Define your generation here. Generation What
جوليو ريجيني من قرية صغيرة إلى قضية عالمية
 
 

كان الفجر يقترب في أحد أوائل أيام الربيع حين وصلتُ إلى فيوميتشلو. القرية الصغيرة الواقعة شمال غرب إيطاليا تحتشد بلافتات صفراء كُتب عليها “Verita Per Giulio Regeni” (الحقيقة من أجل جوليو ريجيني).

اللافتات القماشية معلقة على الأبواب، وبين أعمدة الإنارة في الشوارع، يهزها النسيم برفق، لكنها تعلن عن إصرار القرية كلها على كشف الحقيقة وراء اغتيال أحد شبابها.

جاء جوليو ريجيني إلى القاهرة في 2015 طالبًا، ورحل عنها جثة بداخل كيس في فبراير 2016. وعثر على جثته، وقد علتها آثار التعذيب، في أطراف المدينة بعد الإبلاغ عن تغيبه في 25 يناير.

بعد شهور قليلة تمتلئ المقبرة بالزهور ورسائل الحب. حتى تمكن رؤية نسخة من شعر الحب لناظم حكمت وسط طوفان الزهور والصور. كان جوليو قارئًا نهما للأدب العالمي.

“كان مهتمًا بتجاوز حدود بلده” يقول والده كلاوديو بعد ثمانية شهور من وفاة ابنه في مهرجان فيرارا الدولي، ضمن فعالية يتلقى فيها حسام بهجت من مدى مصر جائزة آنا بوليتكوفسكايا في الصحافة. “بدأ جوليو السفر منذ كان في السابعة عشرة. كان مهتمًا باكتشاف الثقافات المختلفة”.

بجوار قرية جوليو هناك قرية أخرى اسمها دوينو، تقع فيها الكلية العالمية المتحدة United World College، وهي مدرسة ثانوية تجمع الطلبة من شتى أرجاء العالم ـ بمن فيهم كاتبة هذه السطور ـ ممن كان يمكن لهم أن يقابلوا جوليو في عالم آخر وحياة أخرى. اللافتات الصفراء تنتشر هنا أيضًا على مبنى المدرسة وعلى بيوت الناس.

محاطًا بالبحر الأدرياتيكي والجبال والطلبة من شتى أرجاء العالم، كان الطفل جوليو يتجول هنا وينصت للحوارات الدائرة حول السلام والتفاهم العالميين. وعندما حان وقت دخوله المدرسة الثانوية قرر الالتحاق بفرع الكلية العالمية المتحدة في المكسيك، فكان طلبة المدرسة من مشيعيه في وقت سابق من العام الحالي.

يقول كلاوديو إن ابنه “كان يتعاطف مع الآخرين ويحترمهم، وكان مهتمًا دائمًا بالتحاور مع المختلفين”.

أما والدته باولا فتعلن للجمهور إن ابنها “درس العربية، وكان يريد إجراء حواراته بالعربية، كان ينتمى إلى المستقبل”. كان يعمل بقلبه مثلما يعمل بمهاراته المعرفية، تضيف الأم.

وبسبب البعد السياسي لوفاة جوليو، والتحقيق المشترك بين البلدين، والأسرار المتعلقة بقاتليه، آثر والداه الخروج بقضية ابنهما إلى الرأي العام، متغاضين عن احتياجهما للخصوصية في حزنهما.

تقول باولا وهي تستحضر أكاذيب الإعلام منذ موت جوليو: “نحن نعرف الآن كيف قتل، وبقي أن نعرف لماذا.” وتشير لمحامية الأسرة أليساندرا باليريني، المشاركة هي الأخرى في إحدى جلسات فيرارا، قائلة: “كنا أيضًا بحاجة لمن يدافع عنا”.

تعدّد باليريني القصص المنسوجة حول جوليو واغتياله، معتبرة أن ذلك كافِ للاعتقاد بأن هناك اهتمامًا بإخفاء ظروف موته. تتساءل: “أين عُثر على جثة جوليو؟ على طريق سريع، في مكان لا يتوقف فيه الناس والسيارات مطلقًا”. تضيف أن “من رمى الجثة هناك أراد لها أن تختفي”.

تقول إن جوليو وُصف بكل شيء في محاولات لتفسير مقتله، من الجاسوس إلى مدمن المخدرات والشخص الذي يعيش للمتعة، وربما المثلي. كما ترددت قصة عن كونه متعاونًا مع الإخوان المسلمين، لأنه تحدث مع أعضاء في الجماعة في سياق ما بعد 30 يونيو 2013، حيث كان يُنظر بارتياب إلى أي اتصال بالإخوان المسلمين. وتضيف أن بحثه في موضوع النقابات العمالية أثار تكهنات حول كونه جاسوسًا، وأن ما وضع حدا لرواية اتجاره في المخدرات كان النتيجة السلبية لاختبار المخدرات الذي أجري بعد العثور على جثته.

تقول باليريني إن ابنها وصف أيضًا بـ”الشخص العنيف”، وذلك بعد أن قال شاهدٌ في مارس الماضي إنه رأى جوليو، في يناير قبيل اختفائه، وهو يتشاجر مع رجل أمام السفارة الإيطالية. ولكن سرعان ما أعلن المحققون المصريون عدم صحة تلك الشهادة.

في مارس، أعلنت السلطات المصرية أنها كشفت حقيقة وفاة جوليو، وهذا بعد أن قتلت قوات الأمن خمسة أشخاص رميا بالرصاص، ثم اتهمتهم بقتل جوليو. نقول باليريني بسخرية إن “أوراق جوليو وُجدت بجوار القتلى على طبق من فضة”، ولكن السلطات المصرية أسقطت القصة بعدما رفضها المحققون الإيطاليون.

في أبريل وسبتمبر، التقى المحققون الإيطاليون والمصريون في روما، بينما الأسرة تنتظر تحليل التسجيلات المصورة التي يتردد أن جوليو ظهر فيها في آخر مرة شوهد فيها، ولا يمكن أن يفك شفرة التسجيلات غير شركة ألمانية، حسبما تضيف باليريني.

منذ ثمانية أشهر، تصارع أسرة جوليو المعلومات المغلوطة وتصر على الحقيقة، وهي مهمة غير سهلة في ظل تأجيل تسليم الوثائق المطلوبة من المحققين المصريين، مثل التسجيلات الهاتفية للمستخدمين في المنطقة التي عاش فيها جوليو، والردود المتباينة من السلطات الإيطالية.

في إحدى جلسات المهرجان الدولي، شارك أيضًا رئيس لجنة حقوق الإنسان في البرلمان لويجي مانكوني، وهو أحد أعلى الأصوات المطالبة بضغوط إيطالية على مصر لإجراء تحقيق كامل وشفاف، ومن ضمنها إيقاف السياحة الإيطالية في مصر. يقول إن “13% من إجمالي الناتج المحلي [لمصر] يعتمد على السياحة. هذا إجراء سلمي ديمقراطي يمكننا اتخاذه”.

ينتقد مانكوني الاستهانة بحقوق الإنسان في ظل التعاون بين الدولتين، فيتساءل مستدركًا: “لماذا نستمر في علاقاتنا [الثنائية] دونما مبالاة تقريبًا؟” كما يطالب بحملة ضد التعذيب، مستعيدًا كلمات باولا وكلاوديو لدى رؤيتهما جثة ابنهما في مصر: “لقد صغر حجم وجه جوليو كثيرًا، ولكننا رأينا على طرف أنفه كل شرور العالم”.

“هناك ضغط للمهادنة، ليس فقط من قطاع الطاقة، بل أيضًا من صناعة السياحة ومن دبلوماسيين سابقين ورجال أعمال، وبالطبع من أحزاب اليمين”، بحسب ما تقول الكاتبة المخضرمة ومحللة الشؤون العربية باولا كاريدي. فقد صوَّت مجلس الشيوخ الإيطالي لصالح تعليق صادرات قطع غيار طائرات إف 16 المقاتلة إلى مصر في يونيو الماضي، في قرار حمل اسم جوليو، واستهدف توجيه رسالة إلى السلطات المصرية. ولكن في المقابل، فهناك أيضًا اهتمام قوي بالحفاظ على العلاقات الثنائية، بالأخص فيما يتعلق بعدد من الصفقات الاقتصادية الأساسية. شركة الطاقة الإيطالية إيني ENI مثلًا، تعمل حاليًا على استخراج الغاز من حقل عملاق اكتشفته قبالة الساحل الشمالي المصري.

في الصيف الماضي استُدعي سفير إيطاليا لدى مصر ماوريتسيو مساري، والمعروف بانخراطه بقوة في قضية جوليو، وعُيّن لاحقًا ممثلًا دائمًا لإيطاليا لدى الاتحاد الأوربي في بروكسل. وفي بروكسل أصدر البرلمان الأوروبي قراره في مارس بإدانة التعذيب في مصر.

عُيّن السفير الجديد لدى مصر جيانباولو كانتيني في مايو ولكنه لا يزال غير مقيم. كان كانتيني يدير وكالة التعاون الإيطالية وهو “على اطلاع كبير بالمنطقة”، بحسب كاريدي التي تقول إن رئيس الوزراء ماتيو رينتسي حريص على تلقي الدعم في الاستفتاء القادم على التعديلات الدستورية المنتظر انعقاده في غضون أسابيع قليلة. تقول كاريدي إن البرلمان الإيطالي لا يملك نفوذًا كبيرًا، ولكن الرأي العام فيما يتعلق بقضية جوليو مهم. تقول إن “اللافتات الصفراء المطالبة بحقيقة وفاة جوليو ترى في كل أرجاء إيطاليا”.

أثارت وفاة جوليو ردود فعل دولية. فلوشيا سوربيرا، أستاذة الدراسات العربية في جامعة سيدني، هي من الإيطاليين المشاركين بقوة في حملة المطالبة بحقيقة قضية جوليو في الداخل والخارج. تقول إن “قضية جوليو قضية عالمية، وهي رمز لعنف النظام المصري الحاكم، وتواطؤ أنظمة الحكم في الغرب. شركاتنا الكبرى وحكوماتنا قادرة على إحداث فارق، ولا بد أن نضغط عليها”.

تلقي سوربيرا الضوء على تراث طويل من التحركات المجتمعية من أجل العدالة الاجتماعية في إيطاليا، ومنه بصفة خاصة ما يبذله المنتدى الاجتماعي العالمي منذ العقد الأول في القرن الحالي، وهذا ما يفسر لماذا لفتت وفاة جوليو انتباه كثير من الناس برأيها.م

اعلان
 
 
لينا عطاالله