Define your generation here. Generation What
عمال النقل العام: “بتوع الأتوبيس” الذين عادتهم كل الأنظمة
طاردتهم حكومة الإخوان في 2012.. واتهمتهم حكومة 2016 بأنهم إخوان
 
 
 
صورة: روجيه أنيس
 

“أنا عايز لما ابني يطلب أديله.. أنا مش طالب المستحيل يا جماعة.. لما أطلب أصيف في مارينا ابقى قولي لأ.. لكن لما أطلب آكل وأشرب.. على فكرة هياكل الفراخ غليت بسبب عمال النقل العام.. بنجيب هياكل يوم الخميس ونحطها في صنية البطاطس ونقول آدي الزَفَر..محتاجين نظرة يا دكتور مرسي.. إذا كانت فيه ثورة قامت للعدالة الاجتماعية.. ها هي العدالة الاجتماعية أمام عينينا”. كان هذا نص حديث طارق البحيري، القيادي بالنقابة المستقلة للعاملين بهيئة النقل العام، أو “الشيخ طارق” كما يناديه زملاؤه، وهو يشرح أسباب إضرابهم عن العمل في 16 سبتمبر 2012.

اختتم البحيري كلامه وقتها بمناشدة الرئيس السابق محمد مرسي بالنظر إلى مطالب العمال. كانت استجابة الرئيس سريعة وفورية، فأرسل في اليوم نفسه 6 لواءات شرطة و12 سيارة شرطة وأمن مركزى إلى جراج إمبابة للقبض على الشيخ طارق، بتهمة التحريض على الإضراب. أبدى البحيري استعداده لتسليم نفسه، لكن زملائه رفضوا، وهتفوا داخل الجراج “كلنا طارق”.

واليوم، كادت السنة الثالثة للإطاحة بمرسي أن تنتهي دون أن ينظر أحد إلى مطالب عمال النقل العام، فعادوا مجددًا في سبتمر 2016 إلى التلويح بسلاح الإضراب للضغط من أجل تحقيقها، لكن  استجابة نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي كانت أسرع من سابقه، فألقت قوات الأمن القبض على خمسة من قيادات العمال: طارق محمد يوسف مصطفي، وأيمن عبد التواب سالم محمود، ومحمد هاشم فرغلي سليمان، ومحمد عبد الخالق عوض الله، وأحمد محمود أحمد محمود، فجر السبت الماضي، اليوم المقرر لبدء الإضراب، إلى جانب البحيري الذي ذهب يوم الجمعة الماضي، إلى مقر مباحث الأمن الوطني بالشيخ زايد بناءً على استدعاء رسمي، ولم يظهر بعدها.

اختفى العمال الستة، لا أحد يعلم مكان احتجازهم أو التهم الموجهة لهم، حتى كشفت تقارير إخبارية، صباح أمس الأربعاء، عن “سقوط خلية إخوانية بهيئة النقل العام تحرض على تعطيل حركة المواصلات فى البلاد”، مشيرة إلى أن النيابة العامة قررت حبس العمال الستة 15 يومًا على ذمة التحقيقات. لكن محامين أكدوا لـ “مدى مصر” أنهم لم يعثروا على العمال الستة في أيٍ من أماكن الاحتجاز أو النيابات.

وفيما يواجهون الآن اتهام أجهزة الأمن بأنهم مشاركون في مؤامرة إخوانية لزعزعة استقرار البلاد يرفع عمال النقل العام مطالبهم نفسها منذ سنوات طويلة، وينظر الكثيرون إلى حركتهم باعتبارها -ضمن تحركات عمالية أخرى- أحد العوامل الرئيسية في حسم قرار تنحي أو تنحية الرئيس الأسبق حسني مبارك في فبراير 2011.

المؤامرة في زمن الثورة

في صباح التاسع من فبراير 2011 أعلن عمال هيئة النقل العام الإضراب في العديد من الجراجات، ضمن موجة من الاحتجاجات العمالية المساندة لثورة يناير، وللمطالبة بحقوقهم. تظاهر عمال الهيئة واعتصموا بالعديد من المواقع: على كورنيش النيل بشبرا أمام جراج النيل بالمظلات، وأمام نادي السكة الحديد بمدينة نصر، وأمام مقر الهيئة، وغيرها، رافعين مطالبهم التي طالما نادوا بها قبل الثورة دون أن يستمع لهم أحد: رفع المرتب الأساسي، وإقرار حد أدنى عادل للأجور، وزيادة قيمة البدلات الهزيلة، ونقل تبعية الهيئة من محافظة القاهرة إلى وزارة النقل، وتحسين الخدمة الصحية، وإقالة القيادات الفاسدة بالهيئة. وفي الحادي عشر من فبراير أعلن الرئيس الأسبق، حسني مبارك، تنحيه عن السلطة.

ثم ظهرت بشائر الصدام بين عمال النقل العام والحاكم الجديد، المجلس العسكري، بعد إحالة القيادي العمالي بالهيئة، علي فتوح، إلى المحاكمة التأديبية بتهمة الإدلاء بتصريحات صحفية بما يخالف القانون، ما دفع العمال للتظاهر مجددًا في 25 يونيو 2011 أمام مجلس الدولة تضامنًا مع زميلهم، الذي كان يقود في ذلك الوقت عملية تأسيس نقابة مستقلة عن الاتحاد العام لنقابات عمال مصر التابع للدولة.

قضت المحكمة ببراءة فتوح، وبدأت النقابة المستقلة للعاملين بالهيئة مطالبة حكومة المجلس العسكري بالاستجابة لمطالبهم، وأولها صرف حافز الإثابة بنسبة 200% أسوة بباقي موظفي الجهات الخدمية بالدولة، وفقًا لما نصت عليه الموازنة العامة للدولة الصادرة بمرسوم المجلس العسكرى رقم 51 لسنة 2011 والتي بدأ العمل بها فى يوليو 2011، لكن مطالبهم قوبلت بالرفض، ما دعا النقابة إلى الدعوة للإضراب في 28 أغسطس، ثم قرروا تأجيله بعد تعهد المهندسة منى مصطفى، رئيسة الهيئة في ذلك الوقت، بالتفاوض مع صفوت النحاس، رئيس الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة السابق، على ضم العاملين بالهيئة للحافز.

انتظر العمال دون جدوى، فنفذوا في 18 سبتمبر إضرابًا جزئيًا في بعض الجراجات، بدأ بجراج المظلات. وبعد يومين من الإضراب أبلغت رئيسة الهيئة العمال أنها وافقت مع رئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة على ضم عمال الهيئة إلى حافز الإثابة. لكن العمال أصروا على توقيع رئيسة الهيئة على منشور رسمي بهذا الكلام، وبعد ضغط شديد استمر عدة ساعات، وقعت المنشور وتم توزيعه على جراجات الهيئة، فأعلنت النقابة المستقلة انتهاء “جميع الإضرابات والاعتصامات”.

في مساء 20 سبتمبر توجه العمال الذين ليس لديهم ورديات ليلية إلى منازلهم فرحين بالنصر المحقق، بعد ساعات من الترقب ويومين من الإجهاد في الإضراب والاعتصام. جلس العمال مع أسرهم يشاهدون التليفزيون، فطلت عليهم مجددًا المهندسة منى عبر شاشة قناة الحياة تنفي بدء صرف الحافز مع مرتبات الشهر التالي، وقالت إن الموضوع لم يحسم بعد، وأن “وزارة المالية هتشوف هتعمل إيه، ومافيش تحديد مواعيد”.  كما توعدت العاملين بجراج المظلات.

كان رد فعل العمال سريعًا، فأعلنوا بدء إضراب عام في جميع جراجات الهيئة من اليوم التالي، 21 سبتمبر، وحتى الاستجابة لمطالبهم المشروعة. وبعد عدة أيام من الإضراب وعدم استجابة المسئولين، بدأ المئات من العاملين بالهيئة فى تنظيم وقفات احتجاجية واعتصام أمام مقر مجلس الوزراء.

في 27 سبتمبر طلب مسئولو مجلس الوزراء مقابلة وفد يمثل العمال المعتصمين، فقام المعتصمون باختيار كل من: طارق البحيري، وحسن عبد اللطيف، وحسين خاطر. قابل الوفد مسئولين بمجلس الوزراء وشرح مطالب العاملين. وفي 28 سبتمبر تم عقد اجتماع بين مجموعة أخرى من العاملين بالهيئة وأعضاء بالنقابة العامة وبين الدكتور أحمد البرعي، وزير القوى العاملة في ذلك الوقت، بحضور الدكتور عبد القوي خليفة، محافظ القاهرة وقتها، والمهندسة منى رئيسة الهيئة، وانتهى الاجتماع إلى الاتفاق على تعليق الإضراب لمدة 10 أيام إلى حين قيام وزارة المالية بدراسة الطلبات وتحديد إمكانية تمويلها، إلا أن العمال بالجراجات رفضوا تعليق الإضراب بدون وجود قرار واضح أو ضمانة لتنفيذ الطلبات.

في الرابع من أكتوبر قرر العمال إنهاء الإضراب بعد إعلان الدكتور عصام شرف، رئيس الوزراء الأسبق، اعتماد 128 مليون جنيه كحافز إجادة بديلاً عن حافز الإثابة، على أن تستكمل لاحقاً المفاوضات بخصوص مكافأة نهاية الخدمة وبخصوص نقل التبعية. عند بدء تنفيذ القرار، فوجئ العمال بانخفاض المبلغ الذي تم توزيعه فعليًا، ليصل إلى 45 مليون جنيه فقط.

واصل عمال الهيئة الجري وراء مطالبهم. في 6 فبراير 2012 تقدموا بمقترحات إلى وزارة القوى العاملة لمصادر تمويل إضافية لزيادة مكافأة نهاية الخدمة، وأرسل وزير القوى العاملة في حكومة الجنزوري، فتحي فكري، خطابات بتعزيز مطالب العاملين إلى كل من محافظ القاهرة ووزير المالية. لكن المسئولين استمروا في عدم الاستجابة، ما دفع العمال مجددًا إلى إعلان إضراب جزئي في 13 مارس في بعض الجراجات، تحول إلى إضراب عام في 17 مارس مصحوبًا بتظاهرات أمام مجلس الشعب. وفي 22 مارس رفض العمال قرارًا لمحافظ القاهرة بالموافقة على زيادة مكافأة نهاية الخدمة إلى شهر ونصف عن كل سنة. في اليوم التالي، 23 مارس، بدأ جهاز الخدمة المدنية، التابع للقوات المسلحة، في تسيير أتوبيسات تابعة للجهاز لمواجهة الإضراب.

في 26 مارس، ناقش مجلس الشعب مطالب العمال في اجتماع مشترك للجان النقل والمواصلات والإدارة المحلية والاقتراحات والشكاوى، بحضور وزير النقل ومحافظ القاهرة ورئيسة الهيئة وممثلي العاملين. وتمت الموافقة على رفع مكافأة نهاية الخدمة إلى شهرين عن كل سنة، بحد أقصى 72 شهرًا.  كما وعد وزير النقل بإعداد دراسة قانونية وفنية لمطلب نقل التبعية لوزارة النقل خلال شهر. لكن مجلس الشعب تم حله بقرار من المجلس العسكري في 16 يونيو تنفيذاً لحكم المحكمة الدستورية العليا.

مؤامرة إخوانية على حكم الإخوان

ذهب المجلس العسكري وجاء مرسي، فأعد العمال دراسة متكاملة عن مشكلات الهيئة: جذورها، وحجمها، وأسبابها، وحلها، وسلموها إلى محمد صادق، رئيس لجنة النقل والمواصلات بمجلس الشورى، لتوصيلها إلى رئيس الجمهورية، محمد مرسي، لكن دون جدوى أو أدنى استجابة.

مع بدء العام الدراسي الجديد في 15 سبتمبر 2012 أعلنت 3 جراجات: إمبابة والمظلات والترعة، الإضراب عن العمل، على أن يجري التصعيد في جراجات أخرى تباعًا. في اليوم التالي اجتمع ممثلو العاملين مع الدكتور رشاد المتينى، وزير النقل آنذاك، الذي رفض مطلب نقل تبعية الهيئة للوزارة، لكنه تعهد برعاية المفاوضات بين العاملين ومحافظ القاهرة لمناقشة باقي المطالب والمشاكل. وبعد قليل من انتهاء الاجتماع حضرت قوة من 6 لواءات و12 سيارة شرطة وأمن مركزي لإلقاء القبض على طارق البحيري بتهمة التحريض على الإضراب، لكن العمال تصدوا لهم.

في 19 سبتمبر عادت القوات المسلحة لدور كاسر الإضراب، حيث سيّرت 40 أتوبيسًا تابع لها بمناطق أبو وافية وإمبابة وشبرا والتحرير والجيزة لنقل المواطنين. في اليوم التالي، 20 سبتمبر، صعَّد العمال من احتجاجهم، فبدأ 4 سائقين بجراج “فتح”، هم سيد نبيل وسعد على سعداوي وعصام محمود وأحمد زيدان مجدي، إضرابًا عن الطعام.

أنهى العمال إضرابهم في 22 سبتمبر بعد قرار إدارة الهيئة بتوحيد قيمة بدل الوجبة الغذائية بـ 300 جنيه لكل العاملين، سواء السائقين أو الكمسارية أو الفنيين والإداريين.

المؤامرة على “30 يونيو” والسيسي

تمت الإطاحة بمرسي وجاء الرئيس المؤقت عدلي منصور، وأعلنت حكومته التي رأسها حازم الببلاوي، تطبيق الحد الأدنى للأجور على العاملين الخاضعين للقانون 47، ووعد العاملين بهيئة النقل العام بتطبيقه بدءًا من يناير 2014.

جاء يناير ولم تتحرك أجور العاملين في الهيئة ناحية الحد الأدنى، فأعلنت النقابة المستقلة عن عزمها تنفيذ إضراب يوم 23 فبراير، إلا أن العمال لم ينتظروا الموعد الذي حددته النقابة وبدأوا الإضراب يوم 22.

بعد يومين من بدء الإضراب استقالت حكومة الببلاوي، فقرر العمال تشكيل وفد يمثلهم في التفاوض مع أي جهة حتى تشكيل حكومة جديدة، وأعلنوا أسماء الوفد وهم: طارق البحيري، ومجدي حسن عادل رمضان، وعبد الله مصطفى، وهانى عفيفي، طارق يوسف، ومحمد عبد الستار. وفي اليوم التالي مباشرة، 25 فبراير، عادت أتوبيسات القوات المسلحة مرة أخرى إلى شوارع العاصمة لمواجهة الإضراب.

علق العمال إضرابهم في يومه الخامس، بعد إعلان رئيس الهيئة، اللواء هشام عطية، أنه تم الاتفاق مع العمال على صرف حوافز عينية بحد أدنى 200 جنيه لكل عامل، اعتبارًا من أول مارس، كما تم الاتفاق على احتساب الأيام التي قام فيها العمال بالإضراب كأيام عمل لا تخصم من مرتباتهم، وتلقى العمال الذين أضربوا خلال الأيام الماضية وعودًا بعدم ملاحقتهم أمنيًّا. كما تم الاتفاق على تشكيل لجنة تضم رئيس الإدارة المركزية للشئون المالية والاقتصادية وعددًا من ممثلي العمال، للمشاركة ومتابعة تحركات الهيئة لتنفيذ مطالب العاملين.

مر عامان على وعود رئيس الهيئة، ولم تنفذ المطالب، فلم يجد العمال، بعد أن سُدت في وجوههم كل الأبواب التي طرقوها، سوى الدعوة إلى الإضراب مجددًا مع بدء العام الدراسي الجديد في سبتمبر 2016، لكن الدولة اتهمتهم هذه المرة، مثل كثيرين غيرهم ممن طالبوا أو انتقدوا سياستها، بأن مطالبهم “مؤامرة إخوانية”.

اعلان