Define your generation here. Generation What
لقاء مع “حبر” حول اتفاقية الغاز الأخيرة مع إسرائيل والاحتجاج الشعبي المصاحب لها
 
 

أثارت الاتفاقية المبرمة ما بين الأردن وإسرائيل في أواخر الشهر الماضي والتي بموجبها تستورد الأردن ٣٠٠ مليون قدم مكعب من الغاز يوميًا من إسرائيل لمدة ١٥ عاما موجة من الاحتجاجات في الشارع الأردني وذلك بعد أيام من إجراء انتخابات برلمانية كان النظام حريصاً على انعقادها بنجاح لما تشير له من استقرار النظام واتساع قاعدة مؤيديه وتجددت المظاهرات يوم أمس الموافق 7 أكتوبر تحت شعارات “الدم ما بصير غاز”، ” “غاز العدو احتلال”، “الشعب يريد إسقاط الاتفاقية”، “الشعب يريد إسقاط وادي عربة”، “يسقط يسقط التطبيع”.

تحدثنا عن هذه التطورات مع فريق موقع “حبر” في عمان والقائم على إنتاج محتوى خبري وتحليلي مستقل من الأردن، وذلك في إطار الاستشارة المستمرة بيننا حول مستجدات الوضع في بلادنا. شارك في الحوار دعاء علي، مديرة التحرير، وريم المصري، مديرة الأبحاث وإحدى مؤسسي الموقع.

جاء هذا اللقاء في إطار “ملتقى فبراير” الذي استضاف خلاله “مدى مصر” في القاهرة مجموعة من مؤسسي مواقع إلكترونية عربية، حديثة نسبيًا، ومعروفة باستقلاليتها ورؤيتها النقدية التقدمية، حيث خلص الحوار إلى إبداء الأطراف المختلفة الرغبة في التعاون وفتح قنوات للنقاش والتفكير سويًا والعمل المشترك.

لنبدأ بطبيعة الاحتياج الحالي بشأن استيراد الغاز الطبيعي من إسرائيل وحتمية التوجه لهذه الاتفاقية خاصة وأننا قرأنا على موقعكم بعض المحتوى عن خيارات وبدائل لتوفير حاجة الأردن من الغاز. ما الذي يجب أن نعرفه؟

دعاء علي: منذ إعلان توقيع رسالة النوايا بين شركة الكهرباء الأردنية الوطنية وشركة نوبل إنرجي الأمريكية (التي تملك الحصة الأكبر من حقوق استخراج الغاز من حقل ليفايثان قبالة الساحل الفلسطيني المحتل، إلى جانب مجموعة شركات ديليك الإسرائيلية) في ٢٠١٤، تغير الكثير فيما يتعلق بخيارات الأردن في مجال الطاقة.

في العام الماضي تم افتتاح ميناء للغاز الطبيعي المسال في العقبة، يستورد الأردن عبره حاليًا١٥٠ مليون قدم مكعب من الغاز يوميًا، في اتفاقية لمدة خمس سنوات مع شركة شل. هذه الكمية حاليًا، بعدما تحول الأردن للاعتماد جزئيًا على النفط في إنتاج الطاقة، باتت تحقق فائضًا يُصدّر كغاز أو كطاقة متولدة منه. كما وقعت شركة الكهرباء أخيرًا اتفاقية لمدة ٣٠ عامًا مع الشركات المالكة لحقوق استخراج الصخر الزيتي في الأردن، سيتم بموجبها بيع الصخر لإنتاج الطاقة بسعر منافس بحسب تلك الشركات. وتسير الحكومة الأردنية نحو توقيع اتفاق لإنشاء أنبوب من البصرة إلى العقبة سيمد الأردن بالنفط، دون أن تُحدد كميته حتى الآن.

إلى جانب ما سبق، فالخيارات المتجددة لإنتاج الطاقة ما زالت حاضرة بقوة. محافظة معان في جنوب الأردن تمتاز بإحدى أعلى نسب الإشعاع الشمسي في العالم (أي مقدار الطاقة المتولدة من الأشعة الساقطة على المتر المربع)، وهو ما يؤهلها لاحتضان مشاريع لإنتاج الطاقة الشمسية. حاليًا، بدأ التشغيل التجريبي لمشروع “شمس معان“، إلا إنه لن يوفر بالسعة الحالية أكثر من ١٪ من احتياج الأردن للطاقة الكهربائية. لكن هناك دوافع لمزيد من الاستثمار في المنطقة، خاصة وأن معان أفقر محافظات الأردن وأعلاها من حيث البطالة.

قبل انقطاع استيراد الغاز من مصر، كان الأردن يستورد حوالي ٢٥٣ مليون قدم مكعب من الغاز، وتحول بعدها للاعتماد على النفط في إنتاج الطاقة، وهو ما خلق أزمة الطاقة الحالية، على الأقل في الرواية الرسمية. لكن الخيارات المتاحة، حتى دون التطرق للبدائل النظيفة المستدامة، تغطي نسبة عالية من احتياجات الأردن. بالتالي، يبدو من غير المبرر توقيع اتفاقية لاستيراد ٣٠٠ مليون قدم مكعب يوميًا من إسرائيل لمدة ١٥ سنة، مع خيار شراء تراكمي إضافي يصل إلى حد ٣٥٠ مليون قدم مكعب يوميًا، أي أكثر بكثير مما كان الأردن يستورد قبل خمس سنوات، حين لم تكن أمامه خيارات أخرى كما الآن. كما أن هذه الاتفاقية من المفترض أن تدخل حيز التنفيذ في عام ٢٠١٩، أي قبل سنتين من انتهاء الاتفاقية مع شل، مما يعني أن الأردن غالبًا سيستورد أكثر من حاجته خلال هاتين السنتين.

بالطبع، ازداد عدد سكان الأردن في السنوات الأخيرة وازادت حاجته للطاقة، لكن المؤشرات السابقة كلها تذهب باتجاه تأكيد أن الحكومة لم تستنفذ خياراتها قبل توقيع الاتفاقية الأخيرة، وهو ما يعزز الاعتقاد بوجود دافع سياسي أولًا، نظرًا إلى أن المفاوضات حول الاتفاقية تمت برعاية الديوان الملكي والخارجية الأمريكية، كما أظهرت عدة تقارير.

المشهد من حيث خيارات الطاقة بالتأكيد ليس بالقتامة التي يروج لها، حتى مقارنة بما كان عليه قبل سنتين. ويمكن ملاحظة ذلك في دفاع الحكومة نفسها عن الاتفاقية، الذي بدا خجولًا هذه المرة مقارنة بما كان عند توقيع رسالة النوايا، حين تم الإيحاء بأن الأردن على وشك الانفجار.

ما هو السياق المصاحب للحراك الأخير المناهض للاتفاقية وما تاريخه؟

ريم المصري: الحراك ضد الاتفاقية لم يبدأ الأسبوع الماضي فقط خلال المسيرة الشعبية لرفض اتفاقية الغاز أو مبادرة #طفي_الضو. ولكنه بدأ منذ توقيع اتفاقية النوايا بين شركة الكهرباء الوطنية وشركة نوبل إنيرجي في ٢٠١٤. تأسست في ذلك العام “الحملة الوطنية الأردنية لإسقاط اتفاقية الغاز مع الكيان الصهيوني” التي ضمت حركات شعبية وأحزاب ومؤسسات، فضلاً عن النقابات العمالية المختلفة. نـظمت خلال سنتين مسيرات وفعاليات وندوات وبيانات ترفض اتفاقية النوايا. دفعت الحملة أيضاً مجلس النواب لتقديم مذكرة رفض للاتفاقية للحكومة في ٢٠١٤ ونظمت محاكمة شعبية في ٢٠١٥ ضد الحكومة الأردنية بتهمة زعزعة أمن الدولة بسبب رهن مستقبل الطاقة في الأردن بيد العدو الصهيوني.

منذ ٢٠١٤، تركز معظم الحراك ضد الاتفاقية في العاصمة عمان مع تحركات في مدن مثل الزرقاء والكرك وإربد. البعد الوطني للتحرك تمثل أيضا في انضمام مؤسسات وطنية مثل النقابات العمالية وحزب الوحدة وحزب العمل الإسلامي لحملة إسقاط الاتفاقية.

هدأ الحراك في آخر سنة على إثر افتتاح ميناء العقبة للغاز المسيّل في ٢٠١٥ وتجميد إسرائيل لاتفاقية الغاز بسبب الخلاف الداخلي بين حكومة اسرائيل وشركات استخراج الغاز الإسرائيلية. سمح ميناء العقبة الجديد للأردن باستيراد الغاز المسيل من مصر وقبرص والجزائر وتصدير الفائض لمصر والعراق وفلسطين في ٢٠١٦.

خبر توقيع الاتفاقية الأسبوع الماضي جاء كصدمة خاصة بعد أن فنّد افتتاح ميناء العقبة الحجة الرسمية في أن الغاز من إسرائيل هو الحل الوحيد أمام الأردن لسد حاجاتها من الطاقة. ولكن علينا فهم توسع دائرة رفض الاتفاقية في سياق الأحداث التي سبقت وتلت توقيع الاتفاقية. فقد جاء خبر توقيع شركة الكهرباء الوطنية مع شركة نوبل انيرجي لاتفاقية الغاز في الفترة التي كان رئيس الحكومة المكلف بتسيير الأعمال، هاني الملقي، ما زال يختار حكومته، وكانت البلاد خارجة من الانتخابات البرلمانية وتنتظر بدء أعمال البرلمان المنتخب. في نفس هذا الشهر، أيلول (سبتمبر)، انشغل الرأي العام في سلسلة من الأحداث المتتابعة بدأت بمقتل المواطن الأردني سعيد العمرو على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي دون متابعة آنية من وزارة الخارجية. كما كان هناك عملية فرز نتائج الانتخابات وما رافقها من سرقة صناديق اقتراع، وإحراق أشجار وقطع طرق من مؤيدي المرشحين. وأخيرا لدينا عملية اغتيال الكاتب ناهض حتر على بوابة قصر العدل على خلفية نشره لكاريكاتير وُصف بأنه مسيء للإسلام والذي اعتقل بسببه من قبل الدولة بتهمة ازدراء الأديان.

كل هذا حدث في أقل من شهر، ولكن ما أجج الاعتراض ووسع من دائرة المشاركة في المسيرات ومبادرة #طفي_الضو أيضا هو تأجيل الجلسة الافتتاحية للبرلمان المنتخب لمدة شهر ونصف من موعدها بإرادة ملكية بعد خبر توقيع الاتفاقية. فكان تأجيل افتتاح البرلمان مناقضاً للخطاب الرسمي السائد والمكثف للمشاركة بالانتخابات منذ بداية العام. حمّل هذا الخطاب المواطن مسؤولية العملية الإصلاحية ولام فشل مجلس النواب السابق على اختيارات الناخبين أو المقاطعة الانتخابية، وجرّم من يدعو الى مقاطعة الانتخابات بوصفه “عدو الدولة”، الى درجة أن دائرة الإفتاء أصدرت فتوى تحرم مقاطعة الانتخابات.

دعاء علي: التوقيت مرتبط بوضوح بالانتخابات النيابية، إذ تم الإعلان عن الاتفاق بعد ستة أيام على الاقتراع. مجلس النواب السابق تفاعل مع قضية الغاز (بغض النظر عن حساباته الداخلية التي قادت إلى ذلك) وطالب بمناقشتها واستجواب الحكومة بشأنها والتصويت عليه، وصوّت رافضًا لها، وهو ما تجاهلته الحكومة.

بعد الانتخابات الأخيرة، أعلن الملك تأجيل عقد الدورة العادية لمجلس الأمة (النواب والأعيان) حتى السابع من تشرين الثاني (نوفمبر)، وذلك ضمن صلاحياته الدستورية. هذا التأجيل بدا لكثيرين محاولة لإتاحة الوقت أمام الحكومة الجديدة (التي ستنتظر منحها الثقة) لتهيئة اتفاق ضمني ما مع النواب، أو ربما الضغط عليهم، مما يساعد على تمرير الاتفاقية. المسألة الهامة هنا هي أن المادة ٣٣ من الدستور تنص على أن “المعاهدات والاتفاقات التي يترتب عليها تحميل خزانة الدولة شيئاً من النفقات أو مساس في حقوق الأردنيين العامة أو الخاصة لا تكون نافذة إلا إذا وافق عليها مجلس الأمة”، لكن لا نعرف حتى الآن إلى أي حد ستأخذ الحكومة هذا البند بجدية.

ما الذي تشير له هذه الحركة الاحتجاجية الأخيرة؟

ريم المصري: مشاركة الآلاف في المسيرة الشعبية للاحتجاج ضد الاتفاقية يوم الجمعة الماضي في وسط عمان وفي مبادرة #طفي_الضو ليست فقط رد فعل الشارع على رفض التطبيع مع إسرائيل، ولكنها أيضا دليل على رفضه آلية صنع القرار في الأردن. فكانت نسبة المشاركة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة (٣٧٪) التي سبقت خبر توقيع الاتفاقية بحوالي أسبوع أدناها خلال آخر خمسة انتخابات. وما بين المشاركة الواسعة في احتجاجات الشارع ومبادرة #طفي_الضو، والمشاركة الضئيلة في اختيار الشعب لممثليه بالبرلمان نرى دلالة انعدام الثقة الشعبية بالآليات الرسمية الوحيدة التي تضمن مشاركته بالتشريع والرقابة في الأردن. هذا الشعور العام هو حصيلة قرارات امتدت على آخر سنة طالت حريات المواطنين وزادت من غلاء المعيشة دون توفير الأمان الذي كانت تلوح به الدولة في كل تحرك سياسي خارج عن دائرتها.

 مشاركة بعض شركات القطاع الخاص المتمثلة بالفنادق والمطاعم المختلفة في حملة #طفي_الضو هي جزء من الاحتجاج الشعبي على الاتفاقية خاصة أنها طريقة احتجاج غير مكلفة مادياً أو سياسياً. وصل صدى مبادرة طفي الضو إلى محافظات مثل إربد والعقبة والزرقاء. بشكل عام، قد يكون التفاعل الشعبي مع طفي الضو في البيوت سببه كونها حركة احتجاجية من الصعب ملاحقتها أو منعها وذات تكلفة ضئيلة فتشجع الكثير بالمشاركة.

لمن منا يريد متابعتكم في تغطية هذه الاتفاقية ورد الفعل عليها٬ ما هي المحاور التي قررتم التركيز عليها وما هي المواد التي تنصحونا بقراءتها من موقعكم؟

دعاء علي: هذه الصفقة كانت محط تركيز بالنسبة لنا منذ الإعلان عن رسالة النوايا، لما نراه فيها من آثار سياسية واقتصادية بالغة. بشكل عام، حاولت هذه التغطية قبل وبعد التوقيع إتاحة أكبر قدر من المعلومات المبسطة حول طبيعة الاتفاقية وخلفياتها السياسية، وتفنيد بعض الروايات الرسمية المضللة بشأنها، وتتبع متغيراتها، وتوضيح البدائل الممكنة وأسباب تفضيلها، إلى جانب تأطير القضية في سياق جهود مقاومة التطبيع.

ما زالت القضية تتفاعل شعبيًا. يوم الجمعة الماضي، خرجت واحدة من أكبر المظاهرات في الأردن منذ سنوات لرفض الاتفاقية، ونُظمت يوم الأحد حملة شعبية لإطفاء الأنوار لمدة ساعة للتعبير عن هذا الرفض. إلى حد ما، كان الإحساس بالإحباط والقهر طاغيًا في الأسبوع الأخير، لكنه مصحوب بشعور بضرورة التحرك. وبالتأكيد، ليست خياراتنا التحريرية منفصلة عن هذه الحالة.

اعلان
 
 
لينا عطاالله