Define your generation here. Generation What

لبنان 2016: ماكدونالدز ولاجئون سوريون ولا سياسة

لم يكن هناك أثر للخليجيين في مطار بيروت عندما وصلته ظهيرة يوم أحد من أغسطس، وتحديدًا في 14 منه. لكن عندما خرجت إلى ساحة انتظار التاكسيات لاحظت “التشادور” الإيراني الأسود المعتم إلى جانب الميني جيب اللبناني زاهي الألوان. لم أدر إن كانت للمقاطعة السعودية الرسمية المعلنة ضد لبنان سطوتها على أهل الخليج، أم أن الخليجيات والخليجيين يسرعون إلى التحرر من عبء ملابسهم المحافظة المميزة فور وصولهم المطار، وربما في دورات مياه الطائرات التي تحملهم إلى المدينة، أم انهم يهبطون كـ”الملائكة” من طائرات تشارتر مباشرة إلى مواقع اللهو والمجون في “جونية”، ليفتحوا هكذا بابًا خلفيًا بالغواية والويسكي واللحم الطري في جدار المقاطعة.

وعلى أي حال، فطوال أيامي الأربعة التي قضيتها في بيروت، وحتى في شارع الحمراء، لم أصادف دشداشة أو عقالًا أو نقبًا وحجبًا خليجية. وهذا باستثناء مرة واحدة في استقبال فندق “نابليون” بأحد الشوارع المتفرعة بوسط بيروت التجاري.

بحثت عن هاتف عمومي في المطار، بعد اجتياز طابور طويل ممل للحصول على التأشيرة الفورية (تأشيرة الألفي دولار في اليد) وآخر لعبور الجوازات، هذه التأشيرة التي تعلن عن أن “من يملك يدخل” أو “دعه يمر إن كان صاحب دولارات”. والمطار بالأصل يولد لديك انطباعًا بالحياد. لا لون ولا طعم ولا رائحة، تمامًا كصالات الاستقبال في المستشفيات العامة.

بدا لي أن ضباط الجوازات يتحركون ببطء في شريط سينمائي بالأبيض والأسود، وقد أثقلتهم أوزان أجسادهم الزائدة وبطونهم المنتفخة النافرة والمتهدِّلة.

لم أجد أحدًا في الانتظار، لا لافتة تحمل اسمي أو عنوانًا للقناة الفضائية التي دعتني هنا للحديث عن رجل أعمال رأسمالية المحاسيب في مصر، حسين سالم. بحثت عن هاتف عمومي في المطار فلم أهتدِ. لكن عند مغادرة بيروت تبيّنت في صالات المغادرة، الأكثر تنظيمًا من هذا الاستقبال البارد، ماكينات هواتف. وسرعان ما اتضح أنها تتطلب لاستخدامها على الأقل 10 آلاف ليرة لبنانية (ما يقل قليلًا عن السبعة دولارات) لم تكن في جيبي.

***

خارج المطار هناك قدر من الارتباك لا يخفف منه صف سيارات الأجرة المنتظم تحت بصر الشرطة. وبيروت تعلن منذ اللحظة الأولى لوصولك عن كونها مدينة الغلاء والرطوبة وقيظ الصيف، حر لا يطاق وغلاء لا يطاق. لكن الطرق المؤدية إلى الفندق في “عين المريسة” قرب كورنيش البحر ـ وليس بعيدًا عن “الروشة ” الشهيرة ـ لا تشي بأن المدينة تعرضت لنوبات من الحروب والقصف والتدمير، وكذا العراك المسلح بين أهل البلد. وكان آخرها بالنسبة لي ما عاينته عندما زرتها من آثار مهولة مفزعة للعدوان الإسرائيلي بين يوليو وأغسطس قبل عشر سنوات في سبتمبر 2006*.

إلى جوار الفندق وعلى حائط يسوَّر أرضًا فضاء تشكو بيروت ضيق شوارعها بالسيارات وبأهلها. وبخط اليد كتب أحدهم بخفة ظل بعدما رسم عددًا من الدراجات “الباسكليت: “لو كنت عالبسكليت كنت وصلت البيت من زمان”. لكن الفندق خمس نجوم وليس فيه باسكليت، بل حمامات سباحة وجاكوزي. فغادرته دون بث البرنامج التلفزيوني، بعد ليلتين متمردًا على ما ظننته كرمًا يلامس حدود السفه. إذ لم أجد الكرم الزائد في محله. ولم أشأ أن أكون شريكًا في لعبة الإهدار. وكنت قد فوجئت بأن القناة التلفزيونية اللندنية المقر قد حجزت لي خمس ليال كاملة في هذا النعيم / الجحيم على غير اتفاقنا (ليلتان وفقط). لكن القناة لم تحترم الوقت ولا المواعيد ولا اتفاق البث المباشر.

وعلى أي حال، فالأمر لم يكن خاليًا من بعض فائدة، إذ ما غادرت الفندق الفخم المكيف وانطلقت إلى الكورنيش، حتى صادفت قريبًا جامع جمال عبد الناصر خلف لوحة تذكارية قاتمة تحمل رسمًا له بطول جسد فاره، هكذا بخطوط محفورة على اللوحة. ولكن معمار وحجارة الجامع من الخارج يوحيان بأنه يعود إلى ما قبل عهد الانقلابات والثورات في رواية العرب المحدثين، وربما إلى العصر العثماني. والأرجح أن الجامع كان موجودًا حتى قبل ميلاد عبد الناصر، ثم أعيدت تسميته على يد مناصريه ومريديه وعشاقه في لبنان.

أقترب من الجامع فيبدو أصغر مما بدا عليه من مسافة أبعد، وثمة امتداد خارجي له قبل اجتيازك إلى الداخل، وكأنه يعوِّض تواضع مساحته. وتتقدم الامتداد والمدخل واجهة زجاجية يصعب تبينها من بعيد، تعطي انطباعًا بأنك تقف أمام محل حلوى شرقية. لكن ما أن تدلف إلى المبنى حتى تصدمك رائحة عطنة. ولا تعرف إذا ما كان مصدرها السجاد المفروش على الأرضية أم شئ آخر، رائحة تعجز أجهزة التكييف ومراوح الهواء الكهربائية عن إخفائها أو إبعادها.

وعندما خرجت إلى الكورنيش ساعة حلول المغرب بدت واجهة “رأس بيروت” هذه مقصدًا للبنانيين الباحثين عن نزهة تناسب ضيق ذات اليد. جاؤوا فرادي وعائلات، خليطًا من طبقات فقيرة ووسطى تتفاوت ثقافاتهم في التعامل مع الجسد. ثمة محجبات على طريقة أهل الشيعة ومحجبات على طريقة أهل السنة، وسافرات إلى ما بعد السفور بقليل أو كثير، مع رجال بملابس أفرنجية وشرقية أيضًا، ناهيك عن ملابس الرياضة، وأطفال لا تهدأ حركتهم، وكثير من الأراجيل التي تنفث دخانها على الشاطئ، أراجيل اصطحبها أهلها ليظفروا بمتعة ربما لا يتحملون تكبد تكاليفها في الكافيتريات والكازينوهات، متعة مجانية في مدينة تسودها لغة المال. وهنا البحر ومعه الدخان، ولغط حوارات بين الناس لا ينقطع، ولكنك تشعر أن بيروت تحكي من دون أن يسمع أحد. ويحل الليل فلا يرحل زوار الكورنيش، بل يتزايدون، وكأنه المتنفس الأخير لمدينة أنهكها النهار.

***

يبتسم عامل النظافة عندما أخذت أصوِّره بكاميرا الموبايل، وهو يجمع في الصباح ما نفثه أحد الشوارع الجانبية المتفرعة من الحمراء من نفايات وقمامة. سألته فأبلغني أنه من الهند، وأسرع لاستكمال ما يقوم به إلى جوار عربة جمع المخلفات التي لم يتوقف محركها عن الدوران بصوت مرتفع. كانت الرائحة قوية نفاذة ويصعب تحملها لكنها تحفر ذكرى، ويبدو أنه قد اعتادها، وإن اضطررت أنا للإسراع بالابتعاد.

في اليوم ذاته سألت صحفيًا لبنانيًا زميلًا فأجابني أن مشكلة القمامة وجدت طريقها إلى الحل عبر البوابة الطائفية. قال: “ببساطة أصبح لكل طائفة مكب نفايتها الخاص بها، فارتاحت المدينة من طفو مخلفاتها فوق الشوارع والساحات وعناوين الصحف، وهكذا ارتاحت الطبقة السياسية من صراخ شباب بدأ حراكًا سرعان ما أُجهض عندما كشف عورة إقطاعيي الطوائف”. لكن كان بإمكاني أن ألحظ تفاوتًا في نظافة المجال العام بالمدينة بين حي وآخر، وهذا على أسس اجتماعية طبقية، وأيضًا وفق المسافة التي تفصل الحي عن مراكز السلطة والثروة والفرجة السياحية. وثمة بلا شك شوارع وأحياء بكاملها تصدمك بروائح نفاياتها فتضطر للتوقف عن المضي فيها أو تجتازها ويدك على أنفك إن استطعت.

ويبلغني مصطفي العامل في محطة بنزين بالروشة أن كل العمال هنا من مصر، وأنه من الدخيلة بالإسكندرية. هو رجل أربعيني، ولكن يوجد عمال مصريون أصغر سنًا هنا. ويبدو أن “مصري” أصبحت في السنوات الأخيرة تعني عند عموم اللبنانيين إما عاملًا في محطة بنزين أو ناطور بناية (بواب). ومهنة “البواب” بدورها التصقت عند المصريين قبل نحو نصف قرن بالسودانيين والنوبيين. أستفهم من مصطفى عن أحواله وأحوال زملائه. وبعد حمد الله أنها “أحسن مما كنا عليه في بلدنا”، يشكو من نظام الكفيل الذي يظل يقتطع من العامل الأجنبي نحو ألف دولار في السنة. تعجبت لأن مصطفى يعمل في محطة بنزين يرتفع عليها اسم وعلامة شركة بترول فرنسية عملاقة. لكنه يعود ويبلغني بأن أجره في الشهر 450 دولارًا، وأنه ويضطر لأن يقتطع منه حصة الكفلاء، الذين هم بمثابة مقاولي أنفار يوردون العمالة الأجنبية حتى للشركات الكبرى. لم يكن لمصطفي وزملائه في العمل أن يوفروا مبالغ من المال يرسلونها إلى أسرهم، لولا أنهم يبيتون ويعيشون في مكان العمل نفسه، وترك لخيالي أن يدرك دون إفصاح أو معاينة كيف يعيشون.

لبنان تلك، التي يهاجر بنوها إلى أمريكا اللاتينية وغرب أفريقيا للعمل في الغالب بالتجارة، هي نفسها التي تأخذ ملامح دول الخليج؛ تستورد العمال من آسيا ومن أفريقيا أيضًا، وتعتمد نظام الكفيل المنتهك لحقوق العمال الأجانب، وتعطي الخادمة القادمة من الفلبين أو إثيوبيا ما لا يزيد عن المائة والخمسين دولارًا في الشهر عن يوم عمل 24 ساعة.

***

أدخل مكتبة “أنطوان” في الحمرا في ذروة النهار، فأنتبه لقلة روادها والغلاء الفاحش. صحيح أن بيروت لا تزال تطبع وتطبع، بل لعلها تبقى مطبعة الكتب الأضخم عند العرب، لكن العديد من المكتبات اختفى من وسط المدينة التجاري هذا. وينعي، بقسط من الحنين، صاحبُ مكتبة ودار نشر هنا السنوات الخوالي. يعدِّد أسماء المكتبات التي تحولت لمتاجر لبيع الملابس والأحذية. لكن حوارًا جانبيًا مع ناشر آخر يكشف عن أن أصحاب المكتبات والناشرين اللبنانيين ليسوا تعساء تمامًا. صحيح أنهم يشكون الغلاء وارتفاع نفقات المعيشة، لكنهم يتحدثون عن شقق يمتلكونها ويحتفظون بها في لندن وباريس، ويؤجرونها لزبائن متيسِّرين، بما في ذلك الخليجيون.

أبحث عن عدد مجلة ” الإيكونومست” البريطانية الذي يحمل غلاف “خراب مصر”، فلا أجد اهتمامًا بين باعة المكتبات والصحف في الحمرا، وهو أمر لم تتسن لي مناقشته معهم. لكني خمنت أنه الإحباط الذي جلبه العنف الطائفي وتكالب الإسلاميين على السلطة مع “الربيع العربي” حول لبنان وفي العالم العربي عمومًا. وعلى أي حال، فالناس ملت السياسة ولم تعد تثق بالطبقة السياسية. ولذا لم أستغرب عندما أبلغني بائع صحف رئيسي برواج كتب الأبراج والحظ ووجبات الطعام والموضة.

محلات العناية بالجسد تنتشر في وسط بيروت

محلات العناية بالجسد تنتشر في وسط بيروت

ولعل ما يلفت النظر في وسط بيروت، إلى جانب كل هذا، هو كثرة عدد المحال المخصصة للعناية بالجسم، رشاقةً وزينةً. لا تخطئ العين هذا التمركز المبالغ به حول الجسد، طعامًا ولباسًا ولياقة وعضلات ومعرضًا للجمال والفتنة.

هي حقًا مدينة الاستهلاك والمستهلكين؛ المتاجر الفخمة المصروف جيدًا على ديكوراتها، والمولات أيضًا. لكني بالكاد في شارع جانبي عثرت على “تعاونية الحمرا”، وعلى واجهتها إعلان بأنها تقبل التعامل في “قسائم الأمم المتحدة “، ومع الإعلان صور للاجئين سوريين. وشباب اللاجئين السوريين عثرت بهم مرارًا وتكرارًا على رصيف شارع الحمرا الرئيسي، يجلسون القرفصاء كـ”فواعلية المعمار” عندنا عندما ينتظرون مقاول أنفار. لكن هؤلاء يبدون في بيروت أكثر حركية وتلفتًا لاقتناص فرصة. لا ينتظرون المقاول، بل يفتشون عن زبائن يشترون بضاعتهم من المكسرات السورية المجمَّعة في أكوام فوق الرصيف. وينادون المارة بلغة تبدو أكثر خشونة وريفية من تلك التي ينطقها “البيارتة”.

ستارباكس الحمرا

ستارباكس الحمرا

لم يعد هناك من يتحمس كثيرًا في المقاهي الفخمة بالشارع، ومنها ستاربكس الشهيرة (البديلة عن شهرة المودكا ومقصدها) ليتجادل: هل هؤلاء الشباب السوري الملقى على الأرصفة فيض استبداد نظام قمعي طائفي بالأصل أم انهم ضحية مؤامرة كونية على نظام ممانع؟ ويبدو أن مثل هذا النقاش فقد أي معنى في معادلة “الجميع يقتل الجميع”. لا أحد بريء من البربرية، ولبنان المنقسم سياسيًا وطائفيًا ومناطقيًا وبراوبط الولاء الإقليمي والدولي حول نخبة تقرأ “النهار” وأخرى “السفير” و”الأخبار” لم يعد متحمسًا كثيرا لجدال قد ينتهي بعراك واشتباك وتدمير ودم. وكأن الجميع عليه القفز فوق الانقسام وتجاهله كي تستمر عجلة الحياة اليومية في الدوران. أو أن الناس هنا ملت النقاش مع هذا الانقسام وأدركت تكاليفه في بروفات عراك طائفي إقليمي باهظ الأثمان، أو ببساطة ﻷنه لم يعد لديهم المزيد أو الجديد ليقال، وقد تمترس كل منهم حول قناعاته وانحيازاته ومصالحه، وليذهب البحث عن الحقيقة إلى الجحيم.

***

ترفع هاتفها المحمول كل حين لتسأل قريبة لها على الطرف الآخر من الخط: هل انقطعت الكهرباء؟ هذا هو حال السيدة الأربعينية ذات النظارة السوداء والشعر المنسدل التي جاورتني في سيارة تاكسي “السرفيس”. وهذا على ما يبدو حال بيروت ولبنان كلها. دولة بلا رئيس، ويفشل برلمانها للمرة بعد الأربعين في انتخاب رئيس الجمهورية، لكن هذا ليس مهمًا بقدر كونها دولة لا تستطيع تأمين كهرباء لا تنقطع كل سويعات. أضحك مع صديق قائلًا: “وماذا فعل الرؤساء بنا؟ حالكم أفضل”. هناك أوقات لانقطاع الكهرباء وعودتها في كل منطقة. ولكن الأمر لا يخلو من عشوائية مع انقطاع يخرج عن أي تنظيم أو توقع. وسيدتي المجاورة في “السرفيس” قلقة مع اقتراب حلول الظلام من توقف المصعد بها بعد وصولها لمقصدها. وقبل هبوطها من التاكسي تجري مكالمة أخيرة للتأكد ولتحديث معلوماتها: “انقطعت؟”

لا شئ يستحق الحجب هنا

لا شئ يستحق الحجب هنا

أعجب من مدينة بكل هذه البنية الأساسية الفاخرة في الطرق والكباري، وبكل هذه العمارات والأبنية التي تفوق القاهرة فخامة وترفًا وجمالًا وهي لا تستطيع في القرن الحادي والعشرين تأمين كهرباء بلا انقطاع لثلاث ساعات متواصلة. وحتى حيث تعمل المولدات الخاصة الملحقة بالفنادق والمستشفيات وبعض المباني يصبح بإمكاني ـ وأنا العابر في زيارة لأيام معدودة ـ التمييز بين صوت كهرباء الدولة والمولدات الخاصة. وكأن كائنًا أسطوريًا مخيفًا في تلك المدينة يحمل معه لوحة تحكم، يعبث بمفاتيحها كما “الأتاري” ويتسلى كما “البلاي ستاشن”، يطفئ النور هنا ثم يعيده هناك، ولا ينام عن لعبته أبدًا.

***

يتركني سائق “السرفيس” على ناصية شارع طويل متعامد على مقصدي، “سوق صبرا”. كان الليل قد حل بظلامه تمامًا، والشارع معتم ومقفر إلا قليلًا. لم أقصد هذه المرة مقبرة الشهداء كما فعلت قبل نحو 15 عامًا، لكني ذهبت مباشرة إلى السوق، لأنه الليل ولأنه هكذا كانت نصيحة صديق. ويبدو أن سائق التاكسي قد ألقى بي في نقطة متعامدة على منتصف شارع السوق الرئيسي، ولعلها نقطة استراتيجية، فإلى اليمين الملابس والبقالة، وإلى اليسار الخضروات والفواكه واللحوم. وهنا وهناك يهبط مستوى النظافة كثيرًا وسحيقًا عن وسط بيروت التجاري، إلى حد أنك لا تستطيع التقدم من روائح القمامة وطفح الصرف الصحي. ثمة في هذا الليل حركة وأناس ذاهبون وغادون، وعشرات اللغات واللهجات. مجتمع كوزموبوليتاني بحق، لكنه يتجاوز في عالميته وتعدد قومياته وجنسياته وأقلياته مدن البحر المتوسط، وحتى الشرق الأوسط بكامله. صحيح أن هناك بالقطع الفلسطينيين الأعرق هنا إلى جانب فقراء اللبنانيين، وأن هناك المستجدين من اللاجئين السوريين، ولكن أيضًا هناك أكراد العراق وتركيا، وكذا أفارقة من شرق ووسط القارة، بل وأسيويين. ظننت بائعة خضروات من ملابسها ولغتها هندية، لكنها فاجأتني أنها، هي وامرأة تجادلها في سعر “ربطة بقدونس”، من بنجلاديش. هو إذن عالم كوزموبوليتاني من اللاجئين والفقراء يدورون على هامش بيروت. كيف يتعاملون ويتفاهمون؟ لا أدري. لكن التفاهم والتعامل يجرى على قدم وساق في سوق له لغة ينطق بها الجميع. وهنا السوق أرخص أسعارًا، وربما أكثر تنوعًا، في السلع الأساسية من معظم أحياء العاصمة. هنا مقصد الغلابة، حتى من الزوار العابرين في بيروت. ولا شيء يميز النساء اللاتي يفاصلن في أسعار الملابس المستعملة أو رخيصة السعر عن نساء سوق وكالة البلح في مصر أو غيره من أسواق الأحياء الشعبية والعشوائية. لكن الإبداع والمعجزة هما هنا، في هذا العالم المتفاهم المتعايش من قوميات وأقليات ولغات ولهجات بلا حصر. هي في بلادها ربما متصارعة ومتناحرة متقاتلة إلى حد المذابح.

والشيء اللافت، إذا ما كانت ملاحظتي تلك دقيقة في عتمة الليل، هو أن من النادر هنا أن تجد على الجدران شعارات سياسية أو حتى أي تحيزات لأهل السياسة. لا رموز قومية أو طائفية أو دينية. فقط هو السوق واحد أحد.. والجامع الموحد.

***

غادرت بيروت إلى الجنوب ليوم واحد، وكان هذا بعد أربعة أيام عز فيها النوم. وربما كان إيقاع الحياة في المدينة قلقًا بدوره، فلم أتمكن من النوم كالمعتاد، وربما هو تغيير الأمكنة، إذ أنني قضيت يومين في فندق الخمس نجوم بعين المريسة، ومثلهما في فندق كيفما أتفق على نفقتي في الحمرا، على مقربة من شارع بليس والجامعة الأمريكية. وحقيقة، لم أشعر أبدًا أنني ألفت المدينة أو اعتدتها.

مبني هدمته الحرب تحول الى مخزن لاطارات السيارات المستهلكة

مبني هدمته الحرب تحول الى مخزن لاطارات السيارات المستهلكة

ولكن عندما انطلقت إلى الجنوب استعدت العدوان الإسرائيلي صيف 2006، حين أبصرت على جانب الطريق بحي “الأوزاعي” بقايا منزل مدمر، وقد استخدمه لبنانيون بعدها كمخزن مفتوح لإطارات السيارات المستعملة أو الهالكة، فبدوا وكأنهم يسخرون من كل ما جرى، بل ومن السخرية ذاتها. ولعل متحف الكاوتشوك هذا هو كل ما تبقي من آثار حرب مدمرة لا تزال ذكراها المجنونة عالقة بذهني منذ أن زرت لبنان بعدها بأيام معدودة. كانت آلة الحرب الإسرائيلية المتوحشة قد دمرت الطرق والجسور، ومعها البيوت ومختلف المرافق، تدميرًا فاحشًا يعلن عن قسوته بفجور، وكأنه درس في الهمجية لترويض ليس اللبنانيين فقط، بل كل العرب والإنسانية.

الخميني في الطريق الى صور

الخميني في الطريق إلى صور

وعندما تجاوزت صيدا باتجاه صور، بدأت صور السيد حسن نصر الله والخميني وخامنئي في الظهور على الطريق. الآن، ووفق التفاهمات الإقليمية والدولية بعد حرب تموز 2006، لا مظاهر مسلحة للمقاومة اللبنانية ولحزب الله. كان بالإمكان أيضًا أن ألحظ ـ على غير ذكريات زياراتي السابقة في أعوام 2000 و2002 و2006 ـ العلامة التجارية لماكدونالدز ترتفع في سماء جنوب المقاومة، فوق مبنى كبير يحمل طابع سلسلة الطعام الجاهز الأمريكية.

وإذا جازت وصحت المقارنة مع ما كان، فالآن لا سلاح ولا مقاتلين ولا كلام وشعارات كبرى. فقط ماكدونالدز ينافس في شعبيته صور مرشدي الثورة الإيرانية وسيد المقاومة الإسلامية اللبنانية المنتصبة فوق أعمدة أقل تواضعًا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* بضم الحرف الأول من كل من الكلمتين، وهما جمع “حجاب” و”نقاب” وفق المعجم الوسيط.

** كتبت حينها نصًا من جزأين بعنوان “الجروح المفتوحة للحرب”، لكنني لم أتمكن من نشره في الأهرام ولم ير النور قط.

اعلان