Define your generation here. Generation What
حوار – مُزن حسن: لا يجب أن نحاسب الحركة النسوية دون النظر للسياق المحيط بها
كيف ترى تفاعل الدولة والأحزاب مع قضية العنف الجنسي ضد النساء، وتقييمها لأهم نجاحات الحركة النسوية في مصر
 
 
 
مزن حسن - صورة: مصطفى محيي
 

في 22 سبتمبر الماضي، أعلنت مؤسسة “رايت لايفليهود – Right Livelihood” منحها جائزتها السنوية، والتي تُعرف أيضا باسم جائزة نوبل البديلة، إلى مركز نظرة للدراسات النسوية ومديرته التنفيذية مزن حسن، لتصبح ثالث من يفوز بها من مصر. وجاء في بيانالمؤسسة أن “حصول مزن ونظرة على الجائزة جاء لجهودهم في معالجة قضايا العنف الجنسي وتمكين الناجيات من الحصول على الدعم الطبي والنفسي والقانوني اللازم، بالإضافة إلى إدماج القضايا النسوية ومنظور النوع الاجتماعي في دستور 2014 في إطار تحالف مع طيف واسع من المجموعات النسوية، فضلا عن العمل على تعديل قانون العقوبات لإدراج جريمة التحرش الجنسي، وتوسيع تعريف الجريمة الجنسية” بجانب أدوارهم في أمور أخرى.

وتعد هذه الجائزة هي الثانية التي تحصل عليها حسن، التي أسست مركز نظرة عام 2007. ففي عام 2013 تسلمتجائزة شارلوت بانش للمدافعات عن حقوق الإنسان، بينما قد لا تتمكن من تسلم جائزة Right Livelihood، في ديسمبر المقبل، بسبب صدور قرار من قاضي التحقيق في قضية التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني بمنعها من السفر. وكانت حسن قد تم استدعائها للتحقيق يوم 29 مارس الماضي، غير أن قاضي التحقيق في القضية أجّل استجوابها إلى أجل غير مسمى.

تأتي الجائزة، التي تُمنح لأشخاص قدموا إسهاما متميًزا ومباشرًا لتحسين حياة البشر، في نفس الوقت الذي يتعرض فيه مركز نظرة ضمن باقي منظمات المجتمع المدني لخطر الإغلاق، فضلًا عن تعرض مؤسسي ومديري هذه المنظمات لخطر السجن، ليعيد ذلك طرح أسئلة مُلحّة حول دور هذه المنظمات في الحراك الاجتماعي الذي شهدته مصر خلال الأعوام الماضية.

وهنا، يحاور “مدى مصر” مُزن حسن حول رؤيتها للحركة النسوية في مصر، وجدلية العمل الحقوقي بين المجتمع والدولة، وقضية العنف الجنسي ضد النساء.

  • مدى مصر: مثلت قضية العنف الجنسي ضد النساء نقطة محورية خلال السنوات الماضية بالنسبة للمجموعات النسوية، وانتظمت حولها مجموعات ومبادرات تشكلت خصيصًا للتعامل مع بعض جوانبها، لماذا لعبت القضية هذا الدور المحوري في تقديرك؟ وكيف أثرت عمومًا على الحركة النسوية والوعي بقضايا النساء؟

مُزن حسن: الموضوع مرتبط بأكثر من جانب. بداية، هناك جانب شخصي تمامًا وهو التورط العاطفي لدى المجموعات التي اشتبكت مع هذه القضية مما جعلها أكثر راديكالية. كانت هذه هي أكثر القضايا المتعلقة بحياة النساء التي أخذت النقاشات حولها طابعًا مجتمعيًا. كما كانت أكثر القضايا التي شهدت تورطًا عاطفيًا لعدد كبير من المشتبكين معها، منذ وقت درية شفيق وصراعها من أجل إقرار حق النساء في المجال العام وفي المشاركة السياسية. وكانت القضية في كل تفاصيلها قادرة على خلق حركة حولها.

أما الجانب الآخر فهو اللحظة التاريخية التي جاءت فيها القضية. فما حدث من اعتداءات جنسية جماعية في ميدان التحرير دفع الناس إلى الحديث عن الاعتداءات الجنسية عمومًا وكذلك التحرش الجنسي. كل هذا كان امتدادًا لمعارك المجموعات النسوية ضد التحرش الجنسي منذ 2003 و2004، لكن العنصر الفارق في ما حدث مؤخرًا هو السياق التاريخي، أقصد هنا ثورة 25 يناير. فطوال عام ونصف العام تقريبًا، منذ قيام الثورة وحتى نوفمبر 2012 (وقت تبلور مبادرات وخطابات في مواجهة العنف الجنسي)، اعتاد الناس على تشكيل مجموعات سياسية، وأصبح ذلك مقبولًا من المجتمع والدولة وحتى خارجيًا، بالإضافة إلى أن الناس كانت قد اعتادت الإحساس بإمكانية تحقيق إنجازات أو نجاحات بالفعل عن طريق حركتهم. وطوال الوقت كانت هناك مجموعات تتشكل حول قضايا مختلفة، ونجحت في طرح نفسها وأسئلتها على المجتمع. كل ذلك لعب دورًا واضحًا في إمكانية خلق حركة حول قضية العنف الجنسي.

جانب آخر من أسباب الزخم حول تلك القضية هو “رمزية التحرير”. شئنا أم أبينا كان هذا المكان رمزيًا، سواء للمؤيدين أو المعارضين. كان هناك خطاب الإخوان المسلمين المعارضين للمظاهرات، والذي سعى لوصم المتظاهرين عن طريق وقائع العنف الجنسي. وكان هناك خطاب المؤيدين والداعمين للمظاهرات الذي حاول الاشتباك بطرق مختلفة مع ما حدث. كل ذلك جعل القضية مركزية بالنسبة للجميع، ومحل نقاش من الكل.

جانب آخر من جوانب الزخم حول القضية هو وجود مجموعات من البنات يطرحن القضية بشكل علني، ليس كضحايا يطلبن الدعم من الدولة وإنما كمشتبكات مع القضية بشكل أوسع وفي إطارها المجتمعي. في النهاية، عندما طُرحت قضية العنف الجنسي بصورة مغايرة لفكرة أن “البنات ضحايا” أعطى ذلك مساحة لعدد من الناجيات من حوادث الاعتداء الجنسي لأخذ خطوات أبعد بكثير مما كان يحدث في السابق.

حتى الحركة الحقوقية تعاملت مع الموضوع بشكل مختلف، خاصة مع اتخاذ المنظمات الحقوقية قرارًا بتغيير أدواتها بعد الثورة لتصبح أكثر قاعدية، فتفاعلت بشكل مختلف مع المجموعات التي تشكلت حول قضية العنف الجنسي ضد النساء. ولو كنا قبل الثورة ما كانت هذه الحالة المجتمعية لتتشكل، ولتم التعامل مع القضية بطريقة مختلفة تمامًا؛ مثل تنظيم موائد مستديرة وندوات -وهو ما أراه مهمًا بالقطع، أو التركيز على الدولة للضغط عليها.

مُزن أثناء مشاركتها في أحد المؤتمرات

مُزن أثناء مشاركتها في أحد المؤتمرات (Courtesy نظرة للدراسات النسوية)

  • مدى مصر: كيف يمكن رؤية تفاعل الأطراف المختلفة سواء كانت الدولة أو الإعلام أو الأحزاب السياسية مع قضية العنف الجنسي؟

مُزن حسن: كان تفاعل الأطراف المختلفة أيضًا محكومًا باللحظة التاريخية. اهتمام الإعلام وتفاعله مع هذه القضية كان مرتبطًا بالسياق التاريخي لهذه اللحظة. وأنا هنا لا أتحدث عن إعلاميين محددين محسوبين على الثورة، بل عن دائرة أوسع ومختلفة مثل لميس الحديدي ومحمود سعد وغيرهم. كل هؤلاء انفعلوا بما حدث، حتى لو كان هذا في إطار استهداف النظام السياسي وقتها (الإخوان المسلمين) وتقديمه بصفته عاجز عن حماية حق النساء في المجال العام. في النهاية استفادت القضية من هذا السياق التاريخي. كثيرًا ما أفكر أنه لو انفجرت هذه القضية في فترة حكم المجلس العسكري أو عدلي منصور أو السيسي لما حظت بدرجة الاهتمام الإعلامي نفسها. ليس فقط بسبب اختلاف موقف الإعلام تجاه الدولة، وإنما لأن الإعلام نفسه متسق مع الفكر الأبوي الذي لا يضع قضايا النساء أولوية بالنسبة لاهتماماته.

بالنسبة للأحزاب السياسية، كان هناك خلاف بين المجموعات التي نشطت على قضية العنف الجنسي حول دور الأحزاب. كانت هناك مجموعات ترى أنه ليس مهمًا أن نضغط على الأحزاب لتبني القضية بدعوى أنها كيانات غير مؤثرة. فيما كانت هناك مجموعات أخرى لا ترى أهمية لهذا الضغط لأن هذه الأحزاب غير مهتمة في المطلق بقضايا النساء. بينما كانت مجموعتنا ترى أن استهداف الأحزاب والضغط عليها وإحراجها للتفاعل مع قضية العنف الجنسي ضد النساء أمر هام وحتمي. كان سؤال “كيفية تسيس القضية دون استغلالها سياسيًا” محوريًا بالنسبة لنا. كان لدينا همّ وقتها أن تصبح قضية مواجهة العنف الجنسي ضد النساء جزءًا من الأجندة السياسية لهذه الأحزاب، خاصة أنها من كانت تدعو للمظاهرات التي شهدت هذه الاعتداءات، وبالتالي فهناك مسؤولية سياسية وعملية عليها لتأمين هذا المجال العام ليصبح صالحًا لمشاركة الجميع. كنا نعرف من تاريخ السياسية في مصر أن استغلال قضايا النساء سياسيًا أمر سهل ومتكرر ولذلك حاولنا في خطابنا ألا نوجه الاتهامات لأحد بأنه هو المسؤول عن حوادث الاعتداء الجنسي دون تحقيق حقيقي، وحاولنا وضع القضية في سياق مجتمعي بشكل أوسع وأشمل. تواصلنا مع الشباب داخل هذه الأحزاب وليس فقط القيادات، سواء بغرض ضمهم لجهود تأمين المجال العام في الميدان لمشاركة الجميع بما فيهم النساء، أو على الأقل لممارسة ضغط داخل أحزابهم لاتخاذ مواقف تجاه العنف الجنسي.

وبالفعل أصبحت القضية جزءًا من مناقشات الأحزاب السياسية. كنا نتلقى دعوات من مختلف الأحزاب ومن جبهة الإنقاذ للنقاش حول العنف الجنسي ضد المرأة وما يمكن فعله على الأقل في المسيرات والمظاهرات التي كانت تدعو لها الأحزاب المختلفة.

فيما كانت الدولة أكثر النقاط إشكالية في هذه القضية. لم تكن مجموعتنا متبنية خطاب إلصاق التهمة بالإخوان المسلمين والدولة. ليس بدافع تبرئة الإخوان، لكننا كنا نركز أكثر على فتح تحقيق جاد حول القضية ووضعها في سياقها الأكثر عمومية دون استسهال لصق الاتهامات بطرف أو بآخر -وهو ما كان يحدث من الجانبين بالمناسبة- وهذا ما كنت أقصده بالاستغلال السياسي. هناك تاريخ للعنف الجنسي في مصر وهذا ما كنا نقوله دائما. حوادث التحرش الجماعي في العيد عام 2006 لم تكن وراءها الدولة، وكذلك حوادث التحرش الجماعي في حفل محمد منير عام 2013. وبسبب هذا الخطاب واجهنا انتقادات كثيرة وقتها بدعوى أننا نحابي الدولة. هذا لا يمنع بالطبع أننا كنا مهتمين بالضغط لكي تتحرك الدولة في هذه القضية، وتحققت بعض النجاحات في ذلك بالفعل. مثلًا لا يعلم الكثيرون أن وحدة مكافحة العنف ضد المرأة بوزارة الداخلية تأسست بعد أحداث العنف في ميدان التحرير في يناير 2013، كان هذا بالطبع بعد الضغط على الدولة بما في ذلك الضغط الدولي؛ فلأول مرة يصدر الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، والمعني بالعنف الجنسي في مناطق الصراع، بيانًا عما كان يحدث في مصر، حمّل فيه الدولة مسؤولية التصدي له. بعدها، عقد محمد مرسي اجتماعًا موسعًا مع أطراف عديدة لمناقشة قضية العنف ضد المرأة وهو ما نتج عنه وحدة المكافحة بوزارة الداخلية. بغض النظر عن رؤيتنا لذلك كإنجاز من عدمه، لكن كان هناك درجة من الاعتراف بالمشكلة على الأقل، جاء نتيجة كل هذا الضغط.

  • مدى مصر: ما تقييمك لما تحقق في قضية مواجهة قضية العنف الجنسي ضد المرأة؟

مُزن حسن: التقييم يجب أن يستند على معايير محددة، منها أن طرح قضايا النساء بشكل عام يواجه صعوبة داخل المجتمع. على سبيل المثال، طرح قضايا النساء في الجوانب الأكثر سهولة مثل تمثيل المرأة في الوظائف العامة والمجالس المنتخبة ما زال يواجه صعوبة في المجتمع فما بالك بقضايا الجسد. وهناك أيضًا معيار استمرار انفتاح المجال السياسي من عدمه وتأثيره على إمكانية ممارسة الضغط لانتزاع حقوق أكثر.

ما زلت أرى أننا حققنا نجاحات في مواجهة العنف الجنسي ضد المرأة. حتى الآن ما زال هناك مجموعات داخل الأحزاب تدافع عن قضايا النساء، وأصبحت أكثر حساسية سياسيًا تجاه هذه القضايا. فضلًا عن استمرار المبادرات المعنية بقضايا التحرش وانتقالها إلى المحافظات المختلفة. أصبحنا نتلقى اتصالات تليفونية من مجموعات لا نعرفها في محافظات مختلفة تخبرنا أنهم شكلوا غرف عمليات للتعامل مع حوادث التحرش الجنسي خلال التجمعات السياسية، حدث هذا في 30 يونيو مثلًا. مجموعة مثل “جنوبية حرة” في أسوان ما زالت تضع قضية التحرش الجنسي والعنف ضد النساء على أجندتها حتى الآن. هذا على المستوى المجتمعي.

على المستوى السياسي، أصبح الحديث عن العنف ضد المرأة في العموم مقبول سياسيًا. أصبحت القضية مطروحة للنقاش وللأخذ والرد، حتى لو كان هذا الرد بالرفض. تعديل مادة التحرش الجنسي في قانون العقوبات إنجاز بدرجة ما، رغم أننا غير راضين عنه ونراه أقل مما أردناه. وكان واضحًا أن الدولة أرادت الوقوف فقط عند حدود جريمة التحرش الجنسي، غير أن النقاش بخصوص العنف ضد المرأة في المجالين العام والخاص ظل مفتوحًا.

أصبحنا نتعامل مع الدولة بمنطق “تعاطفك لوحده مش كفاية”، صحيح أن ممثلي أجهزة الدولة، مثل وكلاء النيابة والقضاة، أصبحوا يتعاملون بشكل مختلف مع قضايا التحرش، سواء بسبب وجود تعليمات بذلك أو نتيجة الضغط المجتمعي المرتبط بالقضية، إلا أن ذلك كشف لنا أيضًا أن هناك قصور وعدم كفاءة لدى هذه الأجهزة في التعامل مع هذه القضايا مما يحتاج إلى تطوير.

ما زلت أرى أن قضية 8 يونيو (محاكمة المتهمين بالاعتداءات الجنسية في التحرير بالتزامن مع احتفالات تولي عبد الفتاح السيسي منصب رئيس الجمهورية) والأحكام الصادرة فيها مكسب. أصبحنا نكسب قضايا أخرى بعدها. صحيح أن كل ذلك لا يعتبر أقصى ما نريد تحقيقه، لكنه غيّر أداء الدولة تجاه هذا النوع من القضايا. يمكننا رؤية ذلك في النقاشات داخل المجلس القومي للمرأة الذي كان يرفض من قبل مناقشة قضايا العنف الأسري ضد المرأة، والآن أصبحت رئيسة المجلس تتحدث عن قانون لتجريم ضرب الزوجات. صحيح أن ذلك القانون يصمت عن “الاغتصاب الزوجي” إلا أنه في النهاية يعكس درجة من الاستجابة للضغط.

ما زلنا نرى أن قضية العنف ضد المرأة مجتمعية بالأساس، وأن صدور القوانين والإصلاح التشريعي وحده غير كافي دون تغيير مجتمعي. لكن صدور أحكام في قضايا العنف والتحرش الجنسي وتغيير التشريعات المرتبطة بالعنف ضد المرأة يساعد على وصم ذلك الفعل وينزع القبول المجتمعي عنه.

  • مدى مصر: الحديث عن الضغط من أجل طرح قضايا النساء مجتمعيا ينقلنا إلى نقطة أخرى. تاريخيًا، لماذا لم تظهر في مصر حركات نسوية قاعدية بشكل واسع؟ وهل هناك فرص لظهور حركة بهذه الصورة في السياق المصري؟

مُزن حسن: ظهور حركة قاعدية واسعة في السياق الحالي أمر غير وارد. ولا يجب أن نحاسب الحركة النسوية دون النظر للسياقات المحيطة بها. على سبيل المثال، لماذا لا توجد حركة عمالية واسعة في مصر، لماذا لا توجد حركة قاعدية ضد التعذيب، لماذا لا توجد حركة قاعدية للدفاع عن مطلب الحد الأدنى للأجور؟ وجود حركة قاعدية نوعية مرتبط بوجود مجال عام مفتوح. وهذا ما حدث لفترة وجيزة بعد الثورة في 2011 وهو ما لم يكن موجودًا من قبل.

الأمر الثاني أن يكون هذا المجال آمن لتحرك النساء على مستوى عدم وجود قوانين تسجن المشاركين في أي حراك، وكذلك عدم وجود عنف جنسي. المشكلة الآن أن هذا المجال العام لم يعد موجودًا على جميع المستويات. لا يمكن أن تظهر حركة نوعية بشكل منفرد، فبدون تحرك جماهيري قاعدي تُطرح من داخله قضايا نوعية يصبح من غير الممكن تكوين حركة نسوية. لم تكن كل هذه الشروط موجودة من قبل ولم تعد موجودة الآن، ولم تتوافر إلا لعامين أو ثلاثة بعد الثورة وهذا كان سببًا أساسيًا لنجاح حركة مناهضة العنف الجنسي ضد النساء وقتها.

هناك صعوبات عملية مجتمعية بحتة في التحركات المرتبطة بقضايا بالنساء. مثلًا مجموعات البنات التي تنظم فعاليات ضد التحرش، سواء لصق بوسترات أو رسم جرافيتي، تختار مواعيد محددة للقيام بذلك لتجنب تعرضهن للتحرش أو للمضايقات. وفي حالة القيام بحملات توعية في الشارع يختارون أوقاتًا مغايرة لمواعيد خروج طلبة المدارس. كل هذا يحد من قدرتهم على التواصل والاحتكاك بالشارع، بالإضافة طبعًا لخطر الاعتقال المهيمن دائمًا. هناك مشكلة أننا الآن أمام الشكل الكلاسيكي لمجال عام مغلق.

هناك مشكلة أخرى لها علاقة بتبني الدولة في مراحل مختلفة عدد من قضايا النساء في نفس الوقت الذي تغلق فيه مساحات الحركة. فعندما يقوم جمال عبد الناصر سنة 1957 بتحديد إقامة درية شفيق، التي دافعت لسنوات عن حق النساء في الانتخاب والترشح في الاستحقاقات الانتخابية، وفي الوقت ذاته يُقر ذلك الحق في دستور 1956 فهذه رسالة واضحة: سنمنحكن بعض الحقوق لكننا لن نسمح بوجود أي حركة اجتماعية. هذه الرسالة أغلقت الأفق لفترة طويلة أمام أي أحلام بوجود حركة نسوية. حقيقية، لولا ثورة 25 يناير لما توافرت لدينا كل هذه الأدوات الموجودة الآن ولما أصبح لدينا هذه الأحلام.

  • مدى مصر: هل أثرت مأسسة الحركة في صورة منظمات المجتمع المدني على فرص ظهور حركة قاعدية؟

مُزن حسن: كانت هذه المنظمات جزءًا من عملية بلورة الخطاب حول تكوين حركة نسوية واسعة. كما كانت جزءًا من النقاشات حول بلورة خطاب نسوي لدى المجموعات التي تشكلت مثلًا مع قضية العنف الجنسية. لا أقول بالطبع أننا كنا وراء كل شيء، هذا غير صحيح، لكن كان لنا دور في الكثير من النقاشات، مثل النقاش حول مفهوم “حماية النساء في المجال العام” وهل المطلوب مثلًا تخصيص أماكن للنساء في المظاهرات أو في المجال العام بشكله الواسع، هل القضية هي أن يحمينا الرجال فحسب، أم أننا نريد وجود حقيقي ومؤثر للنساء في المجال العام؟، جزء من النقاش المجتمعي حول النساء في دستوري 2012 و2014 كان سببه مجهود المنظمات النسوية. أصدر مركز نظرة وقتها ورقة تحليلية عن “حق النساء في المجال السياسي العام“، كانت هذه الورقة وأشياء أخرى كثيرة أدوات لفتح نقاش مع شركاء داخل الأحزاب السياسية، وكان مطلبنا وقتها ألا تمر المواد الدستورية الخاصة بالنساء مرور الكرام. بشكل أو بآخر هذا كان شكل من أشكال التحرك القاعدي.

مُزن في إحدى الفعاليات

مُزن في إحدى الفعاليات (Courtesy نظرة للدراسات النسوية)

وجود مجوعات نسوية مُمأسسة ساعد في أوقات كتير على استمرار قضايا مختلفة حية عندما لا يكون لها جمهور مجتمعي. يمكن مثلا المقارنة بين ردود الأفعال عندما نشرنا أول ٣ شهادات لناجيات من جرائم اغتصاب جماعي في التحرير في يونيو 2012، وبين نظيرها بعد ذلك في نوفمبر من العام نفسه ويناير 2013. في البداية كان هناك انتقادات عديدة لنا، أما لاحقًا فبدأت تحدث استجابة وتفاعل. الأمر نفسه مثلًا في تبنى فكرة “ناجيات ولسن ضحايا” أو رفض “الخطاب الحمائي” تجاه النساء في المجال العام. وجود شخصيات ومجموعات نسوية مُمأسسة في اجتماعات مواجهة العنف الجنسي ساهم في ضبط خطاب هذه الحركات الهامة. استمرار الحديث عن العنف الجنسي حتى بعد إغلاق المجال العام وتفكك الكثير من المجموعات القاعدية، كان جزءًا من عمل هذه المنظمات.

طبعًا هناك مشكلة في خلق وإدارة مؤسسات المجتمع المدني، مرتبطة بالجهد الإداري المطلوب في أعمال مثل كتابة التقارير للمانحين، وتقارير الاجتماعات والفعاليات الدولية وحضور هذه الفعاليات،. كل ذلك يستنزف مجموعات صغيرة في الأصل من المهتمين بالعمل النسوي. بالإضافة للخلط بين تشكيل مجموعات وحركات قاعدية من جانب والعمل المؤسسي من جانب آخر.

هناك مشكلة أخرى هي أن النخبة في مصر غير داعمة لقضايا النساء. المجهود المبذول مع النخبة السياسية لدمج قضايا النساء في أجندتهم أكبر بكثير مع المجهود المبذول للقيام بنفس المهمة مع آخرين من دوائر أوسع، عندما أتيحت لنا الفرصة بعد الثورة. هناك صعوبة في طرح قضايا النساء بشكل واسع مع نخبة ترى أن قضايا المرأة تأتي لاحقًا بعد قضية التحرر الوطني مثلما كان الوضع قبل 1952، أو أن قضايا النساء تأتي بعد تحقيق أهداف الثورة في 2011 وما بعدها. وأنا هنا لا أتحدث عن النخب القديمة الأكبر سنًا، بل من هم في نفس جيلنا. ويمكننا استعادة ردود أفعال هؤلاء على مسيرة اليوم العالمي للمرأة يوم 8 مارس 2011 ومهاجمة منظمي المسيرة بمنطق خطاب الأولويات وقتها، رغم تعرض هذه المسيرة للضرب والتحرش بالمشاركات بها.

تأثير انفتاح المجال العام بعد 2011 أنه أصبحت هناك مجموعات قاعدية، وأصبح هناك تواصل بيننا وبين هذه المجموعات، مما ساعد على التأثير على النخبة السياسية. يمكن رؤية الفارق هنا في مظاهرتي “ست البنات” في ديسمبر 2011، ومظاهرة رفض العنف الجنسي في فبراير 2013 التي أراها لا تقل أهمية عن المظاهرة التي قادتها درية شفيق بمشاركة 1500 سيدة واقتحمت بها البرلمان سنة 1951 للمطالبة بحق المرأة في الانتخاب والترشح. أهمية هذه المظاهرة أنها تمثل تحرك على قضية مجتمعية بالأساس، وليست رد فعل على عنف من قِبل الدولة مثلا، وهو الأمر الأسهل في مواجهته والحشد ضده. جانب آخر من أهمية هذه المظاهرة أنها جاءت بمشاركة أحزاب ومجموعات سياسية كانت ترفض خطابنا في البداية، وشارك فيها قيادات هذه الأحزاب والحركات.

  • مدى مصر: جدلية المجتمع والدولة، ومن أيهما يبدأ التغيير، تطرح نفسها على كل الحركات الاجتماعية، لكنها موجودة بشكل أعمق وأكثر تعقيدًا في الحركات النسوية، كيف ترين هذه الجدلية في السياق المصري؟ وكيف يمكن التعامل معها؟

مُزن حسن: هناك ضرورة أن نتعامل مع قضايا النساء مثلما نتعامل مع أي قضايا أخرى. فلا يجب وصم السيدات حينما تتوجه بخطابها أو مطالباتها للدولة بينما لا يحدث المثل مع المدافعين عن أي قضايا أخرى مثل وقف التعذيب أو حقوق العمال. هذه من إشكاليات النخبة في تعاملها مع قضايا النساء. الانتقادات التي وجهت للبعض مثلًا عند ترشحهن للمجلس القومي للمرأة كانت أكبر بكثير من الانتقادات التي وجهت لغيرهن حين ترشحهن للمجلس القومي لحقوق الإنسان.

وقف التعذيب يحتاج إلى إقرار سياسات وقوانين ومعاقبة من يقومون بتلك الجريمة، وكذلك قضايا العنف الجنسي. لكن ما واجهناه من انتقادات  بعد صدور الحكم في قضية الاغتصابات الجماعية في التحرير يوم 8 يونيو، يؤكد أن هناك كيل بمكيالين تجاه قضايا النساء.

شخصيًا، كنت أرى فيما سبق أن التغيير يجب أن يحدث مجتمعيًا أولًا، وبالتالي كنت أرى أن إقرار قانون الخلع أمر غير مهم. لكن مع الوقت اكتشفت أني كنت مخطئة. وأن تغيير القوانين يفتح مساحات للعمل المجتمعي. القوانين تمثل أدوات في هذه الحالة. يمكننا رؤية ذلك في حالة قانون الخلع. فمع كل انتقاداتنا وقتها إلا أن التقييمات التي أجريت لاحقًا، مثل الدراسة التي أعدتها مؤسسة قضايا المرأة المصرية، أثبتت أن معظم من استفدن من القانون لم يكن نساء الطبقة الوسطى وإنما الطبقات الأفقر. وهو الأمر المغاير لتصوراتنا عن هذه القوانين أنها تخدم فقط الطبقة الوسطى. مع الاعتراف أننا في النهاية نتحدث عن نسبة محدودة ممن يردن الخلع بالفعل وهن قادرات على رفع دعاوى قضائية. وهنا تأتي أهمية استكمال التحركات بعد إصدار القانون. فالقضية لا تتوقف فقط عند حد صدور التشريع.

لا يجب أن نرى الضغط على الدولة أو التعامل معها من أجل إصدار تشريعات باعتباره نقيض لبناء حركة قاعدية. فلا يجب من ناحية أن نحتقر العمل القانوني، ومن ناحية أخرى لا يجب الاعتماد عليه فقط، وكأن حل المشكلات يبدأ وينتهي عند رضا وموافقة الدولة فحسب. هناك ضرورة للضغط المجتمعي والعمل القاعدي من جانب، والعمل القانوني لإصدار تشريعات من جانب آخر، والعمل المجتمعي من أجل تعريف الناس بالقانون وتطبيقاته، وكذلك نقد أداء الدولة المتقاعس. فحتى مجرد صدور تشريعات من الدولة لا يكفي لتطبيق هذه القوانين، فضلًا عن أن ربط كل الخيوط بالدولة معناه نهاية كل شيء، لأن وقتها سيصبح أقصى آمالنا هو الجلوس مع زوجة رئيس الجمهورية.

  • مدى مصر: في نقاط سريعة.. ما هي أهم النجاحات التي حققتها الحركة النسوية عمومًا في مصر؟

مُزن حسن: وضع قضية العنف الجنسي على أجندة الدولة والمجتمع، بداية من أن البيوت المصرية تناقش موضوع التحرش مرورًا بأن أساتذة جامعات يُحالون للتحقيق بسبب تحرشهم بطالبات. وهو ما لم تكن الجامعة راضية عنه في البداية لكنها في النهاية استجابت للضغوط. المواد الخاصة بالنساء في الدستور الحالي، حتى مع اعتقادي أن هذا الدستور غير دائم ورغم الانتهاكات المستمرة التي يتعرض لها، إلا أن ما تحققه المواد الدستورية المرتبطة بوجود النساء في المجال السياسي يعتبر أمر هام. في النهاية، ستشكل هذه المواد أرضية يمكن الانطلاق منها مرة أخرى للحصول على حقوق أخرى سواء بواسطتنا أو بواسطة أجيال لاحقة. كتابات البنات الآن عن قضايا النساء في الوسائط المختلفة وتحديدًا على الإنترنت، حتى لو اختلفت مع بعض ما يطرحنه، يظل أمر هام. كل هذا يوفر البيئة التي يمكن أن تخرج منها أجيال لاحقة تكمل الطريق لمستويات أبعد. تحول ناشطات ارتبطن بالشأن العام مع الثورة إلى أن يصرن متبنيات لقضايا النساء والخطاب النسوي، كل هذا يُعد نجاحًا.

اعلان