراق الأولى هي مذكرة تحمل عنوان “سري للغاية” وتشرح تفاصيل ما يسمى “نظام المعركة” Order of Battle  للجيش المصري بأكمله: تفاصيل الوحدات المقاتلة، ومواقعها، وقادتها، والأسلحة المتوفرة لكل منها. ويبدو أن مروان نجح بهذه الدفعة الأولى في انتزاع ثقة الإسرائيليين، حيث ينقل الكتاب عن شموئيل جورين، مدير عمليات الموساد في أوروبا في الفترة من 1968 وحتى 1974، أنه بعد انتهائه من قراءة المذكرة قال: “مادة كهذه من مصدر كهذا—إنه شيء لا يحدث إلا مرة واحدة كل ألف عام”.

في ضوء الطبيعة العسكرية للمعلومات التي قدمها مروان في اللقاء الأول قررت القيادات الأمنية والسياسية في تل أبيب ضرورة أن يضم الاجتماع التالي خبيراً عسكريًا إلى جانب دوبي من الموساد، من ناحية ليطرح عليه الأسئلة الصحيحة ومن ناحية أخرى لكي يتأكد من دقة المعلومات التي يقدمها ويستكشف أي إشارات حول كون الأمر بجملته فخاً لإسرائيل.

وقع الاختيار على المقدم مائير مائير، رئيس الفرع السادس (مصر) في وحدة الأبحاث بالمخابرات العسكرية في الفترة من 1969-1972، وهو أحد المصادر الأساسية للمعلومات الواردة في الكتاب نظراً لمشاركته في أغلب اللقاءات مع مروان في لندن وغيرها من العواصم الأوروبية خلال العامين الأولين من التعامل مع الأخير.

انعقد الاجتماع الثاني في لندن في أبريل 1971، واستغرق ثلاث ساعات كاملة دار أغلبها حول النوايا المصرية لشن حرب لاستعادة سيناء المحتلة في حرب 1967 وقدم فيها مروان -بحسب الكتاب- كل ما استطاع أن يجيب عليه من أسئلة مائير حول الخطط المصرية الأولية لعبور قناة السويس وتحييد الطيران الإسرائيلي في سيناء بصواريخ أرض-أرض وطلب مصر الحصول على طائرات روسية متقدمة لتوفير مظلة جوية لقوات العبور في ظل تفوق السلاح الجوي الإسرائيلي. ولما أدرك مائير أن عدداً من أسئلته بقيت بلا إجابة لأن مروان لم يكن مطلعاً على الصورة الكاملة في هذا الوقت، فإنه قدم لمروان تكليفه الأول: عليه أن يحضر في الاجتماع التالي نسخة من خطط الجيش المصري لعبور قناة السويس، وكذلك نسخة من نظام المعركة لكافة تشكيلات القوات المسلحة المصرية.

حين التقى مائير بمروان بعدها في أغسطس 1971 كان وضع الأخير ومكانته قد تغيرا كثيرًا. فقد قام السادات بما أسماه ثورة التصحيح في 15 مايو وأطاح بالكثيرين من رجال عبد الناصر في الحكم، وقام بتصعيد وجوه جديدة لتحل محل “مراكز القوى” القديمة. ولأن مروان وقف إلى جوار السادات في هذه المعركة فقد كوفئ بتصعيده ليحل محل سامي شرف كسكرتير رئيس الجمهورية للمعلومات وأصبح بالتالي ذراع السادات اليمنى ومدير مكتبه. كان السادات قد أعلن أيضا أن 1971 سيكون “عام الحسم” بين الخيارين الدبلوماسي والعسكري لاستعادة سيناء، وكان الإسرائيليون حريصين على الحصول على أكبر قدر ممكن من المعلومات بشأن النوايا المصرية لشن الحرب في ضوء عدم حدوث أي تقدم على المسار الدبلوماسي.

عن الاجتماع الثالث مع مروان يكتب بار-جوزيف في “الملاك”: “أخرج [مروان] الوثائق التي أحضرها معه. وأصبح مائير الآن يمسك بين يديه كلا من خطط عبور قناة السويس ونظام المعركة للجيش المصري بأكمله—كان ذلك بالضبط هو ما طلبه. إن كانت لدى مائير أي شكوك في السابق بشأن مروان، فإنها الآن قد زالت”.

ووفقاً لمائير مائير فإن الوثيقة الأولى بشأن خطط عبور القنال “وصفت أي قوات ستقوم ببناء الجسور، وأين ستتخذ مواقعها، وأيها ستعبر أولاً وأيها ستتلوها في العبور، والكثير من التفاصيل العملياتية الأخرى… هذه الخطط -كما نعلم الآن- كانت صحيحة بشكل استثنائي، حيث تطابقت فيها المرحلة الأولى حرفياً مع ما حدث في يوم عيد الغفران، السادس من أكتوبر 1973”.

أما الوثيقة الثانية فقد تضمنت “هيكل الجيش، وقوائم أسماء القادة، وأرقام الكتائب وأسماء قادتها، والأسلحة المتوفرة لكل كتيبة، وقوائم تفصيلية بالطائرات الحربية لكل سرب من أسراب القوات الجوية وأماكن وجودها، وطائفة واسعة من التفاصيل حول كل وحدة عملياتية بالقوات المسلحة المصرية”.

ولأن الإسرائيليين كانت لديهم بالفعل من مصادر أخرى صورة غير مكتملة لبعض المعلومات الواردة في الوثيقة الثانية، فإنهم تمكنوا من مطابقة تلك المعلومات مع نظيرتها الواردة في أصل الوثيقة التي أحضرها مروان. وهكذا، بنهاية الاجتماع الثالث مع “الملاك”، يقول بار-جوزيف إن أية شكوك حول احتمال كون مروان عميلاً مزدوجاً مدسوساً من المصريين ذهبت إلى غير رجعة، وتحول مروان في نظر كل من الموساد والمخابرات العسكرية إلى “أهم جاسوس في تاريخ الشرق الأوسط طوال النصف الثاني من القرن العشرين”.

اعلان