Define your generation here. Generation What
محمود الخفيف يتحدث إلى “مدى مصر” عن “روشتة” صندوق النقد لعلاج الأزمة الاقتصادية
 
 

بعد توقعات باتت شبه أكيدة حول تخفيض كبير في سعر صرف الجنيه أمام الدولار الأمريكي خلال الفترة القصيرة المقبلة، ضمن حزمة من السياسات الاقتصادية تمهد الطريق لحصول مصر على موافقة المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي على قرض بواقع 12 مليار دولار، تحدث “مدى مصر” مع محمود الخفيف، مسؤول الشؤون الاقتصادية في وحدة مساعدة الشعب الفلسطيني بمنظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “الأونكتاد”، حول مدى فعالية القرض، والسياسات التي تتبعها الحكومة المصرية لتجاوز الأزمة الاقتصادية الطاحنة، وما إذا كان هناك “روشتة” مغايرة لتنشيط النمو في مصر بخلاف تلك التي أعلن عنها صندوق النقد في أغسطس الماضي كبرنامج “إصلاحي” يكفل حصول مصر على القرض.

كان تقرير الأونكتاد عن التجارة والتنمية في العام 2016 قد تضمن نقدًا واضحًا لوجهة نظر صندوق النقد الدولي عمومًا، قائلا إن الصندوق وغيره من مؤسسات دولية شبيهة يتعين عليها التخلي عن وجهة النظر الضيقة الداعية للإصلاحات الهيكلية المرتبطة بحزمة سياسات معتادة تتضمن تخفيف القيود على السوق وتحرير الاقتصاد.

العدالة الاجتماعية اختيار سياسي

يقول الخفيف إن تنشيط الطلب الداخلي الآن هو ضرورة حتمية تستدعي بدورها إجراءات تتعلق بالعدالة الاجتماعية. وفي حين تتبنى الحكومة المصرية في المقابل ضمن برنامجها “الإصلاحي” إجراءات تقشفية لتخفيض عجز الموازنة والدين العام كأولوية، يرفض الخفيف في المقابل المفاضلة بين تخفيض العجز والدين العام من ناحية، وتحقيق العدالة الاجتماعية من ناحية أخرى. “من الصعب تقبل استمرار هذا المستوى المرتفع من عجز الموازنة، وكذلك يصعب تقبل استمرار هذا الوضع الذي تبلغ فيه نسبة الفقراء ما يقترب من 30%”، يقول الخفيف.

بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ارتفعت نسبة الفقراء في مصر إلى 27.8% من السكان في عام 2015، وهو المستوى الأعلى منذ عام 2000.

ويضيف الخفيف أن “الفيصل في هذا السياق هو في الوسائل التي يقع عليها الاختيار لتحقيق العدالة الاجتماعية، وهي في حد ذاتها تمهد الطريق أصلًا لزيادة الطلب، ومن ثم زيادة الإنتاج والإيرادات، وبالتالي تخفيض العجز … ما أعنيه أن التوسع في الإنفاق العام ضروري لتحقيق مقتضيات العدالة الاجتماعية في كل الأحوال، لكن الفيصل في هذا السياق هو مصدر تمويل مقتضيات العدالة الاجتماعية تلك”.

ويعتبر مسؤول الأونكتاد أن للعدالة الاجتماعية ثمنًا لابد أن يدفعه أحد الأطراف. “مثلا لديك نسبة من السكان قد تصل إلى 1% (من الأعلى دخلًا) يمكنهم تمويل جانب من مقتضيات العدالة الاجتماعية تلك عبر الضرائب التصاعدية على سبيل المثال دون زيادة عجز الموازنة. فزيادة كفاءة الجهاز الضريبي قد لا يؤدي في حد ذاته لزيادة الحصيلة الضريبية لأن مستوى الضريبة (على الشرائح الأعلى) منخفض”، يقول الخفيف، مستدركاً: “لكن اتخاذ قرارات من هذا النوع تستند إلى اختيارات سياسية لا يمكن فصل السياسة فيها عن الاقتصاد”.

كانت الحكومة المصرية قد أعلنت في مارس من العام الماضي، قبل أيام من انعقاد مؤتمر دعم الاقتصاد المصري في شرم الشيخ، عن تخفيض الحد الأقصى للضريبة على الدخل من 25% إلى 22.5%، وإلغاء ضريبة استثنائية 5% على الدخول الأعلى في مسعى منها لجذب الاستثمار، قبل أن تمرر تلك التعديلات التشريعية فعليًا في أغسطس من نفس العام. وشملت تلك التعديلات التشريعية تجميد العمل بضريبة الأرباح الرأسمالية في البورصة لمدة سنتين، وهو قرار كانت الحكومة قد أعلنته في مايو من نفس العام.

وقال الخفيف إن الضريبة على الأرباح في البورصة “هي مصدر آخر من مصادر تمويل احتياجات العدالة الاجتماعية، وآلية لتوزيع الدخل على نحو ما”، مضيفًا أن “الفيصل هنا هو مدى قدرة الدولة على تمرير هذه الضريبة، وترتبط قدرتها  بضغوط جماعات المصالح، وأي من تلك الجماعات أقوى وأقرب للسلطة، وما إذا كانت الأخيرة تصغي إليها من عدمه”.

وشن كبار المستثمرين في البورصة وشركات السمسرة حملة من الانتقادات الشديدة ضد الضريبة مع تطبيقها، وصولًا لانتقادات علنية ضدها من قبل رئيس البورصة محمد عمران، مع ما سربته وسائل إعلام وقتها عن ضغوط على رئيس الوزراء آنذاك، إبراهيم محلب، مهدت الطريق لتجميد الضريبة لاحقًا.

وأثار عمرو المنير، نائب وزير المالية، تكهنات حول نية الحكومة التراجع عن إعادة فرض ضريبة البورصة في موعدها، حين قال في مقابلة صحفية قبل أيام إن الحكومة لن تعيد تطبيق الضريبة إلا بعد الاستعداد لتطبيقها.

ويرى الخفيف أن أنماطًا من الضرائب الشبيهة بالضريبة على البورصة، أو ما يصفه تقرير الأونكتاد بالضرائب على” الصفقات المالية الصرفة”، هو أمر من شأنه أن يقلل المضاربة، بحيث لا يرفع الإيرادات فقط، بل يسمح كذلك للبورصة بأن تؤدي دورها الرئيسي في شحذ المدخرات لصالح تمويل الاستثمار.

فيما تُنفق القروض؟

في مناسبات عدة ألقت الحكومة باللوم على فاتورة الأجور بالجهاز الحكومي كسبب رئيسي لتفاقم عجز الموازنة والدين العام. وقد اعتبر الرئيس عبدالفتاح السيسي في خطاب له في منتصف أغسطس أنه في “خلال الأربع سنوات الماضية فقط أدت زيادة المرتبات نتيجة الضغط في عامي 2011 و2012 إلى وجود بروز في الدين الداخلي يقدر بنحو بـ 600 مليار جنيه، والدين الداخلي تعاظم من 800 مليار جنيه إلى 2.3 تريليون جنيه أي 97% من الناتج المحلي”.

ظل مطلب الأجور أساسيًا قبل وبعد ثورة يناير، مما جعل الحدين الأدنى والأقصى للأجور في الجهاز الحكومي بندًا رئيسيًا في النقاش السياسي خلال السنوات الماضية. وتقول الحكومة إنها تلجأ الآن للاقتراض الخارجي بسبب انخفاض تكاليفه وفوائده مقارنة بالاستدانة بالجنيه.

يقول الخفيف: “من الواضح أن أي توسع في الإنفاق خلال الفترة الماضية قد جرى تمويله فعليًا من الاقتراض والهبات والمنح وهذا أمر غير مستدام … كان الأولى توفير موارد لتمويل مقتضيات تحقيق العدالة الاجتماعية عبر تقليص الهوة بين الدخول”.

وأوضح: ” ليس السؤال بالضرورة هو ما إن كان الاقتراض الخارجي هو أمر جيد أم سيئ من حيث المبدأ، الفيصل في حقيقة الأمر هو إذا كانت ستستخدم في زيادة القاعدة الإنتاجية على نحو يقلل لاحقًا من الحاجة للاستيراد مثلًا، ويزيد من الصادرات المصرية بزيادة المكون التكنولوجي بما يرفع بالتالي من الموارد من العملة الأجنبية، وبالتالي يضمن على نحو ما سداد القروض لاحقًا، أم أن الأمر سيتحول إلى أعباء جديدة على أجيال قادمة وحاجة إضافية للاقتراض من أجل السداد”. ويضيف: “من الواضح أن الاقتراض الخارجي الآن لا يتضمن شيئًا من هذا”.

وفقاً لأرقام البنك المركزي فإن حجم الدين الخارجي قد ارتفع من 34.9 مليار دولار عام 2011 إلى 53.4 مليار دولار بنهاية مارس 2016، وذلك قبل قرض صندوق النقد الذي يبلغ 12 مليار دولار.

“مصر تقترض (من الخارج) من فترة، لكن النتيجة الآن هي معدل بطالة يبلغ نحو 13%، وتفاقم في عجز ميزان المدفوعات. هذا يدل على أن ثمة ضرورة لوقفة جادة فيما يتعلق باستخدامات القروض”، يقول الخفيف. وقد بلغ معدل البطالة 12.5% في الربع الثاني من العام الحالي مقارنة بـ 12.7%، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

“السهو والخطأ” مثالًا

يقول الخفيف إن “ميزان المدفوعات (المصري) يتضمن بندين مثيرين للقلق بشدة هما السهو والخطأ واستثمارات الحافظة، الأول يتعلق بكل ما لا يمكن تصنيفه كموارد بالعملة الأجنبية أو نفقات، أي تراجع أو زيادة في حجم الاحتياطي النقدي الأجنبي لا يمكن تصنيفه، وهو مفهوم يتضمن تهريب الأموال للخارج”.

وتشير بيانات البنك المركزي عن ميزان المدفوعات في العام 2015/2016 إلى عجز في بند السهو والخطأ يبلغ 4.005 مليار دولار، مقابل 2.061 مليار دولار في العام السابق، بزيادة تقترب نسبتها من 100%، وهو عجز يزيد عن إجمالي العجز في ميزان المدفوعات الذي بلغ 2.8 مليار.  بينما بلغ العجز في بند استثمارات الحافظة 1.286 مليار دولار مقابل 0.638 مليار دولار في العام، بزيادة تقترب من 100%.

يقول الخفيف: “هذه الأرقام عمومًا تتعلق بحركة رؤوس الأموال إلى خارج البلاد، وهو أمر يتعين النظر له بجدية. .فمثلًا العجز في بند استثمارات الحافظة يشير إلى ضرورة فرض ضريبة على حركة تلك الأموال للخارج أو وضع ضوابط لحركتها كحظر انتقالها للخارج قبل ثلاثة أشهر من دخولها في محاولة لتقليل المضاربة ومنع تسرب العملة الصعبة خارج البلاد”. وأضح: “هدفي كاقتصادي هو حقن الأموال داخل الاقتصاد”.

وفق هذا الهدف “حقن الأموال داخل الاقتصاد”، يشرح الخفيف وجهة نظره حول التفريعة الجديدة لقناة السويس، الذي كان قد اعتبره في تصريحات صحفية مؤخرًا “مشروعًا جيدًا ستنتفع  به الأجيال القادمة”.

وتعرض المشروع لانتقادات عديدة بسبب تكلفته في هذا التوقيت الصعب الذي يمر به الاقتصاد المصري مقارنةً بجدواه. لكن الخفيف يرى أن “الفيصل في الحكم على المشروع يتعلق بثلاثة عوامل: التكنولوجيا المستخدمة في تنفيذ المشروع، وما إن كانت مصرية، وبالتالي ستسهم في تدوير تكلفة المشروع في الاقتصاد وفي تشغيل عمالة مصرية، والتوقعات بشأن النمو العالمي ونمو التجارة العالمية، فالمشروع كان ينبغي أن يفتتح في وقت ازدهار التجارة العالمية، وسعر النفط وبالتالي تكلفة المرور بالطرق البديلة”، مشيرًا إلى أن “النمو في التجارة العالمية ضعيف وسيبقى ضعيفًا في الأجل القصير على الأقل”.

يقول تقرير الأونكتاد إن النمو في حجم التجارة العالمية في العام 2015 بلغ 1.5%، متوقعًا ألا يتحسن في العام الحالي. ومع التراجع في أسعار البترول، تفضل السفن طريق رأس الرجاء الصالح بدلًا من قناة السويس، ما يعني أن تكلفة المرور في القناة ربما تتجاوز تكلفة استهلاك المزيد من الوقود في رحلة أطول.

يشدد الخفيف إنه لا يصدر حكمًا على المشروع بقدر ما يطرح للنقاش تلك العوامل، قائلًا: “من الضروري أن نتساءل هل كان من الأفضل أن يتمم المشروع في ثلاثة سنوات كما كان مطروحًا في البداية، ما يجعل من اليسير على التكنولوجيا المصرية أن تتولاه، أم في سنة واحدة كما حدث فعلًا ما جعل من تولي الشركات الأجنبية مسؤولية تنفيذ المشروع ضروريًا”.

اعلان
 
 
بيسان كساب