Define your generation here. Generation What

ألم يحن الوقت لأن يتكلم العمال في السياسة؟!

تابعتُ باهتمام كمحلل اقتصادي شهادات العمال في ندوة نظمها “المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية” قبل أيام، حيث كان القاسم المشترك بين المتحدثين الآتين من قلب صفوف الاحتجاج العمالي هو الشكوى من ارتفاع الأسعار، ما يجعل من تلك الاحتجاجات العمالية بمثابة إجابة عن السؤال الملح على الأذهان حول التأثيرات الاجتماعية للأزمة الاقتصادية الحالية، وللإجراءات الاقتصادية القاسية التي تطبقها الحكومة برعاية صندوق النقد والبنك الدوليين لاحتواء تلك الأزمة.

لنبدأ باحتجاجات فندق طابا. كان عصمت بيومي، مشرف الأدوار بالفندق، يحاول السيطرة على غضبه وهو يتحدث بحسرة عن سنوات طويلة قضاها العمال في هذا الفندق وظروف عصيبة تحملوها معًا في موقع العمل، من أعمال إرهابية وسيول طبيعية.

قطاع واسع من عمال هذا الفندق، بحسب روايتهم، يواجهون حاليًا ضغوطًا قوية للتسريح في نهاية العام الجاري، باستحقاقات هزيلة ومخالفة لقانون العمال.

نستطيع بسهولة تخمين أن من دوافع الفندق للتخلي عن عمال راكموا خبرات كبيرة على مدار سنوات في نشاط الفندقة، كانت الضغوط العنيفة التي يواجهها قطاع السياحة في سيناء هذه الفترة، فالإيرادات السنوية لنشاط السياحة هي في انخفاض مستمر منذ العام 2010-2011. ويبدو العام المالي الماضي، الذي شهد حادث سقوط الطائرة الروسية في سيناء، أكثر ركودًا من سابقه، فآخر بيانات البنك المركزي عن السياحة في 2015-2016، يقدر إيراداتها في الربع الثالث بـ 550 مليون دولارًا، وهو ما يمثل تقريبًا ثلث الإيرادات في نفس الفترة من العام السابق: 1.4 مليار دولار.

من واقع هذه البيانات الاقتصادية يمكن الإمساك ببداية الخيط للوصول إلى الفكرة التي أريد طرحها من خلال هذا المقال، وتتلخص في أن الحركة الاحتجاجية للعمال وحدها لن توصلنا بالضرورة للحقوق في ظل الأزمة الاقتصادية الضاغطة، وهذا لا يعني أن على العمال قبول الأمر الواقع، ولكن أن هناك احتياجًا لتطور الاحتجاجات لتصبح حركة سياسية أيضًا، بجانب كونها حركة مطلبية.

لنعد لندوة المركز المصري كي نطرح مثالًا جديدًا يعضِّد هذه الفكرة، فعمال شركة شامبيون للزيوت الغذائية يواجهون أيضًا خطر تصفية الشركة والخروج بتعويض مخالف لقانون العمل، والمبرر الرئيسي للتصفية ليس بعيدًا أيضًا عن الأزمة الجارية، حيث ينقل العمال عن الإدارة أن الشركة تواجه أزمة في استيراد مدخلات الإنتاج، بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار.

لا شك أن الظروف الاقتصادية العصيبة التي تعيشها البلاد الآن كان لها انعكاس واضح على قطاع الصناعة، فأداء القطاع الصناعي غير البترولي خلال الثلاثة أرباع الأولى من العام المالي الماضي كان يتأرجح بين الانكماش والنمو تحت الـ1%، كما تعاني الصناعة من حزمة من الأزمات المتداخلة التي بدأت بركود السوق الأوروبي، الشريك التجاري الأكبر، بعد الأزمة المالية العالمية، ثم تفاقمت بأزمة نقص الطاقة، وانتهاء بمشكلة ارتفاع سعر الصرف وعدم إتاحة العملة الصعبة لشراء خامات ومدخلات الإنتاج.

العاملون في القطاع الحكومي ليسوا بمنأى عن الأزمة الحالية، فاستمرار النمو الاقتصادي الضعيف، الذي بدأ منذ انطلاق الأزمة المالية العالمية في 2008 وتفاقم في السنوات التالية، شجَّع الحكومة على التقشف في أجور موظفيها.

وعلينا ألا ننسى هنا أن الظروف العالمية ليست المسؤول الوحيد عن ضعف أداء الاقتصاد المصري، ولكن كان أيضًا لأجواء القمع السياسي، وفشل التحول الديمقراطي في السنوات الأخيرة ثم انتشار أعمال الإرهاب، دور بارز في هذا الأداء الاقتصادي.

وتكشف بيانات الأجور الحكومية في موازنة العام الجاري عن تحولات درامية في الأحوال المعيشية للعاملين لدى الدولة، حيث انخفض معدل النمو في ميزانية هذه الأجور في العامين الأخيرين بشكل قوي، وبعد أن كان معدل النمو يتجاوز الـ10% حتى عام 2014-2015، اقتصر في العام الماضي على 8.6%، وفي موازنة العام الحالي على 4.5%.

ويتزامن هذا الانكماش في الأجور مع معدلات تضخم مرتفعة، يتوقع البعض أن تتجاوز الـ 20% بنهاية 2016، بفضل حزمة السياسات التي اتفقت عليها الحكومة مع صندوق النقد والبنك الدوليين، وشملت تخفيضًا في قيمة العملة المحلية والتوسع في فرض ضرائب المبيعات.

نستطيع إذن تفهم إضراب عمال النقل العام في ظل أجواء التضخم، ولكن الدولة لا تميل لمثل هذه التفسيرات الاقتصادية، وتحدثنا في المقابل عن اكتشافها لخلية إخوانية في أوساط عمال النقل العام. والمدهش أن أحد قيادات هذا الإضراب، طارق البحيري، كان يقود الحركة الاحتجاجية بالنقل تحت حكم الرئيس الإخواني محمد مرسي!

لنحاول الآن رؤية الصورة الكبيرة لتلك الاحتجاجات العمالية المتفرقة؛ لدينا أزمة اقتصادية تُغذّي نفسها بنفسها، فعلى مستوى القطاع الخاص تتسبب أزمة الدولار في ضعف أداء القطاع الصناعي ما يؤثر على الصادرات التي تجلب الدولارات للاقتصاد.

وعلى مستوى السياسة نعيش في أجواء أمنية، من موجات اعتقال واختفاء قسري، لم تنجح في وقف أعمال الإرهاب التي تؤثر على أنشطة رئيسية توفّر النقد الأجنبي مثل السياحة.

بل وتدفع الضغوط الاقتصادية الحكومة للتقشف في الإنفاق على الأجور، ما سيقود بالتبعية لضعف الاستهلاك وتدهور النمو الاقتصادي تدريجيًا.

هذه الصورة الكبيرة للأزمة الاقتصادية – الاجتماعية لا تدفعنا بالضرورة لليأس، فأمام الحركة النقابية الوليدة بعد ثورة 2011 فرصة لكي تتطور من مستوى الحركة المطلبية إلى تبني مشروع سياسي، وسأطرح هنا بعض الأمثلة على المقصود بـ”المشروع السياسي”.

أحد عناصر هذا المشروع هو المطالبة بتطبيق حقيقي لتشريعات العمل وحماية الحريات النقابية، فقد يكون من حق القطاع الخاص تصفية نشاطه تحت وطأة أزمة اقتصادية، لكن ذلك لا يعني عدم تعويض العاملين.

وبعد خروج العاملين من الشركة الخاسرة، من حقهم أن تحميهم الدولة من السقوط في الفقر، وذلك من خلال توفير إعانة بطالة، وهي بمثابة أجر مؤقت يحصل عليه العامل المفصول لفترة مؤقتة حتى يجد وظيفة جديدة.

ولماذا تترك الدولة الشركة تسقط في الخسارة أصلًا؟ هذا سؤال علينا طرحه. هل من الحكمة أن تُترك شركة تصنِّع الزيوت للخسارة دون أن تتدخل الدولة لمساندتها؟ ألن يتسبب انهيار تلك الشركة في خسارة الاقتصاد ككل عندما يتزايد احتياجنا لاستيراد الزيوت من الخارج؟

نحن في حاجة لدور فاعل لوزارة الصناعة، واستراتيجية تصنيع على أرض الواقع، وليس على الورق فقط، خاصة وأن عمال شامبيون كانوا يطرحون في الندوة إمكانية الاعتماد على بذور محلية في صناعاتهم، وهي فكرة قد تكون جديرة بالدراسة.

لو حاولنا اختيار عنوان كبير لمشروع العمال السياسي في هذه الفترة، فسيكون “أوقفوا التقشف ووفروا الحماية الاجتماعية”، وسيندرج تحته كل نقد لسياسات تغطية عجز الموازنة بضرائب غير عادلة، مثل ضرائب المبيعات، في الوقت الذي تنتعش فيه المضاربات ولا تجد لها رادعًا. كما سيشتمل على رؤية لتطوير حقيقي في شبكات الأمان الاجتماعي، التأمينات الاجتماعية والتأمين الصحي ومنظومة الدعم.

ما يجري الآن من تقشف عنيف في أوجه الإنفاق الاجتماعي، غير مصحوب بتطوير حقيقي لنظم الحماية الاجتماعية، هو بمثابة جريمة في عرف أي مدرسة اقتصادية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

اعلان