Define your generation here. Generation What

علامات تعجب في الرياض والقاهرة وواشنطن

لنفترض أنها مؤامرة.

أكثر من ذلك، فهناك شواهد عملية يستطيع هواة نظرية المؤامرة، ومستخدموها لدعم نظم الحكم القاصرة، في بلداننا أن يجدوا فيها ضالتهم لترويج بضاعتهم.

أتحدث عن قانون “جاستا” الأمريكي لمقاضاة الدول راعية الإرهاب، والذي يستهدف المملكة العربية السعودية (الشقيقة) على وجه الخصوص.

وأتحدث أيضًا عما يسمى بعملية حصار مصر اقتصاديًا، والتي تشمل بين أشياء أخرى، تباطؤ الاستثمارات الأجنبية، وتجفيف موارد السياحة الأجنبية، وربما تمتد لتشمل في نظر هؤلاء الهاتفين بـ”المؤامرة” القرار السعودي بوقف إمداد مصر بالبترول ومشتقاته بشروط متساهلة، بسبب التصويت المصري في مجلس الأمن لصالح مشروع قرار روسي لا تحبذه دول الخليج حول الوضع في سوريا، والحرب الكلامية التي اندلعت بين إعلاميين سعوديين ومصريين لهذا السبب.

في ما حدث بين السعودية ومصر سمعنا من قال إن جماعة الإخوان هي من صنعت الوقيعة، وليس مستبعدًا أن يقال إن روسيا تآمرت على مصر باستدراجها للتصويت لصالح مشروع قرارها لمجلس الأمن للإيقاع بين القاهرة والرياض، ليزداد الضغط الاقتصادي علينا بقطع المعونة البترولية السعودية. ألم يقل هؤلاء إن روسيا انضمت إلى المؤامرة على مصر عندما أوقفت حركة السياحة إليها، عقب نكبة الطائرة الروسية في أجواء سيناء في العام الماضي؟

نعود إلى “الشواهد على المؤامرة” في حالة قانون جاستا، وأبرزها اعتراف رئيس لجنة الشئون الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي، بأن الرئيس باراك أوباما لم يكلف خاطره بدعوة أبرز أعضاء المجلس للاجتماع معه لشرح أسبابه لاستخدام الفيتو الرئاسي على القانون، بل إن أوباما حسب أقوال رئيس لجنة الشئون الخارجية لم يستجب لدعوتهم له بالاجتماع معه لهذا الغرض، وكان يمكن -حسب رأي الرجل- تغيير مواقف عدد من الأعضاء بما يكفي لمنع هزيمة الفيتو الرئاسي، لو أن هذا الاجتماع قد انعقد.

كما اعترفت زعيمة الكتلة الديمقراطية في مجلس النواب الأمريكي بأن أوباما لم يضغط عليها مطلقًا كي لا تصوت لصالح هزيمة فيتو البيت الأبيض، ومن ثم فلم يضغط عليها لكي تسعى إلى إقناع العدد اللازم من زملائها بعدم التصويت ضد هذا الفيتو.

وفي الحالة الثانية، أي حالة مصر، فإن أحدث الشواهد على المؤامرة لمواصلة حصارها اقتصاديًا هو ذلك التحذير الثلاثي المتتابع من السفارات الأنجلوسكسونية الكبرى في القاهرة (سفارات الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا) لرعاياها من احتمالات تعرضهم لخطر أعمال عنف في يوم الأحد 9 أكتوبر الحالي، ما يعني مباشرة تحذير من يفكرون في زيارة مصر من السفر إليها، بما أن مواطنيهم المقيمين معرضون للخطر.

وهكذا يستمر الحصار السياحي، ولكن ها هو يوم التاسع من أكتوبر مر بسلام، وها هي السفارات الثلاث، التي انفردت بالتحذير دون غيرها من السفارات، لم تقدم دليلًا معلوماتيًا يبرر تحذيرها.

وقبل توجيه أسئلتنا إلى هواة نظرية المؤامرة لدعم نظم الحكم القاصرة، فالسطور التالية تتوجه لمن يشغلهم الفهم الموضوعي كأساس لحماية البلاد والعباد.

ففي نموذج السعودية وقانون جاستا، هناك أسباب غير المؤامرة لصدور هذا القانون، ولعدم بذل الجهد الكافي من جانب أوباما لمنع هزيمة اعتراضه الدستوري عليه، وكلها تتعلق بعام الانتخابات الرئاسية، التي تترافق دائمًا مع انتخابات التجديد النصفي لمجلس النواب، والتجديد بنسبة الثلث لأعضاء مجلس الشيوخ. فقد كان أوباما مضطرًا لاستخدام الفيتو على قانون جاستا في المرة الأولى حرصًا على المصالح الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة مع السعودية من ناحية، ولتخفيف شعور السعوديين والعرب والمسلمين بأن كل من في الولايات المتحدة يكرههم ويتآمر عليهم، لكنه لم يبذل الجهد الكافي لمنع الكونجرس من هزيمة الفيتو الرئاسي، حتى لا يلحق ضررًا فادحًا بمرشحة حزبه في الانتخابات الرئاسية ومرشحي الحزب في انتخابات الكونجرس، في وقت بلغت فيه ضغوط أسر ضحايا هجمات 11 سبتمبر الإرهابية حدًا ينذر بسقوط أي مرشح لا يصوت لمشروع قانون جاستا، وفي وقت أذكى فيه المرشح الجمهوري “الغوغائي” للرئاسة دونالد ترامب روح الكراهية والعداء للإسلام والمسلمين، ضمن غيرهم من الملونين واللاتينيين إلخ. ثم إن ترامب نفسه هو أحد العناوين الكبرى لحملة يمينية عنصرية في الغرب كله ضد المسلمين والإسلام على وجه الخصوص، بمعنى أن ترامب هو جزء من ظاهرة عالمية، أو لنقل إنه أبرز وجوه هذه الظاهرة العالمية الآن.

ثم إن أوباما لم يخف، وهو يشرح مذهبه في العلاقات الدولية لمحرر مجلة أتلانتيك، أن الشرق الأوسط والخليج -خاصة السعودية- خيبا الآمال الأمريكية كثيرًا في الاستجابة لاستحقاقات الشعوب واستحقاقات الحداثة، وأن هذه المنطقة، لم تعد، ولا يصح أن تبقى لها، هذه الأولوية الاستراتيجية لدى الولايات المتحدة، التي انتقلت مصالحها الكبرى إلى الشرق الأسيوي.

إن الشرق الأوسط منطقة شبه ميؤوس منها في نظر أوباما وتيار واسع من نخبة السياسة الخارجية الأمريكية، لأن نظمه متكلسة، وشعوبه مسكونة بنظرية المؤامرة.

أكثر من ذلك، فإن ما قيل وما حدث لم يكن سرًا، وإنما قيل أو حدث علنًا.

لا ينفي هذا التحليل بالطبع أن القوى اليمينية والعنصرية المعادية للعرب والمسلمين في الولايات المتحدة لعبت دورًا كبيرًا في تحريض أسر ضحايا أحداث سبتمبر، ثم في تمويل وتنظيم تحركاتهم ودعاياتهم، وأنها نجحت في دفع القضية إلى مركز الصدارة في عام الانتخابات، ولا ننسى بالطبع كذلك أن من يُسمون بـ “المحافظين الجدد” في أمريكا هم أحد أهم تلك القوى، ولم يخف هؤلاء الأخيرون نواياهم العدوانية نحو السعودية ومصر، بل قال بعضهم علنًا في الأيام السابقة على الغزو الأمريكي البريطاني للعراق، إن العراق هو البداية، ثم سيأتي الدور على السعودية (لتقسيمها)، أما الجائزة الكبرى فهي مصر.

هنا نبدأ توجيه تساؤلاتنا إلى عشاق نظرية المؤامرة، والسؤال الأول هو: هل عارضت السعودية ودول الخليج حقًا الغزو الأمريكي للعراق؟ ألم تنطلق القوات البرية الغازية من الكويت، ومثلها انطلقت الطائرات التي دكّت العراق من قاعدة العديد القطرية، ومن حاملات الطائرات المرابطة في المياه الإقليمية لجميع الدول الخليجية، والتي حصلت على كل إمداداتها الحياتية من هذه الدول؟

المفارقة المحزنة في تلك المأساة (علما بأننا لا نأسى على صدام حسين ونظامه وأمثاله وأمثال نظامه في عالمنا العربي المنكوب) أن من انتبه وحذر من خطورة الغزو الأمريكي البريطاني للعراق كان يوشكا فيشر، وزير خارجية ألمانيا في تلك الأيام، الذي قال إن غزو العراق سيترك منطقتي الخليج والمشرق العربي تحت رحمة النفوذ الإيراني الذي لن يجد ما يوازنه.

سؤال تال لهواة نظرية المؤامرة: أليس الشريك الثاني الأهم في مؤامرة المحافظين الجدد هو توني بلير رئيس وزراء بريطانيا الأسبق؟ فما الذي يفعله بلير الآن في المنطقة؟ أليس مستشارًا (بمبالغ طائلة) لبعض الرؤساء العرب الذين تستهدف المؤامرة بلادهم؟!

سؤال ثالث: هل يدخل الانخفاض المستمر في أسعار البترول في إطار المؤامرة العالمية على العرب والمسلمين؟ لقد بدأت الآثار المنهكة لهذا الانخفاض في الظهور على الاقتصاديات الخليجية، وامتدت آثاره إلى الحد من قدرة الدول الخليجية على إعانة مصر.

إذا كان الأمر كذلك، فلماذا تتوانى السعودية وشقيقاتها الخليجيات الأخريات عن خفض الإنتاج لتعود الأسعار إلى الارتفاع، بل إنها هي من تقاوم دعوات بقية الشركاء في منظمة أوبك لخفض الإنتاج.

لا تفعل دول الخليج طبعًا ذلك لأنها تريد استمرار هذا الانخفاض، بما أنه يخفض العائدات الروسية والإيرانية من الصادرات البترولية، علمًا بأن كلًا من روسيا وإيران لا يملكان الفائض المالي الذي تتمتع به دول الخليج، وهكذا تتحقق مصلحة سعودية خليجية من انهاك المحور الروسي الإيراني (المعادي) اقتصاديًا، وهذه أيضًا مصلحة أمريكية كبرى.

لكن السؤال الأهم من كل ذلك هو: ماذا سيفعل هؤلاء المتنبهون للمؤامرة العالمية، والصارخون تحذيرًا منها، في مواجهتها؟ ونحن هنا لا نقصد الإعلاميين وحدهم، ولكننا نقصد معهم السياسيين المستثمرين لهذه “العقيدة التآمرية” لتبرير عجزهم أو فشلهم، واستبدادهم بشعوبهم وثرواتها.

لا أظنهم يملكون إجابة. ودعنا من الهذر الذي يطالب السعودية بسحب أموالها من المصارف والأسهم والسندات الأمريكية، خوفًا من عقوبات قانون جاستا، آملين أن تأتي الأموال إلى مصر، فما هكذا يدار الاقتصاد العالمي، وذلك لأنه لا توجد سوق في العالم قادرة على استيعاب هذه الكميات الهائلة من الأموال سوى السوق الأمريكية، فضلًا عن أن سحب هذه الأموال -بفرض إمكان حدوثه- سيؤدي فورًا إلى انهيارات اقتصادية ضخمة في الولايات المتحدة، تؤدي بدورها إلى انهيار الاقتصاد العالمي كله، بما في ذلك دول الخليج ومصر وروسيا والصين. ألم تبدأ الأزمة المالية العالمية سنة 2008 في أمريكا، ثم امتدت إلى كل العالم؟ وكذلك حدث في الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي؟ فما بالنا ودرجة الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين دول العالم قد زادت في هذه الحقبة من التاريخ بدرجة أكبر كثيرًا من كل ما سبق؟

باختصار، لن يفعل أولئك الهاتفون ليلًا ونهارًا شيئًا لمواجهة “مؤامرة قانون جاستا على السعودية وأموالها”، إلا الاكتفاء بشرف الصراخ.

في حين أن الفعل الحقيقي الوحيد القادر على مواجهة المخاطر -سواء كانت هناك مؤامرة أم لا- هو حل مشاكلنا الداخلية السياسية والاقتصادية، التي تجعلنا ساحة مفتوحة لكل الفاعلين. ونقطة البداية هي حقوق المواطن السياسية والاقتصادية، بلا أي تمييز عرقي أو مذهبي أو جغرافي.

إن الهشاشة الداخلية تبدأ بذلك التمييز المقيت في الحقوق بين مواطن وآخر، وبين جماعة وأخرى، وأبشع صور ذلك التمييز هو احتكار السلطة والثورة. فأين سيذهب المهمشون، إلا أن يبحثوا عن شياطين الداخل، فإن لم يجدوا فسيبحثون عن شياطين الخارج؟!

وفي نموذج الحصار الاقتصادي على مصر، نطرح السؤال التالي: هل تحذير السفارات الأنجلوسكسونية الثلاث يخيف الأجانب سياحًا ومستثمرين، أكثر من تصريح “غيط العنب” الذي قال فيه الرئيس عبد الفتاح السيسي إن الجيش المصري جاهز للانتشار في ست ساعات؟ بل إنه مثلما لم تفصح السفارات عن أسبابها لتحذير رعاياها، فإن الرئيس السيسي نفسه لم يفصح عن أسباب إطلاقه هذا التحذير، ولم يتطوع أحد من المسؤولين الأدنى مرتبة فيما بعد بالإفصاح عن تلك الأسباب أو بعضها.

ومع ذلك، فكيف نتحدث عن حصار اقتصادي ونحن نحتفل بتوقيع اتفاقية القرض الذي طال انتظاره من صندوق النقد الدولي (الذي تديره الولايات المتحدة)؟

إن الاتفاق مع الصندوق يتضمن نوعًا من الرقابة المالية الدولية على مصر، ومن يرغب في الاستزادة من التفاصيل يمكنه الرجوع إلى مذكرة الدكتور علي الغتيت إلى حكومة الدكتور عصام شرف في أعقاب ثورة يناير. فماذا أنتم -والسؤال لعشاق نظرية المؤامرة- فاعلون حتى لا تتحول هذه الرقابة إلى خطر حقيقي؟ هل نسيتم أزمة الخديو إسماعيل المالية ونتائجها؟ وهل أجبرنا أحد على الذهاب لهذا الصندوق، والتهليل للاتفاق معه؟

وما دمنا نعاني من حصار اقتصادي دولي، فقد كان يجب معالجة الأمور مع السعودية بطريقة أفضل، إلا أن يكون هناك ما لا نعلمه مما يقلق قبل الانتخابات الرئاسية القادمة.

هنا أيضًا لن يفعل الهاتفون شيئًا، مع أن تنظيم المالية العامة للدولة المصرية، بإدراج كافة الموارد في الميزانية، وبالإنفاق الرشيد، وبالرقابة الدستورية والشعبية على الميزانية، يكفينا شرور شياطين الداخل والخارج، فهذا التنظيم للمالية العامة هو الإجابة الدائمة والناجحة في كل دول العالم التي تعرضت لأزمات مماثلة، أو التي لم تتعرض لها.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد