Define your generation here. Generation What
“حذاء فيلليني”.. ماذا تفعل الضحية حين تملك مصير الجلّاد؟
 
 

في روايته “حذاء فيلليني” الصادرة حديثًا عن دار المتوسط، يستند الروائي المصري وحيد الطويلة إلى تيمة القمع السياسي والتعذيب البدني مِن قِبل السلطة، ليبني معمارًا روائيًّا مراوغًا بتقنياتٍ سرديةٍ تُظهر رغبة الكاتب في خوض مسالك تجريبية.

يستخدم الطويلة اسم فيلليني قاصدًا أكثر مِن دربٍ، بدايةً مِن العنوان، الذي يوقعنا في فخّ التخمين بأنَّ العمل يدور حول المخرج الإيطالي الشهير، مرورًا بالاستهلال المنسوب لفيلليني “اسحب ذيلًا قصيرًا فقد تجد في نهايته فيلًا”، وبعناوين الفصول التي تتأرجح بين إشارةٍ واضحةٍ للمخرج الذي قد يعجبه هذا الفصل أو لا يعجبه، نهاية بالشخصية الرئيسية للعمل، مطاع، والذي نكاد لا نعرف اسم النظام المستبد الذي آل إليه مصيره في سجونه لولا إشارة الكاتب إلى كونه سُمي بـ”فيلليني الشام”. هنا فقط نُدرك الفضاء المكاني السوري الذي يتحرَّك في جنباته العمل. نعرف أيضًا أنَّ مطاع يحب لوحات المخرج الشهير، حتَّى أن مَن حوله كانوا يرونه “مجنون فيلليني”.

بمرور الصفحات، ومع الثنايا المرهِقة في العمل التي تحتاج للتأمل، نعرف الغاية مِن الاستهلال. هذا “المشهد الذي لن يُحبَّه فيلليني” هو الذيل، الذي يسحبنا إلى واقعٍ مخيفٍ كالفيل ممتلئٍ بالألم والقتامة وتشابك مصائر الشخصيات والمصادفات التي يستخدمها قدر محير.

يظهر في العمل جهد بحثي مِن الكاتب، وهو على معرفة تصل لحد الإخافة بطرق التعذيب، وأثرها النفسي والمعنوي، قبل الجسدي، على من يمارَس بحقه التعذيب، وكذلك على مَن يُمارِس هذا الفعل الذي تقول عنه بسمة عبد العزيز في كتابها “ذاكرة القهر” إنه لا يُمارَس مِن قبل أي نوعٍ مِن الثدييات سوى البشر.

مِن بداية العمل يظهر لنا الضغط الذي يضعه الجلَّاد على ضحيته مطاع “أنا معالجٌ نفْسيٌّ… ربما يكونون قد دعوني لأنهم يريدون أن يضعوا بعض المسجونين تحت السيطرة ويتهموهم بالجنون”. ثُمَّ يكمل الهواجس التي تتملكه حينها “السُّلطة ليست طيبةً بما يكفي لتعالج واحدًا لوجه الله، حتَّى لو كان خادمها الأول، وربما ليتهموني أيضًا بالجنون ذات يوم”.

***

ينطلق العمل بشكل أساسي من لحظة لقاء زوجة الضابط “الجلَّاد” بمطاع “المعالج النفسي” في عيادته. حين يُدرك اﻷخير حقيقة أنَّ مَن أمامه هي زوجة مَن عذَّبه منذ عشر سنوات، يبدأ في اجترار الذكريات بكل ما بها مِن قبيحٍ ومؤلمٍ وقاتمٍ.

سيعرف مطاع أنَّ زوجة الضابط قد أوذت هي الأخرى، على يد الرجل نفسه، ما جعلها تلجأ إلى معالج نفسي؛ لتتراكم التفاصيل والصور في رأسه حتَّى يشعر أنَّ وقت الانتقام قد حان: “أنا مَن تم تعذيبي، أنا لم أنمْ منذ عشر سنوات… أُقيم في أرقي… روحي أيضًا تترك مكانها في حلقومي وتهرب إلى إصبعي… أحيانًا أقع بجانب السرير، أنظر تحته علَّها تكون مختبئةً في ركنٍ ما في الظلام”.

سُحقتْ كرامة مطاع ودُهست إنسانيته، فحاول الانتقام؛ الحيواني في الإنسان يظهر. وفي خضم انشغالاته الذهنية هذه، تحكي زوجة الضابط عن تفاصيل حياتها معه، خياناته، ما فعله بالمسجونين، ووسائل التعذيب “لم يشبع يومًا، لا مِن الرجال ولا مِن النساء، لم يشف غليله… قالوا إنه مجنون بحب الوطن لكنه يعشق رائحة الدم، الوجوه المكلومة، المرعوبة، الأرواح المكسورة، الأنوف النازفة كرامتها، الانسحاق، التذلل”.

لكن الراوي لا يترك للشخصيات أن تسترسل فقط، بل يحضر في نسيج النص، يتحدَّث إلى القارئ مِن حينٍ لآخر، في قصديةٍ ملفتةٍ لأن يكون وجوده صوتًا إضافيًا واضحًٍا، وليس خفيًّا كما هو متوقع مِن الراوي العليم. مِن ثَمَّ يبدأ مطاع وزوجة الضابط في محاولة الانتقام مِمَّن عذّبهما. يبرز الكاتب ما يدور في وعي مطاع: “أنا لا أريد قتله، وإلَّا لما أتيت به إلى هنا، كان مِن الممكن أن أضع مسدسه بيده ليقتل نفْسه، أنا أريد أن أتفرج عليه كقردٍ في قفصٍ، أرخي له فيغني وأزجره فيرقص ويعرض مؤخرته”.

ووسط هذه الأصوات، يدخل صوتَ الجلَّاد، وكأن الكاتب أراد معادلة ميزان الشخصيات: “تقولون عني إنني جلَّادٌ، تتفوه بها أيها المعالج مِن بين أسنانك وتجز عليها… بخسَّة تقولها زوجتي التي منحتها شرف اسمي منذ البداية… أنتما وغيركما لا تعرفون ما فعلته مِن أجلكم”.

نعرف كيف يمكن للجلَّاد أن يمتلك قناعة حقيقية بأنَّ ما يفعله كان مِن أجل ضحاياه. لا يبدو أن الضابط يكذب، لا يظهر لنا أنه يدَّعي شيئًا غير حقيقي، بل لا يقول إلا ما يراه صوابًا وما يمتلئُ به من قناعة. في نظره، كل ما حدث كان يجب أن يحدث مِن أجل مصلحة الجميع، وأننا، نحن الضحايا، من لا نمتلك الفهم الكافي لنعذره.

يسترجع مطاع قصة حبٍّ مع جارته، يخاف أن تخذله فحولته أمامها بعد كل ما حدث له، يستعيد رغبته القوية فيها، ويفكِّر في كيفية صنع الصدف لأشياء لا يمكن رسمها أو التخطيط لها “تصنع الصدفة ما لا يصنعه الخزَّاف، القصص التي تتم بلا ترتيبٍ تشحن الأجساد برعشةٍ لها وخزة الحب الأوَّل ورُبَّما الأخير الذي نعتقد أننا دائمًا ننتظره، بل نوقن لحظتها أنه كعصا موسى، أكل كل قصص الحب القديمة وأخفاها في جوفه، وقد نؤكد لأنفسنا أنه الحب الذي انتظرناه بعد ما أيقنَّا طويلًا أنَّ الحب لن يطرق بابنا مَرَّةً أُخرى، فيجيء بلسعةٍ تُعيد الروح صبيةً شابةً يطير فستانها في الفراغ، لا تعبأ به، بالكاد تمد يدًا متثاقلةً لتعيد طرفه إلى مكانه”.

لكنه لا يستطيع أن يمنع نفسه من الميل نحوها “قلبك يوشك أن يغادر قفص الصدر، ضعه في قلبها، اجعلها تنام عليه وترخي رأسها ليهدأ ويعود، قلبك الذي ينخلع لسماع زمَّارة المطافئ سوف يستكين في نبضاتها، أنت خائفٌ منها راغبٌ عنها وهي بصبر جبلٍ خائفةٌ عليك راغبةٌ فيك”.

يدخل مطاع في صراعٍ مأزومٍ يلازم عودته للحب، هل يسامح الجلَّاد؟ هل ستسامح الزوجة؟ ولا تنتهي الرواية بإجابةٍ واضحةٍ، بل تضعنا في حيرةٍ وتردد حتى صفحاتها الأخيرة التي ظهرت واضحة في المشهد الأخير من العمل، والذي استعار فيه الكاتب أسلوبًا سينمائيًّا مُدمجًا، في لعبه بالتقنية، حين أعاد المشهد الثالث مَرَّةً أُخرى، وكأنه يحاول الإشارة إلى استحالة الإجابة على السؤال، لكنه في الوقت نفْسه جعلنا نرى ما يشير لانغماس مطاع في حضن جارته، مزيحًا بعض الخوف والتردد عن كاهله.

اعلان
 
 
محمود حسني