Define your generation here. Generation What
نزلة برد عند سيناترا غيّرت تاريخ الصحافة
 
 

“كان سيناترا مريضًا. كان ضحية مرضٍ شائعٍ لدرجة أنَّ السواد الأعظم مِن الناس لا يُعيرونه أدنى اهتمام، لكن عندما يتعلَّق الأمر بسيناترا، فإن تلك الوعكة يُمكن أن تُغرقه في بئر مِن الآلام، في بحرٍ مِن الكآبة العميقة، أن تجعله مذعورًا، بل وغاضبًا، كان فرانك سيناترا مصابًا بنزلة برد”.

هذه إحدى فقرات الصفحات الأولى مِن القصة الصحفية الشهيرة “فرانك سيناترا عنده برد”، للصحفي الأميركي جاي تاليز، والتي ترجمها إيهاب عبد الحميد وصدرت بالعربية عن “منتدى المحررين المصريين”، وهو أحد نشاطات البرنامج المصري لتطوير الإعلام. القصة التي تناولت المُغنِّي الأمريكي الشهير فرانك سيناترا مَن زوايا لم تكنْ معتادةً في ذلك الوقت، نُشرت لأول مرة في مجلة سكواير الأمريكية عام 1966، أي منذ خمسين عامًا بالضبط.

القصة في أصلها الإنجليزيالقصة في أصلها الإنجليزي

في مقالة لها بمجلة “نيمان ريبورتس”، علّقت الناقدة ماريا هنسن قائلة: “أستطيع أن أجد في هذه القصة كل المعالم اللازمة في القصص غير الخيالي البديع؛ المشاهد، الحوار، الشخصيات، المونولوجات الداخلية، البداية، النهاية، التنقل، البناء المتكامل الذي يُضفي معنى أشمل”.

لم يتمكَّنْ جاي تاليز مِن لقاء سيناترا مِن أجل كتابة هذه القصة، وهنا بدأت محاولة العثور على حلولٍ مغايرة، أخذته إلى لقاء أكثر مِن مئة شخص مِن الدوائر الملتفة حول سيناترا مِن أصدقاء وزملاء وعاملين، وحتَّى بعض خصومه؛ ليبني قصةً غير تخيلية Non-Fiction Story، من 15 ألف كلمة، لا تزال محل احتفاء، لكونها عملًا استثنائيًا، ليس فقط في الصحافة الاستقصائية، بل أيضًا في استخدام الصوت الأدبي لتشكيل نسيج العمل الصحفي، وهو ما سُمّي حينها “الصحافة الجديدة”.

تبدأ القصة بوصفٍ مشهدي لسيناترا واقفًا يدخّن سيجارة، وفي اليد الأخرى كأسٌ مِن ويسكي البوربون، في بار داخل ناد بمنطقة بيفرلي هيلز. يُظهر لنا تاليز كم يبدو سيناترا صامتًا، في مزاج عكر بسبب نزلة البرد، وهو على وشك تصوير حلقة تليفزيونية سيُغنّي فيها 18 أغنية من لحظات مختلفة في مسيرته، لكن ليس هذا فقط ما يشغل باله، بل الفيلم الوثائقي الذي سيُعرض عنه، وربما يتعرّض لحياته الخاصة، وتلك الفتاة العشرينية التي أحبها، لكنها لم تأتِ هذه الليلة، ليبدأ بعدها تاليز ترحالًا زمنيًا بين اللحظة الآنية لفترة كتابته القصة، ومحطّات في ماضي سيناترا على هيئة ومضاتٍ مِن علاقته بمَن حوله، ليقدّم في النهاية نظرة مختلفة عن الرجل.

“سيناترا بالبرد يُشبه بيكاسو دون ألوان، فيرارى دون وقودٍ. نزلة البرد العادية تنزع عن سيناترا جوهرته النفيسة، صوته، وتغوص كالطعنة في قلب ثقته بنفْسه. لا تُؤثِّر على حالته النفْسية فحسب، وإنما يبدو أنها تتسبّب أيضًا في نوعٍ مِن الرشح النفْسي لعشرات من العاملين معه، من ندمائه ومُحبيه، ومن المتوكّلين عليه في رزقهم واستقرارهم. إن سيناترا المصاب بالبرد يُمكن أن يرسل ذبذبات تُربك صناعة الموسيقى والسينما والاستعراض وما وراءها من صناعات، تمامًا كما يُمكن لوعكة مفاجئة أصابتْ رئيس الولايات المتحدة أن تهزَّ الاقتصاد القومي بأكمله”.

يُظهر تاليز سيناترا بكلِّ تناقضاته وانفعالاته، يجعلنا نراه كإنسانٍ عادي يحب من هم حوله حقًا: “في احتفالات عيد الميلاد، ستجده يذهب بنفْسه لاختيار عشرات الهدايا لأقربائه وأصدقائه المقربين، وسيتذكَّر نوع المجوهرات التي يحبونها، ألوانهم المفضلة، مقاسات قمصانهم وفساتينهم. عندما فقد أحد أصدقائه الموسيقيين منزله ولقيتْ زوجته مصرعها في أحد الانهيارات الطينية في لوس أنجلوس قبل نحو عامٍ، جاء سيناترا شخصيًا لمساعدته، فعثر للموسيقي على بيت جديد، ودفع ما لم تدفعه شركة التأمين مِن فواتير المستشفى، ثُم أشرف بنفسه على تأثيث البيت الجديد بأدق التفاصيل، بما في ذلك استبدال الفضيات والبياضات، وشراء الملابس الجديدة”.

لكن هذا الشخص الذي يبدو كريمًا مع المقربين له، هو نفْسه الذي قد ينفجر غضبًا عندما يُخطئ أحد رجاله إن كلَّفه بمهمة، مهما كانت تافهةً أو بسيطة: “عندما أتى أحد رجاله بساندويتش (فرانكفورتر) وعليه بعض الكاتشب- الذي يكرهه سيناترا- ألقى الزجاجة بغضبٍ على الرجل، ناثرًا عليه الكاتشب من فوقه لتحته”.

رجال سيناترا، هذا التعبير الذي سيستخدمه تاليز كثيرًا في وصف من يعملون مع المغنّي الشهير، بداية من براد ديكستر الذي كان على استعداد لقتل نفْسه لحماية سيناترا، وكان يتدخَّل حتَّى يمنع تفاقم المشكلات التي قد تأتي من وراء تقلُّبات مزاج صديقه بين منتصف الليل والفجر، مرورًا بمحاميه ميلتون رودين الذي شاهد البرنامج الوثائقي وهو يُدخِّن سيجارًا بعينٍ حريصة وعقل قانوني منتبه، ليكون مستعدًا لأي إساءة لسيناترا؛ ليُقاضي القناة عليها. (لم يكن البرنامج الذي كان يخشاه الجميع سوى وصلة مديحٍ في سيناترا، ولم يكن الخوف الذي شعر به المغنِّي الأمريكي ذو الأصل الإيطالي إلا أحد أشكال المخاوف الهوليوودية). هناك أيضًا جيم ماهوني، واد بوتشي، وماكيير سيناترا، ووكيله في نيويورك هنري جيني، وصاحب محل الملابس المفضل لديه ريتشارد كارول، وسمسار تأميناته جون ليلي، وخادمه الخصوصي، الزنجي الوسيم جورج جاكوبس الذي يلعب موسيقى راي تشارلز على البيانو، لتسلية الفتيات في السهرات التي يُرتّبها سيناترا في شقته.

“معظم الرجال الذين يعملون حول سيناترا يتمتَّعون بأجسادٍ ضخمةٍ، لكن ذلك لا يبدو أبدًا رادعًا له أو حاجزًا يحدُّ مِن تصرفاته الهوجاء معهم عندما تتملّكه نوبة الغضب. وهم على أي حالٍ لن يردوا أبدًا على أي من أفعاله، فهو الزعيم”.

يعرج تاليز على حكاية والدة سيناترا “دولي”: “نعم ابني يُشبهني. إذا ضايقتَهُ لن ينسى أبدًا”.

هكذا يُحذِّرنا تاليز “ليس مِن الفطنة أن تُحاول توقُّعَ ردود أفعاله، فهو رجل غير مُتوقَّعٍ بالمرة، مُتقلّب المزاج، ومُتعدّد الأبعاد، رجل يتصرّف من واقع اللحظة وبدافع الغريزة، يتصرّف فجأة، وبشكل درامي، ولا يستطيع أحد أن يتوقّع ما يحدث بعد ذلك”.

كانت الأم تحلم بأن يُصبح ابنها مهندس طيران، لكنه صدمها بحلمه بأن يكون مغنيًا. لم يكن الأمر غريبًا، فالكثير من الإيطاليين الأميركيين مِن جيله كان لديهم الرغبة ذاتها، فربما لا تجد بينهم روائيًا كبيرًا، لكنك لا تستطيع إنكار موهبتهم في الغناء الأوبرالي. عنّفته الأم في البداية، هدّدته، ثم شجّعته مستسلمة لعناده ورغبته، لم يكن أحد من أبناء جيله يرى الحلم بوضوح كما رآه هو.

كان سيناترا يعرف كيف تملك المرأة، بألا تملكها أبدًا. هكذا كان في الخمسين من عمره وعلى علاقة بثلاثة نساء من ثلاثة أجيالٍ. “لا يشعر أنه كبير في السن، بل يجعل الكبار يشعرون بالشباب، يجعلهم يُفكّرون: إذا كان سيناترا يستطيع فعل ذلك، فربما يمكن أن نفعله أيضًا”.

ورغم تعدُّد علاقاته النسائية وحياته الصاخبة دومًا، ظل سيناترا مخلصًا لنانسي بارباتو، زوجته الأُولى وأم ثلاثة من أطفاله. معها فقط كان يشعر بالراحة، حتَّى بعد أن انفصلا، ظل يلجأ إليها، ويحتفظ بمقتنياته الأثيرة عندها. لم تكن هناك ضغينة في انفصالهما، وظل يُقدّرها طوال حياته.

لم تتزوَّج نانسي بعده أبدًا: “من تتزوّج مِن فرانك سيناترا، لا تتزوَّج بعده”. هذا ما قالته لإحدى صديقاتها.

حول الكتاب في العربية

يبدو العنوان الذي اختاره المترجم لافتًا، فالحل المباشر هو أن يكون “سيناترا مصابٌ بنزلة بردٍ”، لكن إيهاب عبد الحميد اختار صياغة تُكتب بالفصحى، لكن حين تُقرأ، يُمكن أن تظهر بالعامية بسهولةٍ. تظهر أيضًا تفضيلاته لاستخدام بعض الكلمات التي ينطبق عليها أمر العنوان، مثل “مُحزّقة”، أو حتَّى تعبيرات عامية صِرفة مثل “بوكلات”، أو “يشهنف” (ما نفعله بأنفنا حين نصاب بالبرد).

كان حتميًّا وجودُ هوامش تفسّر الكثير مِن تفاصيل الأمكنة التي تتنقّل بينها الحكاية، بالإضافة لسياقات بعض الأحداث، والشخوص، وبعض المهن التي كانت رائجة وقتها، ولم يعد لها وجود، بالإضافة لنبذات عن أسماء لشخصيات هامة من خصوم سيناترا أو أصدقائه.

رُبمَّا تأتي ترجمة هذا العمل لتُشير للمؤسسات الصحفية، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، إلى أهمية الاستثمار فيما لديهم مِن عقول صحفيين يمتلكون مهارات مُغايرة. ربما تكمن أهميتها في أنها تجعلنا نعيد التفكير في أهمية ما قد يحتويه النص الصحفي من فرادة، وإن أتى هذا أحيانًا على حساب إيقاع النشر المتسارع الذي يبدو بوضوح أنه أصبح هوسًا في اللحظة الحالية.

اعلان
 
 
محمود حسني