Define your generation here. Generation What
هل يشكل التعليم المنزلي بديلًا عن التعليم النظامي في مصر؟
 
 
طفل يتعلم استخدام البوصلة في حصة الجغرافيا بمركز براح.
 

هذا هو العام الأول لسلمى أشرف (ثماني سنوات) في التعليم المنزلي، فبعد أربع سنوات دراسة في مدرسة خاصة للغات قررت والدتها لها ولشقيقها الأصغر، عمر، (خمس سنوات) أن يتعلما في المنزل.

تقول السيدة دعاء، والدة سلمى، والتي تعمل كمترجمة من المنزل، إنها اتخذت هذا القرار لأنه لا يوجد عائد أمام الوقت الطويل الذي يقضيه ابناها في المدرسة؛ فالمناهج سيئة، ولا توجد أنشطة، ورغم كونها مدرسة لغات، لم يتعلم الطفلان لغة ثانية جيدة، كما أن مناهج الكمبيوتر قديمة لا تناسب العصر، وهو ما رأت أنه حال كل المدارس، بحسب وصفها، علمًا بأنها كانت تدفع مصاريف دراسية تبلغ 27 ألف جنيه سنويًا للطفلين.

وعن أسلوب الدراسة حاليًا توضح الأم أن طفلاها يتعلمان الكتابة على الكمبيوتر، ويبحثان على الإنترنت، فيما تحاول هي أن توازن بين الجانب الأكاديمي والرياضي والفني في الدراسة، وتستكمل: “أنا باتابع معهم وبنجرب، وأبحث على الإنترنت حول الطرق الأفضل، ومهتمة أكثر بالأنشطة. بأعلمهم إنجليزي وعربي وقرآن، وقد أدخل مواد أخرى”.

وحول حصول طفليها على شهادة دراسية توضح الأم أنهما غير مقيدان في أي مدرسة في الوقت الحالي، وأنها لا تفكر حاليًا في موضوع الشهادة، تقول: “يهمني أن يتعلما أمورًا مفيدة”، لذلك فهي تصطحب طفليها في رحلات استكشافية، مثل رحلة إلى الفيوم لرؤية كيف يخرج الملح من الأرض، وأخرى إلى مصنع لإعادة تصنيع النفايات، والذي قاما بالمشاركة في تشغيله وعرفا كيفية إجراء هذه العملية.

تترك دعاء لطفليها حرية اختيار ما يرغبان في تعلمه، وإن كانت تنصحهما فهي لا تقرر لهما؛ اختارت سلمى تعلم الطبخ وتصميم الأزياء، بينما يفضل عمر الرياضيات والعلوم ويتعلمها بالتجربة وعبر أنشطة في “مركز براح للتدريب وتنمية المهارات”. وفي حين تقول الأم إن الأنشطة الخارجية هي ما يستلزم وقتًا، إلا أنها استطاعت، حتى الآن، الموازنة ما بين عملها كمترجمة في المنزل ومتابعة صغيريها، اللذان سيعتمدان على نفسيهما لاحقًا.

الأم دعاء، والابنة سلمى يتابعان البوصلة التي صنعها عمر في حصة الجغرافيا في مركز براح.

الأم دعاء، والابنة سلمى يتابعان البوصلة التي صنعها عمر في حصة الجغرافيا في مركز براح.

تراهن الأم على أن الوقت والتجربة سيعطيان طفليها خبرات أكبر، وهي لا تعتقد أنهما سيتأثران بها في اختياراتهما لأن هناك مساحة للتعرف على كل شيء، وأنهما سيختاران ما يودان فعله، وهو التنوع الذي لا تتيحه المدرسة.

حين قابلنا الأسرة في مركز براح، قالت سلمى: “بقيت بأذاكر في البيت وأطلع رحلات عشان أتعلم علوم، وبآجي “براح” أتعلم حاجات أنا وأخويا الصغير. المذاكرة في البيت أحسن، لأن في المدرسة اليوم كان طويل قوي ومتعب، كنت بأرجع الساعة 4 أتفرج شوية على الكارتون وأحل الواجب وأنام. دلوقتي اليوم بقى أطول، بأخرج أكتر، وأخدت كورس طبيخ وكورس تصميم أزياء، ورسمت تصميمات، واتعلمت حاجات ما اتعلمتهاش في المدرسة زي الكتابة، وعملت نقد لرواية اسمها little Miss Mary ونفسي لما أكبر أكتب زي الكتاب المشهورين، المذاكرة دلوقتي أحسن كتير”.

****

أميرة سعد هي مدير مركز براح للتدريب وتنمية المهارات، وبسبب تجربتها السيئة مع التعليم المصري بدأت أميرة مع ابنتها “ريتال” (أربع سنوات ونصف) مشوار التعليم المنزلي مبكرًا، ولم تقم حتى بإدخالها حضانة.

أسست سعد “براح” مطلع العام الحالي بمشاركة صديقة متخصصة في رياض الأطفال، ويتردد عليه حاليًا أطفال يدرس بعضهم في مدارس نظامية، بينما البعض الآخر يتلقى تعليمًا منزليًا.

تصف سعد المركز بأنه مكان للأم والطفل؛ يوفر مساحة للأطفال لممارسة الأنشطة، وللأم للقيام بتدريس محاضرة أو تنظيم ورشة عمل، فضلًا عن تحضير أنشطة لأطفالها، كما تستطيع أن تجد مساحة للقراءة أو حتى تناول المشروبات أثناء ممارسة أطفالها للأنشطة، والهدف من ذلك هو ألا تنتهي حياة الأمهات بعد الولادة. كانت الفكرة بالنسبة لسعد هي أن تصنع مجتمعًا تنتمي له ابنتها، مجتمع يفكر بنفس طريقتها حتى لا تشعر بالغربة.

(على اليمين) أميرة سعد مدير مركز براح مع بعض الأمهات والمشاركات في ورشة التعليم الموجه ذاتيًا بأحد مدارس المقطم الخاصة. (By صبري خالد)

تقول: “أنا لا أتحول لمدرسة؛ أنا أعطيها آليات تتعامل بها مع نفسها وأوفر لها أنشطة تتعلم بها العلوم ولكن بطريقة تفاعلية وبتجارب وبطريقة نشطة بعيدًا عن التلقين، فأنا على سبيل المثال لست خبيرة في العلوم والجغرافيا، وهو ما تعوضه الأمهات اللاتي يقُمن بتدريس المادة التي لديهم شغف تجاهها، فيعلمون أطفالهم، وباقي أطفال المركز، عن طريق استخدام خامات وأدوات وليس معلومات فقط، ونحن نشرف على هذا ونشرف على الفروق الفردية والعمرية بين الأطفال”.

تعمل سعد أيضًا مع ابنتها في المنزل، وتشير إلى أنه لو كانت هناك قوانين للتعليم المنزلي لقامت به، ففي الخارج هذا سهل عبر تسجيل الأطفال في أماكن مخصصة ليحصلوا على شهادة، لكن الحل في مصر إما في التسجيل شكليًا في مدرسة محلية، أو تسجيلها في مدرسة بالخارج بنظام المراسلة”. لكنها توضح أنها لم تقرر بعد إلى أي الحلين ستلجأ.

في رأيها، قد تكون المدرسة مفيدة للأطفال “السمعيين”، لكن الطفل “الحسي والحركي والبصري” لا يتوائم مع نمط التعليم المدرسي، وبالتالي فإن التعليم المنزلي هو بديل، لكنه غير متاح أو ملائم لكل الناس، وتشرح أنه لا يحدث فقط في المنزل، بل يحدث بتجارب وتفاعل مع أشخاص آخرين، ومع الحياة.

****

منذ ثلاثة سنوات قرر هاني الجمل، الاستشاري في الإدارة، أن يتعلم ولديه، أحمد 15 عامًا، وكريم 11 عامًا، تعليمًا منزليًا بالمراسلة مع مدرسة أمريكية.

يقول الجمل إن الجميع يشكو من التعليم النظامي، لأنه لا ينتج المتوقع منه، ولأنه مدمر، ويتذكر أن ولديه كانا يعودان من المدرسة -مدرسة لغات خاصة- “مدمران نفسيًا”، إذ كان يومهما الدراسي يمتد لـ 12 ساعة؛ يستيقظان في السادسة صباحًا ويعودان إلى المنزل في الخامسة مساءً “محطمان دون طاقة حتى للانتهاء من الواجب، لا توجد طاقة للإبداع أو التفكير، ولا يوجد وقت كافٍ للعب أو لأي شيء آخر”. ويضيف أن التعليم بالمدارس “بياخد من العيال حياتهم وروح المبادرة بتتخطف منهم”، فالتعليم النظامي في رأيه يخلق إنسانًا تابعًا، وجزء من ذلك نتيجة نظام عالمي وحكومات تريد التبعية.

يقول الابن كريم: “بقالي 3 سنين باعمل تعليم منزلي بالمراسلة، إحنا بنذاكر في البيت وبيبعتولنا لينك الامتحانات ونحلّها ونصورها ونبعتها”. رغم أن كريم يشكو من من عدم انتظامه في المذاكرة حاليًا، إلا أنه يقول عن فترة المدرسة إنه لم يكن يفعل شيئًا، “كانوا بيشرحولنا نفس الحاجة كل يوم”.

يحب كريم لعب كرة القدم في النادي ولديه حاليًا وقت للتمرين حتى يتقدم لاختبارات العام القادم، كما أنه يحب التشكيل بالورق “الأوريجامي”، لذا تعلمه عبر فيديوهات على يوتيوب. وهو يرى أنه الآن أفضل من وقت المدرسة ولكن فقط عليه تنظيم وقته أفضل من ذلك، للتوفيق بين المذاكرة والأمور الأخرى.

من جانبه، يرى الأب أن أفضل ما في نظام التعليم المنزلي هو توفير الوقت، وغياب التلقين، واستخدام التكنولوجيا، كما يرى شخصيات ابنيه اختلفت وأصبحا أكثر راحة نفسيًا، ولم يعد لديهما طاقة سلبية أوعنف مكبوت.

يوافق الأب على أن هناك احتمال في التعليم المنزلي لتنميط الأطفال على أفكار أسرهم عوضًا عن تنميط الأفكار التي تزرعها الدولة؛ وهو يرى أن قطاعًا كبيرًا ممن يعلمون أبنائهم منزليًا هم “إسلاميين” يقومون بذلك للحفاظ على الهوية والأفكار الإسلامية، ولكنه يستدرك قائلًا إن هناك أهالي يسعون فعلًا لانفتاح أبنائهم على الحياة، يقول: “الهدف ليس جلوس أبنائي بجواري، بل دفعهم للحياة ولمجتمع يندمجون ويتفاعلون معه، لذلك جاءت فكرة مركز “سبع صنايع”؛ ليتفاعل الأولاد مع أقرانهم ويتعلمون عبر ذلك، يذهبون في معسكرات ومخيمات ويكتسبون خبرات في التواصل مع أشخاص متنوعين وأفكار متنوعة”.

فكر الجمل منذ عامين في مشروع مركز سبع صنايع لخدمة أبنائه وأبناء المجتمع الذي ينتمي له، ثم بدأ مع شريك له في البحث عن مكان وتجهيزه، وبدأ المركز بالفعل منذ أشهر قليلة في المعادي.

يقول: “فكرة المركز قائمة على تعلم حرف وصنعة؛ فالمشكلة أن الشاب يتخرج دون أدوات ودون صنعة، فيكون لديه توقعات كبيرة بعد 20 سنة من التعليم ولكنه في حاجة إلى تعلم مهارات ليستطيع بدء حياته، لذلك من المهم بدء الحياة مبكرًا واكتساب مهارات متنوعة”. يضيف الجمل أنه لم تعد هناك وظائف كافية في النظام العالمي، فالمستقبل، من وجهة نظره، لمن لديه صنعة.

هاني الجمل يتابع ابنه كريم أثناء صناعة صندوق بطريقة الأوريجامي - مركز سبع صنايع، المعادي.هاني الجمل يتابع ابنه كريم أثناء صناعة صندوق بطريقة الأوريجامي – مركز سبع صنايع، المعادي. (By صبري خالد)

استقبل “سبع صنايع” بالفعل 30 طفلًا خلال الشهر الماضي، فيما لا يزال الجمل وشريكه يسعيان إلى الوصول لأهالي الحي عبر توزيع “فلايرز” وعبر صفحة المركز على فيسبوك، وخطتهم للمركز أن يكون به أنشطة كثيرة يقوم مدربون أو أولياء أمور بتدريب الأبناء عليها، ليصبح هذا المكان مملوكًا للأهالي، ويكون استثمارًا لهم في أبنائهم . خاصة وأن التعليم المنزلي بشكل فردي صعب، في رأيه، كما أنه يجعل الطفل محصورًا في أفكار أسرته، لذلك يجب إخراج الطفل للمجتمع، وأن تكون التجربة قابلة للتكرار في منطقة أخرى.

****

أمينة زكي هي أم لطفلة عمرها عام وأربعة أشهر تدعى فرح، كانت الأم تعمل مصممة جرافيك، إلا أنها حاليًا متفرغة لتربية ابنتها التي قررت أنها ستعلمها منزليًا حين تصل لسن التسجيل في المدرسة، وسيكون أمامها إما تسجيل فرح شكليًا في مدرسة محلية وتعليمها المناهج المقررة بطريقة إبداعية في المنزل، أو تسجيلها في مدرسة خارج مصر وتعليمها بالمراسلة لتحصل على دبلومة أمريكية أو فرنسية، غير أنها لم تقرر بعد أي الحلين ستختار.

في رأي زكي ستحصل فرح على المعلومات نفسها ولكن بطريقة مختلفة، فالطفل حتى عمر عشر سنوات، حسبما تقول، يجب أن يتعلم باللعب، لكن نظام المدارس قائم على حصص ومدرسين دون مراعاة الفروق بين الأطفال، ورغم علمها أن الأمر يحتاج لتفرغ، خاصة في البداية، لكنها تريد لابنتها تعلم التعامل مع الحياة ببعض المهارات التي يكتسبها الطفل حين تصحبه أسرته إلى السوق وإلى الجزار، وغيرهم، ليعايش الحياة الواقعية، وهي الخبرات التي لا تقدمها المدرسة في رأيها.

مشكلة المدارس الحكومية بالنسبة لزكي أن بها تكدس كبير للتلاميذ، أما المدارس الخاصة فمكلفة للغاية وجودة التعليم بها منخفضة، والأسر لا تدفع فقط مصاريف الدراسة بل يدفعون ثمن الانتماء لطبقة اجتماعية معينة.

بصفة عامة، ترى زكي أن الذهاب للمدرسة لا يترك للطفل مساحة للعب أو التدريب على رياضة. كما أن التعليم في المدارس، حسبما قالت، لا يمثل بيئة صحية؛ فهو يشجع على التنمر والعنف والقيم الاستهلاكية والتباهي، وهي أمور لا تريد لابنتها تعلمها، كما أنها لا تريدها أن تتعلم قيم غربية في المدارس الخاصة أو الدولية: كالاحتفال بمناسبات وأعياد غربية لا نحتفل بها في مصر، ومن ناحية أخرى لا تريدها أن تتعلم الدين عبر الطواف حول نموذج كعبة في الحضانة، وتخشى عليها من التطرف بسبب مدرس متطرف قد يقنعها بالنقاب، أو أن تقرر في المقابل ارتداء الحجاب في سن معينة فيقاطعها زملاؤها، وإنما هي تريدها أن تختار ما تود فعله بلا ضغوط، فهي ستواجه هذه المشاكل في المجتمع، ولكن هذا لن يكون بشكل يومي مع الأشخاص نفسهم في مجتمع مغلق كالمدرسة.

****

يعد التعليم المنزلي جزءًا مما يُعرف باسم التعليم البديل، والذي يتضمن أشكالًا وطرقًا أخرى للتعلم، مثل التعليم الموجه ذاتيًا، وهو قد يحدث في المدرسة أو في المنزل، والذي بدأت مدارس في مصر بالفعل في محاولة تطبيقه مؤخرًا.

آية عاشور، هي منسق أنشطة في “سبع صنايع”، وهي مهتمة بالتعليم المنزلي والبديل بصفة عامة، قابلناها في ورشة تدريب على التعليم الموجه ذاتيًا أو Self directed learning، بحضور خبير من الولايات المتحدة يشرف أيضًا على مركز للتعليم الذاتي وله تجربة مكررة في أكثر من دولة، بمشاركة مجموعة من المدرسين والمدرسات والمتخصصين والأهالي والأطفال، ليتعلموا الطريقة الأمثل ليعلم الشخص نفسه بنفسه.

ما دفع عاشور للاهتمام بالتعليم البديل هو ثورة يناير، لأنها رأت أن نظام التعليم هو السبب في مشكلات كبيرة في مصر؛ فطريقة التلقين هي التي تجعل المواطنين على المستوى الأكبر “يسمعوا الكلام” وإلا يتحولون في نظر الدولة والمجتمع إلى خائنين أو كفار. عملت عاشور لفترة بعد الثورة كمدرسة رياضيات وحين حاولت تطبيق ما تؤمن به في المدرسة، وأن تشجع الطلاب على التعلم من مصادر أخرى ودون تلقين أو إهانة، وضعها الأمر في مشكلات كبيرة لم تستطع مواجهتها، حسبما تقول، مما اضطرها لترك المدرسة، ثم العمل في مجال التعليم البديل.

تشير عاشور إلى وجود مدارس جديدة تتبنى التعليم البديل، وتسعى لتعليم الأبناء ما يحتاجونه ومشاركة الأطفال وأسرهم في اختيار طريقة التعليم حتى لو كانوا ملتزمين بالمناهج الرسمية للحصول على الشهادة، مثل مدرسةMAVERICKS  التي ستبدأ هذا العام السنة الدراسية الأولى.

الفكرة بالنسبة لعاشور في أن يتعلم الطفل ما لديه شغف حوله، تقول: “في هذه الورشة قام الأطفال بتعليمنا وتعليم زملائهم ما تعلمونه دون خوف أو ارتباك”.

تنوي آية حين تنجب أن تعلم أطفالها تعليمًا بديلًا.

****

أما ناريمان مصطفى، مؤسسة شبكة “تعليم بديل في مصر”  فتسعى لدعم التعليم المرن عبر فتح مساحات لتعليم جديد أو دخول برامج جديدة في المدارس، وتتمنى للمدارس المشاركة والانفتاح على بدائل مختلفة للتعليم.

تخرجت مصطفى في كلية طب أسنان، وعملت لفترة على مشاريع تخص تلاميذ المدارس وتنميتهم لمجتمعاتهم حتى أسست مشروعها حديث الولادة. وهي مؤمنة بأن جذور مشكلاتنا في مصر تتأصل في التعليم، وكونه محصور في شكل المؤسسة التعليمية، وبالتالي لا يتم ولا يعترف به إلا بشهادة، بينما يحدث التعليم الفعلي في الحياة عبر التجربة، وقد يتعلم طفل الزراعة في قريته وتكون لديه مهارة أكبر ممن لديه شهادة.

ما تطرحه مصطفى في مشروعها كنموذج للتعليم البديل هو التعليم القائم على الثقة؛ أن يكون هناك ثقة في الطفل الذي يحتاج فقط إلى نبتة معينة كي يكبر ويختار ويعرف مصلحته، فالتعلم شئ طبيعي يحدث في بيئة داعمة خاصة، والأطفال لديهم الفضول والشغف للتعلم، كما أن طريقة إيصال الفكرة والمعلومة أهم من المعلومة نفسها، بالإضافة إلى أن الطفل يجب أن يكون لديه قدرة على الاختيار، لأنها خاصية موجودة في كل البشر، كما أنه هناك دورة للتعلم . فالطفل في عمر السنتين سيعرف ماذا يريد أن يفعل وسيتعلم باللعب والجروح التي سيعرف بالتجربة كيف حدثت وكيف تشفى.

ما تقترحه هو أن يتم إيجاد الآلية التعليمية بمساعدة مُيسرين، سواء أهالي أو مدرسين أو متخصصين، بعد اختيار الطفل ماذا يريد أن يتعلم؛ ووفقًا لطريقة التعليم البديل، سيتعلم كيف يخلق لنفسه فرص تعليم، وأن يحلل ما حاول تعلمه والفائدة منه، ويشارك ما تعلمه مع الآخرين.

حصة رسم هندسي وتصميم في مركز سبع صنايع - المعادي.حصة رسم هندسي وتصميم في مركز سبع صنايع – المعادي. (By صبري خالد)

تسعى مصطفى عبر مشروعها لأن تخلق نموذجًا تريه للحكومة لتطبيقه، فهي تحاول التعاون مع بعض المدارس لإدخال برنامج التعليم الموجه ذاتيًا، لمواجهة فكرة أن الشهادة هي التي تحدد قيمة الشخص، بل يكون ما يحدد خبرته هو حقيبة تعلم يسجل فيها ما يتعلمه، كما تتمنى مصطفى التعاون مع الجامعات لقبول طلبة تعلموا تعليمًا منزليًا، عبر حقيبة مهاراتهم وتعلمهم وخبراتهم، وربما تطلب الجامعات لاحقًا مهارات معينة على الطالب اكتسابها لدخول الجامعة.

****

في حين قال معظم الأهالي الذين تحدثنا معهم أنهم لم يقرروا بعد إلى أي مرحلة سيستمر أطفالهم في تلقي التعليم منزليًا، وإن كانوا سيقدرون شخصيًا على الاستمرار في التفرغ لتعليم الأطفال، وقال بعضهم إنهم “بيجربوا” في محاولة للوصول لأكبر استفادة للأبناء. ترى الباحثة في وحدة أبحاث القانون والمجتمع بالجامعة الأمريكية، فريدة مقار، أن فكرة التعليم المنزلي مناسبة فقط للأهالي القادرين ماديًا.

وتشير مقار إلى عبء التعليم المنزلي الواقع عادة على الأم، مما يحرمها من فرصة العمل والتحقق، وأن هناك أهالي لا يمتلكون هذه الرفاهية، فيكون الأمثل في هذه الحالة، من وجهة نظرها، أن يتعلم الأطفال في مجموعات عبر مجموعة مختلفة من الاهالي، ولكن حتى هذا النوع في رأي مقار به خطورة، لأن هؤلاء الأهالي سيكونون متشابهين غالبًا، وستكون لديهم الأفكار نفسها، مما يؤثر على الأطفال، لافتقاد التنوع الذي يكفل التنشئة السليمة، وهو غير موجود سوى في المدارس الحكومية؛ لاختلاف طبقات المنتمين لها، أما المدارس الخاصة فتخلق نفس الأثر لأن روادها عادة ما يكونون منتمين لمجتمع متشابه. لذلك يحتاج الأمر في رأي مقار إلى مناقشة حقيقة، فهو ليس ببساطة أن التعليم النظامي سيئ والحل في تعليم بديل، ما يترتب عليه أن يخضع الأطفال للتجريب.

تشير مقار كذلك إلى المرجعية القانونية للتعليم في مصر، وهي القانون 139 لسنة 81، والذي تم تعديله أكثر من مرة، ولكنه لا يزال يلزم الأهالي بإرسال أطفالهم إلى المدرسة وإلا دفعوا غرامات مالية.

ورغم أن الدولة لا تعترف بطرق التعليم المنزلي المختلفة، ولا تسمح بالشهادات عبر المراسلة أو من مدارس التعليم الموجه ذاتيًا بالانخراط في النظام التعليمي المصري، ولا تؤهل لدخول الجامعات، تقول مقار إن التقيد بالمدارس لم يعد موجودًا على أرض الواقع، وأصبح هناك فجوة بين القانون والواقع، مع استمرار مشكلة التسرب من التعليم، سواء بعدم تعليم الإناث أو إخراج الذكور من التعليم للعمل والمساعدة في مصروفات أسرهم، فضلًا عن عدم القدرة على السيطرة على حضور طلاب المراحل المتقدمة من التعليم كالمرحلة الثانوية، خاصة مع تفشي الدروس الخصوصية والمراكز التعليمية.

وتوضح أن التعليم المدرسي في بعض الدول، مثل فنلندا، مثالي ما لا يجعل هناك حاجة لإيجاد طرق بديلة، أما في ألمانيا فيسجن الأهالي الذين يمتنعون عن إرسال أبنائهم للمدارس، وذلك لتشجيع قيم التسامح وقبول الآخر وخوفًا من عودة الأفكار الفاشية، بينما تعترف دول أخرى، كالولايات المتحدة بالتعليم المنزلي منذ سنوات. أما في مصر، فهي ترى أنه يحقق بديلًا فقط، لأن الخيار الآخر هو نظام حكومي منهار بدون أنشطة، وبطعام مسمم، وتكدس، وتشجيع على العنف الطائفي، والعنف البدني، أو نظام خاص مُكلِّف مُسَلَّع، وغير خاضع للرقابة.

تشير مقار إلى أن التعليم المنزلي منتشر في مصر أكثر بين الأوساط الإسلامية، وهي لا تعتقد أن الدولة سترحب به، لأن هدف التعليم المؤسسي هو التأثير على الأطفال وتنميطهم، وبالتالي يكون الخروج عن هذا الإطار خطر عليها.

ولكنها تشير كذلك إلى أن الأمر معقد وله سلبياته أيضا، فرغم أن التعليم المنزلي قد يكون تقدميًا، إلا أنه قد يشجع أيضًا على التطرف، تقول: “الطفل قد يتأثر بأفكار أسرته في حال تعليمه منزليا، فماذا لو كانت الأسرة متطرفة؟”، وتستدرك: “ولكن الطفل في الحقيقة قد يتأثر بمصادر أخرى للتطرف حتى لو كان في مدرسة؛ فالتنشئة الاجتماعية لم تعد تحدث عن طريق المؤسسة التعليمية فقط، فأطفال اليوم لم يعد هناك مقدسات بالنسبة لهم، فهم، على سبيل المثال، يسخرون من تحية العلم المفترض بها تعليمهم الوطنية، وذلك بسبب ترهل المنظومة التعليمية وصعوبة السيطرة عليها بدليل حوادث الغش الجماعي والتسريبات الأخيرة للامتحانات”.

أما الكاتب والباحث في مجال التعليم، معتز عطا الله، فيصف التعليم في مصر بأنه “عبثي وفاشل ومأساوي”، فالأطفال ينطفئون في المدارس، ما يدفع الأهل للبحث عن تعليم بديل للحفاظ على طبيعة أطفالهم المزدهرة، فالقيود المؤسسية تفرض على مقدم الخدمة التعليمية في رأيه درجة من التنميط، لأنه يقدم منهجًا محددًا موحدًا لا يمكنه الخروج عنه، ولا يمكنه عبر هذا المنهج مراعاة الفروق بين الطلاب، وهذا الوضع ناتج عن رؤية بأن التعليم يجب أن يكون مؤسسيًا وفوقيًا، يحدده المعلم والوزارة، ويحدد ما هو المحتوى وكيفية تنظيم العملية التعليمية المعقدة، خاصة في مجتمع مثل مصر تسوده هشاشة الوعي العام، وارتياب تجاه القيم العامة المهددة والواجب الحفاظ عليها عبر المؤسسة التعليمية عبر التحكم في عقول الأطفال، كي يصبح الطفل فردًا في المجتمع، ووطنيًا، بما يعنيه ذلك من خنوع للإرادة المؤسسية والسلطة، وتقديس التاريخ الرسمي ومؤسسات الدولة، كما أن التعليم التقليدي في رأيه يجعل الأطفال يكرهون التعلم والقراءة، ولو سُئلوا عن أي معلومات بعد الامتحان لن يتذكروا شيئا.

على الرغم من ذلك، فالتعليم المنزلي، في رأي عطا الله، لن يناسب بالضرورة كل الأطفال وأسرهم؛ فهناك أطفال يناسبهم التعليم النظامي، وقد يناسبهم لفترة فقط ثم يكون الافضل لهم نظام بديل. ويوضح عطا الله أن الفكرة فقط في نزع القداسة عن التعليم النظامي، وجعل نظم تعليمية بديلة اختيارًا واردًا للأسر، دون تشدد.

من جهته، يعقب محمد سعد، وكيل وزارة التربية والتعليم للتعليم الثانوي والخاص والرسمي لغات، بأن التعليم في المنزل هو “أكبر خطأ”، وهو ليس ظاهرة في وجهة نظره. ويضيف أن الوزارة تسعى لإلغاء المدارس الأمريكية المخالفة، ولا تعترف بالدراسة بالمراسلة.

وهو يرى أن الأهالي لا يزالون يشعرون بالفخر لدخول أطفالهم المدارس وارتدائهم زي المدرسة، فبناء الشخصية لا يتم، وفق قوله، إلا في المدرسة بأنشطتها، مثل الإذاعة المدرسية وغيرها.

يقول: “إحنا مش بنقول إن الدنيا وردي، هناك مشاكل كثافات، لكننا نحاول رفع ميزانية التعليم، ونقوم بإنشاء مدارس جديدة كي نقلل الكثافة، ونتعاون مع القطاع الخاص ووزارة الاستثمار، ونحاول عمل تنمية مهنية للمعلمين الذين هم أساس العملية التعليمية كي يقوموا بتفيهم الطلبة بدلًا من تحفيظهم، ونشرف عليهم”، ويضيف أن الوزارة تسعى أيضًا لمنع الدروس الخصوصية والتشجيع على مجموعات المدرسة الدراسية.

كما يشير سعد إلى خطة الوزارة لتطوير التعليم عبر تطوير مدارس المتفوقين والإكثار منها، حيث يحصل الطلاب على لاب توب، ولا يكون المعلم وحده مصدر المعلومة، ويكون الاعتماد على مشاريع عملية في العلوم والتكنولوجيا، فضلًا عن زيادة  المدارس التجريبية، وزيادة الأنشطة، وفتح مكتبات المدارس، والتعاون مع المراكز الشبابية. لكن الأمر في نظره يحتاج إلى ميزانية وإمكانات، والمشكلة، حسبما يقول، أن 85% من ميزانية التعليم تذهب للمعلمين والموظفين، رغم أن المعلم يحصل على أقل مما يستحقه كأجر.

يعترف سعد بوجود مشكلة، ولكنه يقول إن الوزارة في “طريق الحل”، وهو يرى أن بدائل التعليم المدرسي تتسبب في مشكلات أكبر، وأنه يجب على الأهالي أن يكون لديهم ثقة أكبر في النظام التعليمي والمساعدة في حل مشكلاته.

في حين يقول معتز عطا الله: “رغم أن هذا النوع من التعليم البديل غير مناسب لكل الأشخاص، وهو ليس بالضرورة الطريقة الأفضل، وله مشكلاته، الا أنه بمثابة خبطة لنمط التعليم المدرسي”.

أما فريدة مقار فتختتم قائلة: “في النهاية، لو التعليم النظامي جيد، ولو طبقت الأفكار التقدمية في المدارس، وطبقت سياسة تكافؤ الفرص، وغابت المدارس الخاصة لتكون المدارس الحكومية كلها على نفس المستوى الجيد، مع زيادة الأنشطة والتجارب العملية والرحلات الاستكشافية، ومواكبة تطور العلم والتكنولوجيا، سيكون الأمر أفضل، ولن يشعر الأهالي بمأزق الاختيار بين بهدلة المدارس الحكومية وتكاليف المدارس الخاصة أو تعليم بديل بمشكلاته”.

اعلان
 
 
هدير المهدوي