Define your generation here. Generation What
وجوه على شط رشيد
لماذا يهربون عبر البحر، وكيف نجوا، وكيف فقد بعضهم أحباءه؟
 
 
 
بعض الناجين من مركب رشيد - المصدر: مصطفى الشيمي
 

“دفنت عيالي بإيدي”، قالها بدر محمد وهو يجهش بالبكاء، قبلها بثواني كان يري جثمان ابنته “حبيبة” للمرة الأولى بعد انتشاله ضمن جثامين 168 غريقًا من بين قرابة 450 شخصًا من جنسيات مختلفة كانوا على متن مركب الهجرة التي غرقت قبالة سواحل مدينة رشيد يوم الأربعاء الماضي.

كان بدر أحد الناجين من الغرق، وقد ظل لثلاثة أيام غائبًا عن الوعي في مستشفى رشيد العام، بعد أن فقد في الحادث زوجته وأبنائه الثلاثة الذين كان أصغرهم رضيعًا.

يبلغ بدر من العمر 28 عامًا، وهو يعمل حداد مسلح، ويقول: “كان المفروض أروح ألمانيا، عشان أعمام مراتي هناك، وكانوا هيساعدوني ألاقي شغل وأستقر”.

كان بدر يقيم في الإمارات العربية المتحدة، إلا أنه عاد إلى مصر في إجازة لمدة شهر، وخلال إجازته اتفق على الذهاب في هذه الرحلة، “كان المفروض أدفع للمهربين 65 ألف جنيه عشان أنا معايا زوجتي وأولادي”، يقول، قبل أن يضيف: “أوروبا كانت هاتبقى بالنسبة لي أحسن من الإمارات”.

أما الإريتري الثلاثيني صالح فقد أتى من السويد، حيث يعيش، إلى رشيد بعد الكارثة، يقول: “فوجئت برسالة على واتساب من شقيقيّ يقولان فيها إنهما يغرقان”.

يؤكد صالح أنه لم يكن يعلم أن شقيقيه سيحاولان عبور المتوسط على متن رحلة هجرة غير منظمة، إذ لم يخبره أيهما بذلك.

عثر صالح على شقيقه جابر في أحد أقسام الشرطة بين الناجين، غير أنه لا يزال يتردد على المستشفيات محاولًا العثور على جثمان شقيقته “أمينة”، فيما أبدى غضبه من حالة ثلاجة حفظ الجثث في مستشفى رشيد العام، والتي لم تتسع سوى لخمس جثث، بينما استمر توافد سيارات الإسعاف المحملة بالجثامين، ما أحدث حالة من الارتباك في المستشفى الضيق ضعيف الإمكانيات، بحسب وصفه.

ثلاجة مستشفى رشيد

ثلاجة حفظ الجثث في مستشفى رشيد (By نهلة النمر)

فيما يتذكر بدر لحظاته الأولى على الشاطئ بعد غرق المركب، “لما طلعنا على الشط شفت الأربعة اللي كانوا شغالين على المركب واقفين قدامي، جريت أسحب السلاح من العساكر اللي كانوا موجودين وقُلتلهم خدوهم من قُدامي أحسن هاخلص عليهم، لإن هما دول اللي قتلوا عيالي، هما عارفين من الأول إن المركب ما تاخدش العدد ده ومع ذلك ركبونا”.

أما فايز محمد، 22 عامًا، من محافظة كفر الشيخ، فيقول إنه قرر الذهاب إلى إيطاليا لمساعدة أسرته بعدما أغرقت الديون والده ولم يجد أخيه الأكبر فرصة للعمل رغم بلوغه عامه الثامن والعشرين.

يقول فايز، وهو حاصل على دبلوم صنايع: “وأنا في الجيش اتعرفت على شخص قال لي إنه يقدر يساعدني أسافر، وإني هادفع بس 35 ألف جنيه، ولمّا قُلتله إني مش هاقدر أدفع المبلغ ده قالّي إنه يعرف واحد في إيطاليا هيخليني أسافر ويشغلني وياخد نسبة من الراتب، يعني لو هاقبض 100 يورو هو هياخد منهم 50 لمدة أربع سنين، بعدها يطلعلي ورق إقامة على إني متجوز إيطالية”.

يحكي فايز أن رحلتهم بدأت من الاسكندرية، حيث ظل يتنقل من نقطة إلى أخرى بحسب أوامر المهربين الذين تواصلوا معه تليفونيًا، إلى أن وصل إلى مزرعة دواجن مهجورة كان بها قرابة 170 شخصًا، كانت هي نقطة الانطلاق، حيث تحرك الركاب إلى داخل المياه أمام المزرعة سيرًا على الاقدام إلى أن وصلت المياه إلى منتصف أجسادهم، حسبما قال، وأكمل: “قسمونا على 3 قوارب لغاية ما وصلنا للمركب الكبيرة اللي كان طولها حوالي 25 متر، لقينا عليها حوالي 300 فرد. المهرب اللي كان على المركب قال للمهربين اللي بينقلونا على القوارب: كده مش هاينفع، العدد ده هيبقى كبير قوي على المركب، لكنهم ما ردّوش عليه ونزلونا ومشيوا”.

ويستكمل سرد اللحظات الأخيرة قبل الغرق، ويقول: “بدأت المركب تميل أول ما ركبنا، عرفنا إنها هاتغرق فـ كُله بدأ يتصل بالشرطة والجيش، كانت الساعة حوالي أربعة أو خمسة الفجر، الشرطي قعد يحقق على التليفون ويسأل: انتو روحتوا هناك ليه؟، وفي الآخر ما فيش نجدة وصلتنا”.

“بعد ما المركب مالت، الخزان اللي فوق وقع وخبط في جنب المركب، وفي خلال دقيقتين كانت غرقت. فضلنا نعوم لحد الساعة 11 الصبح، وبعدين لقينا مراكب صيد من بعيد فقلعنا التيشيرتات وفضلنا نشاور لها، لغاية ما مركب أنقذتنا”.

يتذكر فايز أنه في لحظة من اللحظات، ومن شدة التعب، قرر أن يستسلم للموت، لكنه تراجع، “افتكرت الآية اللي بتقول إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، فقررت إني أكمل، طبعًا اللي كان بيعوم متر السحب كان بيرجعه تاني بسبب تقل المركب الغرقانة، فيا دوب قدرت أبعد 100 متر بالكتير. لما وصلت عند مركب الصيد كنت حاسس إني مُت وصحيت من أول وجديد”.

يؤكد فايز أنه لن يفكر مجددًا في تكرار هذه التجربة بعد ما واجهه.

بحسب روايات الناجين، لم يترك المهربون أية مساحة على المركب دون شغلها بالركاب، حتى أنهم دفعوا بحوالي 150 راكبًا، أغلبهم من الأفارقة، داخل الصندوق الخشبي الموجود أسفل المركب والذي يستعمل كثلاجة لحفظ الأسماك في مراكب الصيد.

يروي بدر محمد أنه حين مالت المركب، حاول الركاب فتح الثلاجة ليخرج من بداخلها، غير أن المهربين هددوهم بالأمواس الحادة -بحسب وصفه- أنهم سيقومون بقطع أصابع من يحاول ذلك.

وحسبما يروي، قال المهربون لهم إن المركب ستفقد توازنها إذا خرج هؤلاء، وأنهم سيرجعون بالمركب إلى الشاطيء، بعد أن كانت تقف قرب حدود المياه الاقليمية، لكنها لم تلبث أن غرقت في التو.

أما محمد علي فيقول إن المهربين كانوا يختارون الركاب الأفارقة لوضعهم في الثلاجة لأنهم لم يعوا خطورة ذلك المكان، وقال أيضًا إن سيدة مصرية كانت على متن السفينة رفضت أن تجلس بالثلاجة، بينما لم يتجادل الركاب الأفارقة مع المهربين مثلما فعل المصريين.

ويضيف أن المهربين حاولوا التفاوض معهم حين بدأوا بالاتصال بالشرطة مع بداية غرق المركب، “قالولنا بلاش تبلغوا عننا وإحنا هانتصل بخفر السواحل ييجي ياخدنا كلنا”. إلا أن الركاب لم يمتثلوا لهم، واتصلوا بالشرطة والجيش، الذين لم يظهروا، حسبما قال، حتى تم إنقاذهم بواسطة مراكب الصيد.

أحمد درويش، 22 عامًا، من محافظة الغربية، وهو آخر الناجين الذين غادروا مستشفى رشيد العام، يحكي أنه اضطر للسباحة لمدة لا تقل عن ست ساعات حتى وصل إلى إحدى مراكب الصيد.

ويكمل: “بعد ما نزلت في الميّه التفت ورايا لقيت واحدة ست سورية ماسكة في عوامة ومستسلمة خالص ومش بتتحرك، رجعت تاني ومسكت العوامة في إيدي عشان أجرها، وبقيت أعوم بالإيد التانية، كان فيه طفل رضيع لقيته ميت، ربطته في حبل على وسطي وطلعته معانا. لما وصلنا للمركب فضلت أردد في آيات قرآنية والست السورية من فرحتها فضلت تردد ورايا، رغم إنها كانت مسيحية”.

أحد الناجين من أبناء الجزيرة الخضراء برشيد، فضل استخدام “محمد علي” كاسم مستعار، يبلغ من العمر 17 عامًا، يقول إن ما لا يقل عن 40 شابًا من أبناء الجزيرة كانوا على متن المركب. وإنه كان برفقه ستة من أصدقاءه في نفس عمره، غير أن بعضهم لم ينجو.

فيما يشرح أحد أصدقائه الذين كانوا برفقته على ظهر المركب، والذي رفض بدوره ذكر اسمه، أن ما يشجع الشباب في هذا السن على الذهاب إلى ايطاليا عبر البحر هو تحسن الظروف المعيشية لشباب آخرين سبقوهم عبر الطريق نفسه، ويوضح أنه لا يزال طالبًا لكنه لا يرى مستقبلًا له بمصر، مؤكدًا أن كثير من زملائه بالمدرسة يذهبون إلى إيطاليا بالطريقة نفسها، خاصة وأنها لا تقوم بإعادتهم إلى مصر حتى وإن وصلوا بطرق غير شرعية، بل تُلحقهم بالمدارس وتعتني بهم، ما يدفع بعض الشباب الآخرين للتظاهر أنهم في السابعة عشر عند الوصول إلى شواطئها، وذلك بعد التخلص من جوازاتهم قبل السفر.

يحكي محمد علي: “أنا شغال سواق على توك توك، مافيش عيشة هنا والشباب كله بيسافر، رُحت اتفقت مع المهربين وعملولي تخفيض عشان أنا من نفس منطقتهم، همّا من أهالي الجزيرة ومعروفين للناس كلهم، سواء صاحب المركب أو السمسار أو المندوب اللي بياخد الفلوس، كنت هاروح بـ 17 ألف جنيه، دفعت منهم 10 آلاف، اللي عرفت ألمّهم من اخواتي وأصحابي، والباقي كنت هادفعه لمّا أوصل إيطاليا وأشتغل، والمهربين ما كانوش واخدين مني ضمانات عشان أنا من بلدهم”.

لضمان أكبر عدد ممكن من الركاب، قدّم المهربون “تيسيرات” مختلفة في طرق التسديد.

أتت “نعمة”، ٥٤عامًا، من الشرقية برفقة زوجها، للبحث عن جثث ابنها وزوجته وأطفاله الذين كانوا على ظهر السفينة الغارقة، بعدما علمت بأمر الكارثة عبر التليفزيون، وأمام مستشفى رشيد العام جلست في حالة انهيار وهي تحمل صور أحفادها الثلاثة ووالدتهم.

تقول: “بيقولولي انتي اللي موتّيهم، عشان مضيت شيكات على نفسي للمهربين مقابل إنهم يسفروهم ويدفعوا الفلوس بعدين، طب أنا مالي، أنا ابني عايز يسافر ومفيش شغل هنا ومفيش عيشة أصلًا، كان المفروض يدفع 35 ألف جنيه، دفع منهم خمسة، والباقي لما يوصل ويشتغل، وعشان يضمنوا حقهم مضيت أنا وابني التاني شيكات على بياض للمهربين”.

وعمّا إذا كانت هذه الشيكات تمثل لها أي تهديد الآن، تقول: “همّا يقدر ييجوا جنبي؟!، السمسارة اللي في بلدنا اللي طلعوهم أول ما عرفنا الخبر اتصلنا بيها، قالولنا إحنا مراكبنا كلها كويسة وبتوصل، وخدوا حاجتهم وهربوا من البلد”.

أما محمد أحمد عبد الدايم، الذي كان ابنه سامح، 17 عامًا، على متن المركب الغارق فيقول إنه لم يكن يعلم أن ابنه توجه إلى السفر عبر البحر، ويضيف: “سامح كان مخطط إنه يسافر ولما يوصل لشواطئ ايطاليا يقوم المهربين يتصلوا بيا ويهددوني لو ما دفعتش المبلغ المطلوب للمندوب هنا هيحتجزوا ابني هناك”.

بحسب الأهالي والناجين، فإن عمليات التهريب تديرها شبكات على تواصل داخل وخارج مصر. وتنقسم الأدوار الرئيسية في عملية التهريب  بين سمسار يقوم بتوفير الركاب، ومندوب في مصر يسدد له الأهل المبلغ المطلوب عندما يصل المسافر إلى أوروبا، ومندوبين آخرين في أوروبا، وعاملين على المراكب، جميعهم من المصريين، أما الركاب فتتنوع جنسياتهم كما تتنوع عملة الدفع.

من بين الركاب الذين لم تظهر جثثهم بعد شاب سوداني يدعى محمد عثمان، والذي حضرت أخته من مدينة السادس من أكتوبر بالقاهرة، حيث تقيم الأسرة، بحثًا عنه بعد الكارثة. وفيما رفضت الأخت ذكر اسمها، قالت إنه كان من المفترض أن يسافر مقابل 1500 دولار.

الأهالي يتابعون عمليات انتشال الجثث

الأهالي يتابعون عمليات انتشال الجثث (By نهلة النمر)

ووسط حالة الحزن والوجوم التي سادت أرجاء مدينة رشيد، توزع الأهالي بين الصلاة على المتوفين، والمشاركة ومتابعة عمليات الإنقاذ عند نقطة بوغاز رشيد، حيث تقوم مراكب الصيد التي يملكها الأهالي برحلات البحث عن الجثث الطافية، وحملها إلى نقطة حرس الحدود حيث تنتظر سيارات الإسعاف، وبينما غادر الناجون المصريين المستشفيات، لا يزال رفاقهم من الجنسيات الأخرى محتجزين في الأقسام.

يصر شاب من أبناء رشيد على مقاطعة حديثنا مع الناجين ليذكر تجربته في السفر بالطريقة نفسها، وأنه سبق وذهب إلى إنجلترا عن طريق التهريب، وظل هناك طوال أربع سنوات، قبل أن يتم ترحيله منذ شهرين، لكنه يؤكد أنه مستعد لإعادة المحاولة مرة أخرى، يقول، بعدما طلب عدم ذكر اسمه: “أنا مستعد أروح تاني وبنفس الطريقة، لإن أنا هناك كنت باحِس إني بني آدم، رغم إني مش من جنسية البلد، هنا أنا مش حاسس إني بني آدم أصلا، وهو ده اللي بيخلي الشباب دول يطلعوا”.

اعلان
 
 
نهلة النمر