Define your generation here. Generation What
محطات الخلاف المصري- السعودي: كيف وصلنا إلى هنا؟
 
 

خلال أيام قليلة وبعد الكثير من المقدمات، بدأت علامات الخلاف بين مصر والسعودية في طرح نفسها بقوة، حتى بات من المستحيل تجاهلها، إذ أنها وصلت إلى حد التهديد بأزمة جديدة في قطاع المحروقات في مصر.

وخلال اليومين الماضيين، علت فجأة أصوات في الإعلام المصري الموالي أشارت إلى “استقلال الصوت الوطني” في مواجهة تنصل السعودية من التزاماتها بتوريد شحنات بترولية إلى مصر، وفجأة تحول الكثيرون ممن دافعوا عن سعودية جزيرتي تيران وصنافير، إلى الترحم على أيام الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز آل سعود.

فيما يلي استعراض لعدد من الملفات الخلافية التي ربما تكون قدمت ومهدت للخلاف العلني الحالي.

تسريبات الرز

في فبراير 2015، انتشر تسجيل ضمن موجة التسريبات المنسوبة لمكتب عبد الفتاح السيسي قبل ترشحه للرئاسة، وأثناء توليه وزارة الدفاع. وقال السيسي في التسريب “إحنا محتاجين 10 (مليار) يتحطوا في حساب الجيش. وعايزين من الامارات 10 زيهم. عايزين من الكويت 10 زيهم (..) يا عم الفلوس عندهم زي الرز يا عم”.

وعلت التوقعات بأزمة سياسية بين البلدين عقب التسريبات التي نشرتها مواقع موالية للإخوان المسلمين ولم يمكن التوثق من صحتها بشكل مستقل. إلا أن زيارة سريعة قام بها السيسي، بصحبة مدير مكتبه عباس كامل، الطرف الثاني المفترض في التسريب، إلى الرياض في مارس 2015 خفّضت هذه التوقعات. ولكن ذلك لم يمنع الكثير من الانتقادات الصحفية السعودية، خاصة من قبل الكاتب السعودي المقرب من الأسرة المالكة جمال خاشقجي والصحفي السعودي خالد الدخيل. ولم ينس السعوديون على الإطلاق هذا الوصف، حتى تحول “الرز” إلى أكثر الكلمات استخداماً عند تناول العلاقات بين البلدين، في إشارة إلى المساعدات المالية من المملكة لدعم نظام السيسي.

القوة العربية المشتركة

في مارس 2015 تبنت القمة العربية في شرم الشيخ مبادرة السيسي، ببدء تأسيس القوات العربية المشتركة، “لمواجهة التحديات وصيانة الأمن القومي العربي”، كما جاء في البيان الختامي.

ماطلت السعودية كثيرا في الاستجابة للمبادرة التي أبدى عدد من الكتاب القريبين من النظام السعودية حماساً ضعيفاً تجاهها. ونالت محاولات مصر لتأسيس القوة المشتركة ضربة إضافية حين طلبت السعودية تأجيل اجتماع إقرار بروتوكول القوة العربية المشتركة في أغسطس 2015 قبل ساعات معدودة من موعد انعقاده في القاهرة. وقال السفير السعودي في القاهرة أحمد القطان في تصريحات لصحيفة الشرق اﻷوسط إن التأجيل يرجع إلى “عدم التوصل إلى صيغة متكاملة ونهائية تلقى قبولًا لدى كل الدول العربية لهذه القوة العسكرية”.

وبنهاية العام أعلنت السعودية فعلياً وفاة مبادرة السيسي، حين أطلقت فجأة تحالفاً إسلامياً عسكرياً لمكافحة الإرهاب وأدرجت مصر ضمن أعضائه. ورأى عديدون أن القوة الإسلامية جاءت بديلا للمقترح المصري، خاصة وأن القيادة العسكرية في حالة القوات العربية كانت ستؤول إلى مصر، لاعتبارات خاصة بتعداد الجيش وقوته الاقتصادية، أما في الحالة الإسلامية فكانت ستذهب إلى باكستان، حيث ترى السعودية نفوذا أكبر لها.

وفي القمة العربية التالية في موريتانيا 2016 لم يحدث أي تقدم بشأن مبادرة السيسي التي تم إدراجها على جدول الأعمال لأغراض رآها المراقبون بروتوكولية بحتة.

بوتين في المنتصف

في نفس القمة العربية المنعقدة في شرم الشيخ في مارس 2015 أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تلقيه رسالة إلى القمة من نظيره الروسي فلاديمير بوتين. وقال السيسي: “أتوجه لفخامته بالشكر باسمكم جميعا على هذه الرسالة، وأطلب من السيد نائب الأمين العام للجامعة العربية قراءتها”. إلا أن وزير الخارجية السعودي وقتها، سعود الفيصل، اعترض على طلب السيسي علناً وقال: “هم (الروس) جزء أساسي من المآسي في سوريا (..) هل (إيصال الرسالة) هو استخفاف بآرائنا حول العالم العربي؟ هل هو عدم شعور بالكارثة؟”.

مصير بشار الأسد

كان الخلاف حول تلاوة رسالة بوتين بداية لظهور الخلاف الحاد في المواقف بين مصر والسعودية بشأن مصير الرئيس السوري بشار الأسد. ففيما تصر السعودية على أن الأولوية في الأزمة السورية هي إسقاط الأسد، فإن مصر ترى الأولوية لتقويض إمكانات المنظمات الإرهابية في سوريا و”الحفاظ على كيان ومؤسسات الدولة السورية”.

اليمن

لم يمر مارس 2015 دون محطة أخرى للخلاف بين البلدين، وذلك حين أعلنت السعودية قبل يومين من انعقاد القمة العربية في مصر إطلاق حربها في اليمن باسم “عاصفة الحزم”. وعلى الرغم من إعلان القوات المسلحة المصرية منذ البداية المشاركة في العملية العسكرية، بقيادة السعودية، إلا أن الملف اليمني ظل من وقتها واحدا من علامات الأزمة بين البلدين.

فقد كانت التوقعات السعودية حول الدور المصري على ما يبدو أعلى بكثير من الواقع، إذ اكتفت مصر بالمشاركة في الحصار البحري المفروض على السواحل اليمنية، بالإضافة إلى إشارة عابرة للرئيس عبد الفتاح السيسي أن “الطيارين” المصريين يشاركون في العملية العسكرية، في الوقت الذي تتعرض فيه المملكة لقصف منتظم على حدودها البرية مع اليمن، ما أدى لمقتل عدد من الجنود وإعطاب عشرات المركبات العسكرية.

العراق وداعش

تشهد العلاقات العراقية السعودية خلافات كبيرة تعود لسنوات ماضية، حتى أن السعودية تتهم الحكومة العراقية بالتعاون مع “القوات الشيعية للحرب على أهل السنة”، في إشارة لحرب قوات الحشد الشعبي ضد تنظيم “داعش الإرهابي”.

وفيما لم ينل إعجاب الكثير من الساسة السعوديين، أعلن العراق في فبراير الماضي الاتفاق مع الجيش المصري على تدريب عناصر أمنية وعسكرية عراقية في مصر. هذا إلى جانب تقارب الرأي العراقي مع المصري فيما يتعلق بالأزمة السورية. وتعترض السعودية في المجمل على أي محاولات لتعزيز التقارب بين النظام المصري وبين رئيس الوزراء العراقي الذي تعتبره موالياً لإيران.

التدخل البري في سوريا

في فبراير 2016، قررت السعودية بالتعاون مع الإمارات التدخل العسكري البري في سوريا. إلا أن مصر، وفي أول إشارة رسمية للخلاف بين وجهتي نظر البلدين، عارضت القرار بوضوح، ووصفته بالقرار “المنفرد”.

وقال وزير الخارجية المصري سامح شكري، في مؤتمر مشترك مع نظيره الكويتي في القاهرة إن “مصر تعتبر قرار السعودية بالتدخل البري في سوريا أمر سيادي منفرد، ولا يأتي في إطار القوة الإسلامية لمواجهة الإرهاب”، مؤكدا أن موقف مصر الثابت في القضية السورية هو اللجوء إلى الحل السياسي.

شكري لنظيره الكويتي

من موقع المصري اليوم

تأخير الوديعة السعودية

في الزيارة الأخيرة للملك السعودي سلمان بن عبد العزيز آل سعود، تم الإعلان عن اتفاق على إيداع ملياري دولار من المملكة في البنك المركزي المصري. إلا أن المركزي لم يعلن رسميا وصول الوديعة حتى هذه اللحظة، ولا يزال مصيرها غامضاً في ظل ارتفاع وتيرة الخلاف العلني بين البلدين. وأصبح مصير الوديعة شأناً ملحاً في القاهرة، حيث تعتمد عليها الحكومة المصرية في زيادة احتياطاتها من النقد الأجنبي للحصول على الموافقة النهائية على قرض صندوق النقد الدولي.

Mada on Saudi deposit

خبر مدى مصر عن الوديعة السعودية

تيران وصنافير

في نفس الزيارة للملك سلمان في إبريل 2016 وقعت الحكومتان المصرية والسعودية على اتفاق لترسيم الحدود البحرية بينهما، وهو ما تضمن نقل السيادة على جزيرتي تيران وصنافير من مصر إلى المملكة. وتم الإعلان عن الاتفاق بشكل مفاجئ للرأي العام في مصر، ما أثار موجة اعتراضات سياسية وجماهيرية هي الأكبر منذ تولي السيسي السلطة، وأسفرت عن اعتقال العشرات على خلفية التظاهر احتجاجا على الاتفاق.

وفي 21 يونيو 2016، قررت محكمة القضاء الإداري في مصر بطلان توقيع ممثل الحكومة المصرية على الاتفاق، وبطلان ما ترتب على ذلك من آثار، أهمها استمرار الجزيرتين ضمن الإقليم البري المصري، واستمرار السيادة المصرية عليهما، وحظر تغيير وضعهما بأي شكل من الأشكال أو إجراء لصالح دولة أخرى.

وبعد إصدار حكم البطلان، تقدمت الحكومة المصرية بطعن عن كل من رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس الوزراء، ورئيس مجلس النواب، ووزير الدفاع، ووزير الخارجية، ووزير الداخلية، ضد الحكم السابق. ولا تزال القضية منظورة أمام القضاء، ما منع النظام المصري- حتى الآن- من عرض الاتفاقية على البرلمان لإقرارها نهائيا. ولا يزال مصير الجزيرتين معلقا حتى اللحظة.

مؤتمر جروزني

في أغسطس 2016، أثار مؤتمر “أهل السنة والجماعة” المنعقد في مدينة جروزني في الشيشان، بمشاركة وفد مصري كبير على رأسه شيخ الأزهر أحمد الطيب والمفتي السابق علي جمعة، موجة تصريحات ومواقف سعودية غاضبة وغير مسبوقة. فقد أصدر المؤتمر، الذي عُقد برعاية الرئيس الشيشاني رمضان قديروف، في البيان الختامي تعريفا لـ”أهل السنة والجماعة” استثنى منه السلفيين والوهابية، وحصر التعريف على “الأشاعرة والماتريدية في الاعتقاد وأهل المذاهب الأربعة في الفقه، وأهل التصوف الصافي علمًا وأخلاقًا وتزكيةً”، الأمر الذي أثار حفيظة رجال الدين والسياسيين السعوديين، حتى أن الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء السعودية أصدرت بيانًا قالت فيه إن توصيات مؤتمر الشيشان هي من “الدعوات التي تهدف إلى إثارة النعرات وإذكاء العصبية بين الفرق الإسلامية”. واضطر الأزهر إلى إصدار بيان توضيحي لاحق بشأن مشاركته في المؤتمر.

بيان الأزهر

بيان الأزهر

سوريا مجدداً: اجتماع نيويورك ورسالة مجلس الأمن

على هامش الاجتماع الأخير للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في سبتمبر 2016، عقدت السعودية اجتماعاً دولياً لتباحث الأبعاد الإنسانية في الأزمة السورية، وكان لافتًا أن مصر لم تكن من بين الدول الراعية للاجتماع، بل ولم تشارك في الاجتماع من الأصل، رغم أن مصر ليست فقط العضو العربي الوحيد في مجلس الأمن وإنما تتولى أيضاً مسئولية الشق الإنساني للأزمة السورية في مجلس الأمن (بالإضافة لأسبانيا ونيوزيلاندا).

بالمثل، كان لافتا أيضا غياب توقيع مصر عن الخطاب الموجه لمجلس الأمن في يونيو 2016 لمطالبة المجلس بضرورة حلحلة الملف الإنساني في سوريا وإدخال المساعدات الإغاثية إلى المناطق المنكوبة أو الخاضعة لسيطرة المعارضة. وحملت الرسالة السعودية توقيع 43 دولة لم تكن مصر من بينهم.

قانون جاستا

في سبتمبر أيضاً، أصدر الكونجرس الأمريكي بأغلبية كبيرة من أعضاء مجلسيه، النواب والشيوخ، قانون العدالة ضد الدول الراعية للإرهاب، أو “الجاستا”. ويقضي القانون بأحقية أسر ضحايا الهجمات الإرهابية في مقاضاة الدول الراعية للإرهابيين وطلب التعويضات منها، الأمر الذي يشكل تهديداً للمملكة العربية السعودية على وجه التحديد.

وفي الوقت الذي توالى فيه صدور البيانات المعترضة على القانون من الدول الحليفة للمملكة، فقد كان من اللافت أن بيان الخارجية المصرية بشأن قانون الجاستا حمل اعتراضاً شديد الفتور، حيث اكتفى المتحدث باسم الخارجية المصرية بالقول إن مصر “تتابع باهتمام” قرار الكونجرس بإصدار القانون.
MFA on JUSTA

تعليق الخارجية على رفض الكونجرس الأمريكي فيتو الرئيس أوباما على قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب

التصويت بشأن سوريا

في بداية أكتوبر 2016 وصل الخلاف بين البلدين إلى محطة تصعيد إضافي حين قررت مصر الأسبوع الماضي في اجتماع لمجلس الأمن التصويت لصالح مشروع قرار فرنسي (بمشاركة أسبانيا) بشأن سوريا تم تقديمه وحظي بتأييد غربي تركي خليجي، ولكنه سقط بسبب استخدام روسيا لحق النقض (الفيتو). إلا أن مصر قررت في الجلسة ذاتها التصويت أيضا لصالح مشروع قرار روسي بشأن سوريا تم تقديمه في مواجهة المشروع الفرنسي وعارضته الدول الغربية والخليجية بشدة، وفي مقدمتهم السعودية.

وفيما شكّل إشارات للاستياء السعودي من الدبلوماسية المصرية، صرح المندوب السعودي في الأمم المتحدة عبد الله المعلمي أنه “كان مؤلما أن يكون الموقف السنغالي والماليزي أقرب إلى الموقف التوافقي العربي من موقف المندوب العربي (المصري)”، لتنطلق بعدها عاصفة من النقد السعودي للموقف المصري من الحرب السورية على مواقع الإنترنت، وخاصة على موقع تويتر.

اجتماع وزيري خارجية مصر وإيران

في يوم 23 سبتمبر الماضي التقى وزير الخارجية سامح شكري بنظيره الإيراني محمد جواد ظريف في نيويورك على هامش اجتماعات الأمم المتحدة. وقالت الخارجية المصرية إن “اللقاء تناول عددا من الملفات الإقليمية والأزمات الراهنة في الشرق الاوسط، وفى مقدمتها الوضع في سوريا في إطار عضوية البلدين في المجموعة الدولية لدعم سوريا”.

وإلى جانب الصراع التاريخي المحتدم بين السعودية وإيران، فإن السياسة الخارجية السعودية لطالما نظرت بعين القلق الشديد إلى أي تقارب بين النظامين المصري والإيراني اللذين انقطعت علاقاتهما الدبلوماسية منذ نهاية السبعينيات. ويُعتقد أن قرار السعودية بحجب شحنة مصر من البترول لشهر أكتوبر الجاري جاءت كرد فعل مباشر على اجتماع شكري بظريف.

شكري وظريف

شكري وظريف

حجب البترول

وهكذا وصلنا في أكتوبر الجاري إلى إبلاغ شركة أرامكو السعودية لوزارة البترول المصرية بشكل رسمي بأن شحنة الشهر الحالي من البترول لن تُرسل إلى مصر، دون توضيح أي أسباب، ما دفع الوزارة لطرح مناقصات سريعة على الموردين العالميين لسد الاحتياجات المحلية.

وكان البلدان قد وقعا خلال زيارة الملك سلمان إلى القاهرة في إبريل الماضي على اتفاقية لتوريد 700 ألف طن شهريًا من المواد البترولية المكررة من السعودية لمصر لمدة 15 عامًا، وبلغت قيمة الاتفاق 23 مليار دولار.

اعلان