Define your generation here. Generation What

ركوب البحر: الهجرة بوصفها قدرة على الفعل

مثير جدًا مدى العنف الذي قد تصل إليه فكرة، ومثير أيضًا مدى القبول الاجتماعي الذي قد تحظى به.

“أما كان ينبغي أن ينفقوا النقود على مشروع مفيد بدلًا من أن يدفعوها ليركبوا البحر؟”

على مدار الأيام القليلة الماضية، بدت الآراء الشخصية لناس مختلفين ـ حسبما عبروا عنها في أحاديث التاكسي وانتظار الدور في البنك وعلى شاشة التليفزيون ـ أشبه بجوقة واحدة تأتي أصواتها من أماكن مختلفة. تلك الجوقة الموحدة السائدة نتاج للبروباجندا السياسية محكمة الخناق والمعتقد الشخصي القادرين على صنع سجن مفتوح من مدينة أو بلد بأكمله.

“أنا عايز أقولكم إن أي شاب من شبابنا عشان يطلع يعمل كده بيدفع مبالغ كتير، سواء كان هو بيدبرها بنفسه أو بيستلفها، يا جماعة، يا جماعة، بلدنا أولى بينا، بلدنا أولى بينا، وبصراحة برضه، إحنا مش سايبينكم.” هذا ما قاله الرئيس عبد الفتاح السيسي الاثنين الماضي بعد وفاة 202 مما يقدّر بـ 450 مهاجرًا (أكثرهم لا يزال مفقودًا) كانوا يعبرون البحر المتوسط من ساحل مصر الشمالي في مركب صيد. وكان بينهم ثلاثة وأربعون مصريًا.

ردّد السيسي وشعبه أقوالًا غاضبة على المهاجرين المصريين الذين يدفعون للمهربين أموالًا تبدأ من 35 ألف جنيهًا مصريًا لعبور البحر، بحثًا عن حياة أفضل في إيطاليا أو غيرها في أوروبا. لم تأت كلماته وكلماتهم إلا بعد هذه الوفاة وهذا الفقد، فلا يكاد أحد يفكر في المهاجر إلى أن يصبح مهاجرًا مفقودًا أو مهاجرًا ميتًا أو مهاجرا مرحَّلًا أو مهاجرًا مسجونًا.

أما كان ينبغي أن ينفقوا النقود على مشروع مفيد بدلًا من أن يدفعوها ليركبوا البحر؟

لكن الأرضية الأخلاقية التي تجري عليها المعركة حول هذا الانتقاد لا تخلو من مشاكلها. لا بد من احترام الموت بالطبع، وربما لا يجب تجريم الموتى على الخطأ الذي قادهم إلى مصائرهم. غير أن الآراء السياسية القاطعة لكثير ممن احتقروا الحملات المعارضة للهجرة ساهمت في تجريد المهاجرين من قدرتهم على الفعل.

الأكثر تعاطفًا مع المهاجرين يؤسسون تعاطفهم على لوم الدولة بسبب إخفاقها في التعامل مع احتياجاتهم ما ساق الناس إلى اليأس، فلما رأوا أنفسهم في حيرة من أمرهم لم يجدوا مخرجًا إلا البحر.

تتحمل الدولة مسؤولية لا تنكَر تجاه مواطنيها وتجاه إشعارهم أنهم في وطنهم. ولكننا عند فشل الدولة في تولي هذه المسؤولية، لا بد أن نتقبل الفشل الأكبر، فشل الأمة الكبير، لا سيما في اتِّباعها النيوليبرالية ووصفتها الأساسية، وأعني التغريب على وجه الدقة. طبيعي أن يحتدم التغريب عندما لا يكون ثمة تمثيل لفكرة الأمة الكبرى إلا في السلطة السياسية التي لا يشغلها إلا بقاؤها والتي لا تقع فكرة الأمة الرومانتيكية بالنسبة لها إلا في ما بين كونها إيماءة أو أداة سيطرة.

صحيح أن كثيرًا من المهاجرين ممن اختاروا البحر على مدار السنين كانوا يتكلمون لغة الموت، ويرددون أقوالًا من قبيل أن “موت البحر السريع خير من موت مصر البطيء”. لكن صحيح أيضًا أنه بالحديث مع كثير من المهاجرين يتبين وجود يأس عميق من الاضطرار إلى البقاء في البلد.

لكن هناك مشاعر أخرى غالبًا ما لا تراعَى.

الأكثر تعاطفًا مع المهاجرين يؤسسون تعاطفهم على لوم الدولة بسبب إخفاقها في التعامل مع احتياجاتهم ما ساق الناس إلى اليأس، فلما رأوا أنفسهم في حيرة من أمرهم لم يجدوا مخرجًا إلا البحر.

هناك خيال الحياة الأفضل على الضفة الأخرى، الحياة التي تتكشف فيها طول الوقت فرص بنى الحرية وصون الكرامة وأسباب العيش الجيدة. تجد هذا بوفرة في مقاهي القرى المشهورة بعبور البحر في برج مغيزل وتطون وميت بدر حلاوة وكثير غيرها.

ليس هذا لأقول إن للمهاجرين صورة رومانتيكية إزاء المنتظر على الجانب الآخر. فتجارب الأصدقاء والأقارب جعلتهم واعين بالمخاوف المتزايدة من أوروبا الحصينة وحكوماتها المناهضة للهجرة. لكثير من الهجرة المصرية البحرية طابع دائري، بمعنى أن الناس يسافرون من قرى معينة، ثم يرجعون محملين بالمال وقصص النجاح.

لكن في هذا الخيال الواضح، والوعي العميق بالرغبة في حياة أفضل، والإصرار على تحقيقها، بعض السياسات القوية التي يعجز حتى بعض من الأكثر تقدمية بيننا عن رؤيتها.

ثمة شجاعة ضئيلة لازمة للمخاطرة بركوب البحر، شبيهة تمامًا بمخاطرة التظاهر، عندما يعني التظاهر السجن الطويل أو الموت المحتمل برصاصات الدولة. كلا المسعيين نتاج رغبة شخصية في التحرر واستعادة الكرامة وتحقيق حياة كريمة، وينطوي كلاهما على الطبيعة الخام المقدامة للقبول بالمخاطرة، وهي المنتمية إلى أرض الثورة. هي المخاطرة التي يصبح فيها كيان المرء كله، بروحه وجسده، مختزلًا في المغامرة.

الهجرة عبر البحر أجرأ، وأشبه بالعمل العصابي من إقامة مشروع صغير بدلًا من الشكوى مما لا تفعله الدولة، وهذا ما يقوله السيسي وشعبه. قد تكون في بعض الأحيان مخاطرة محسوبة في ظل معدلات نجاح الهجرة المرتفعة في الماضي، وفي ظل اقتصاد وبيئة سياسية كريهين في الوطن قد يعجزان عن احتضان مشروع صغير لمواطن عادي.

وبتنحية القدرة على تخيل واقع بديل، وشجاعة القبول بالمخاطرة كعلامة متنازع عليها لبعض أشكال السياسات الجدالية، فهناك جوانب أخرى للأنظمة العالمية والمحلية المحددة للحركة التي لا توفر بديلًا للسكون. مثل هذه المحددات في الأغلب قائمة على أمم معرَّفة ذاتيًا بثقة، ومحمية بحدود مادية وأقوال عن الانتماء يكون وسيطها أحيانًا هو الشعبوية.

وبطبيعة الحال يختلف تخيل واقع بديل والمخاطرة في طلبه، عندما يكون الدافع أكثر إلحاحًا وعندما يكون محسوسًا بصورة أكبر، كما هو حال اللاجئين الأفارقة أو السوريين ممن يهربون من حروب في أوطانهم. ها هنا أيضًا نجد قدرة المرء المركبة على تخليص ذاته بينما الكون بأكمله يدفعه إلى الموت الفوري في الوطن وفي مدن الإقامة العابرة المؤقتة.

ثمة شجاعة ضئيلة لازمة للمخاطرة بركوب البحر، شبيهة تمامًا بمخاطرة التظاهر، عندما يعني التظاهر السجن الطويل أو الموت المحتمل برصاصات الدولة.

يأخذنا هذا، نحن المراقبين من على البعد، من راحتنا لنهاجر ذهنيًا، ونثب وثبة في الخيال طلبًا لرؤية مختلفة للقصة، فنفكر في المهربين المجرَّمين الملوَّثين ـ الذين لا تفريق في أغلب الحالات بينهم وبين تجار البشر ـ بوصفهم وكلاء سفر عاديين. وأن نفكر في المهاجرين العائدين ممن يفضلّون في الغالب الاستثمار في قراهم الأصلية، بوصف ما يفعلونه إفراطًا في الانتماء المحلي لا يقيم وزنًا للأمة أو الدولة الأوسع. وأن نفكر في تدبير تمويل الرحلة من خلال قروض عائلية وما ينم عنه ذلك من تعاضد اقتصادي، في حين يُنتقد هذا على قاعدة أنها أموال تنفق على الموت بينما يمكن للأمة الانتفاع بها. وأن نفكر في البحر بوصفه حامل الموت للمهاجر والسجن لرغباته، في حين أن الأغلب هو التفكير به بوصفه إمكانية وطقسًا للعبور. في حين أن البحر إجمالًا ليس الحرية، فالدول تبسط سيطرتها على المياه الدولية من خلال التحالفات، مشرعنة القرصنة وسرقة الموارد ما تمت على أيدي الدول، فإن سيلانه ومساراته غير المدونة في الخرائط تبقى موقعًا للإمكانية، كما كانت على مدار التاريخ (وتأملوا كيف أن الحركة البحرية من أفريقيا هي الطريقة التي استُكشفت من خلالها أمريكا واستُوطنت).

ليست الغاية من هذا إضفاء صبغة الرومانتيكية على الهجرة بالبحر، بل هي أقرب إلى مسعى لإحياء ما لا يُحكى من قصص وراء الجثامين الطافية على سطح الماء.

اعلان
 
 
لينا عطاالله