Define your generation here. Generation What
هل تحل الشراكة مع القطاع الخاص أزمة التعليم في مصر؟
 
 

في محاولة لحل مشكلة الكثافات العالية في الفصول الدراسية، وتوفير “تعليم متميز بمصروفات مناسبة”، قررت الحكومة اللجوء للشراكة مع القطاع الخاص عبر “البرنامج القومي لبناء المدارس”، الذي روّجت له قيادات حكومية مختلفة، فيما تحفظ عليه آخرون، رأوا أنه لن يكون حلًا حقيقًا للمشكلة.

وتزامنًا مع تصريحات لمسؤولي وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني عن أن البرنامج سيوفر قرابة 20 ألف فصل دراسي على مستوى الجمهورية بحلول العام المقبل. أعلنت الوحدة المركزية للمشاركة مع القطاع الخاص بوزارة المالية، وهي الجهة المشرفة على المشروع، في أغسطس الماضي، عن دعوة القطاع الخاص للتقدم بطلبات التأهيل للفوز بعقد مشاركة “لتمويل وتصميم وبناء وتشغيل واستغلال وصيانة مدارس المشاركة المتميزة للغات”.

ويقوم المشروع على تقديم الوزارة الأراضي التي سيتم بناء المدارس عليها في المدن الكبيرة في محافظات الجمهورية كافة، على أن يحصل القطاع الخاص على حق انتفاع لمدة أربعين سنة لمباني المدارس التي تم إنشائها، يتم بعدها “إعادة ملكية أصول المشروع إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني في حالة تشغيلية جيدة وفقًا للعقد بعد انتهاء مدة المشروع”.

واعتبر وزير التربية والتعليم، الهلالي الشربيني، أن المشروع هو فرصة استثمار آمنة للمستثمر، تستفيد منها الحكومة بدورها، وذلك خلال تصريحات صحفية أوضح فيها الوزير أنه يمكن للمستثمر أن يحصل على حق إدارة المدرسة بعد انتهاء مدة حق الانتفاع.

وبحسب الوزير، فقد انتهت في 21 سبتمبر الجاري مرحلة التأهيل للمستثمرين المشاركين، والتي سيتم بعدها الطرح من خلال مناقصة، وتلتزم الوزارة بتقديم التراخيص اللازمة للمدارس خلال ثلاثة أشهر من توقيع العقود، على أن يكون أمام المستثمر ما بين 9 إلى 12 شهرًا للانتهاء من بناء المدرسة وبدء العمل فيها، بما يعني أن مدارس المرحلة الأولى من المشروع ستكون جاهزة لاستقبال الطلاب في العام الدراسي المقبل.

وفي حين يستهدف المشروع بناء 200 مدرسة في المرحلة الأولى، التي تقدم لها بالفعل 190 مستثمرًا، أكد وزير التعليم أن عدد الطلاب للفصل الواحد في المدارس الجديدة لن يتعدى 35 طالبًا.

فيما رأت سامية النشوقي، عضو جمعية “أصحاب المدارس الخاصة”، وصاحبة مدارس سما الحديثة للغات بالقليوبية، وهي أحد المتقدمين للمشروع، أن غياب أي ضمانات للقطاع الخاص يمثل حجر عثرة أمام تطبيق المشروع، وقالت لـ “مدى مصر”: “الصيغة التنفيذية للمشروع ما زالت غير واضحة، فلا نعلم بنود التعاقد والأماكن المتاحة لبناء المدارس، وهل سيتم بالفعل تقديم تسهيلات لتخصيص الأراضي، التي دومًا ما كانت تمثل عائقا كبيرًا أمام أصحاب المدارس الخاصة لبناء المدارس”.

من جانبه، وفي تصريحات لـ “مدى مصر”، أكد عاطر حنورة، رئيس وحدة الشراكة مع القطاع الخاص بوزارة المالية، أن المدارس الحكومية التي تخدم المناطق الأكثر فقرًا ليست هي الشريحة المستهدفة لبناء المدارس، وإنما شريحة “مدارس اللغات المتوسطة”، موضحًا: “هذه الشريحة من المدارس التي تتراوح مصروفاتها بين الخمسة آلاف والعشرة آلاف جنيه سنويُا يقبل عليها الكثير من أبناء الطبقة المتوسطة التي يرغب أبنائها في الحصول على فرص تعليمية أفضل. للأسف الشديد لا يجد هؤلاء مدارس خاصة كافية في هذه الشريحة فيلجأون للمدارس الحكومية ويزاحمون أبناء الطبقة الفقيرة فيها، وهو ما يؤدي لتكدس الفصول”.

ورأى حنورة أن توفير مدارس لغات للشريحة المتوسطة، من خلال الشراكة مع القطاع الخاص، سيتيح الفرصة للحكومة للتركيز على تطوير التعليم الحكومي بشكل أفضل.

بدوره، قال أحمد السيسي، رئيس لجنة المشاركة مع القطاع الخاص في وزارة التربية والتعليم، إن مشكلة الكثافة الطلابية وازدحام الفصول في تزايد مستمر، مضيفًا، في تصريحات صحفية، أن توفير مدارس متميزة بمصروفات سنوية معقولة سيؤدي بالضرورة إلى تقليل مشكلة ازدحام الفصول.

وفي هذا الصدد، اعتبرت النائبة منى عبد العاطي، عضو لجنة التعليم بمجلس النواب، أن إشراك القطاع الخاص في مجال التعليم  ضرورة، وأوضحت لـ “مدى مصر” أن وزير التربية والتعليم كان هو “أول من قدم مقترح مشاركة القطاع الخاص في بناء مدارس متطورة بحيث تغطي احتياجات المواطنين من الأبنية التعليمية المتطورة على مستوى الجمهورية، وتشرف عليها وزارة التعليم لضمان حق أبناء الطبقة المتوسطة في الالتحاق بهذه المدارس والاستفادة منها”.

إلا أن غصون توفيق، الباحثة في شؤون التعليم بالمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، اعتبرت أن بناء مدارس بالشراكة مع القطاع الخاص ليس هو الحل الأمثل للتعامل مع أزمة تكدس الفصول. وقالت لـ “مدى مصر” إن السبب الأساسي في تكدس الفصول هو نقص الأبنية التعليمية التي تستوعب الأعداد المتزايدة للطلاب، وبالتالي، حسبما قالت، فالشريحة التي يستهدفها المشروع لا يمكنها استيعاب الأزمة، كما أنه توجد الكثير من المدارس الخاصة التي تقدم خدماتها بنفس مستوى المصروفات التي أعلنت عنها الوزارة بالفعل.

وأوضحت توفيق أن “الأزمة الحقيقية لا تكمن في كون أبناء الطبقة المتوسطة يزاحمون أبناء الطبقات الأقل فقرًا، وإنما تكمن في غياب العدالة وضعف الاستثمار الحكومي في التعليم وعدم قدرة الدولة على تغطية احتياجات المناطق المحرومة”، وأضافت متساءلة: “هل سيفكر القطاع الخاص في بناء مدارس خاصة تكون مصاريفها السنوية بالآلاف في الصعيد مثلًا؟ وهل يحتاج الصعيد لمدارس لغات خاصة متميزة أم يحتاج لتغطية احتياجات المناطق المحرومة أولًا؟”.

وأشارت توفيق في هذا الخصوص إلى الأرقام التي تعلن عنها الهيئة العامة للأبنية التعليمية، والتي قال رئيسها، اللواء يسري عبد الله، في حوار مع جريدة الأهرام مطلع العام الحالي، إن هناك 2367 قرية على مستوى الجمهورية بلا مدارس ابتدائية، و537 وحدة محلية بلا مدرسة ثانوية، فضلًا عن 66 قسمًا ومركزًا بلا مدرسة للتعليم الفني. ولحل أزمة الكثافة في الفصول أكد عبد الله أنه “للوصول إلى كثافة تتراوح بين 40 و45 طالبًا فنحن بحاجة إلى توفير 52 ألف فصل، أما إذا أردنا استيفاء المعايير الثمانية التى تضعها الهيئة فنحن بحاجة إلى توفير 240 ألف فصل”.

وبحسب تقرير سابق للهيئة، تحتل محافظة سوهاج رأس قائمة المحافظات التي تشتمل على مناطق محرومة من خدمات التعليم الأساسي بـ 351 منطقة بلا مدارس، تليها محافظة قنا بـ 303 منطقة محرومة، ثم محافظة المنيا بـ 291 منطقة محرومة، ثم البحيرة بـ 270 منطقة، وأسيوط بـ 271 منطقة محرومة. وأشار التقرير أيضا إلى أن 10 آلاف و297 قرية مصرية تمثل 24.5% من إجمالى القرى والتوابع فى مصر محرومة من مدارس التعليم الأساسي، بينما تعاني 35% من إجمالي المدارس الحكومية في مصر من زيادة الكثافات الطلابية عن النسب المقررة، وتعمل 14% من المدارس بنظام الفترات الدراسية. ولكي تتغلب الدولة على هذه الأزمة، بحسب التقرير، فإنها تحتاج لميزانية قدرها 51 مليار جنيه لبناء فصول دراسية تغطي الكثافة السكانية في المناطق المحرومة.

وطبقا لكتاب الإحصاء السنوي الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لسنة 2014، فإن نسبة تواجد المدارس الخاصة تتركز بشكل كبير في المحافظات الكبرى كالقاهرة والإسكندرية والجيزة، وتكاد تنعدم في الكثير من محافظات الصعيد والوجه البحري، وأوضح الكتاب السنوي أن 30% من طلاب المرحلة الابتدائية والإعدادية بالمدارس الخاصة موجودون في القاهرة، و20% بالجيزة و19% في الإسكندرية.

من جانبها، قالت سامية النشوقي، مالكة المدرسة الخاصة، إن القطاع الخاص، على عكس المعتقدات السائدة، يرغب في الاستثمار في كافة محافظات الجمهورية، بما في ذلك مناطق الصعيد النائية، وأن كل ما يلزم هي الجدية الكافية من قبل الحكومة لتسهيل تخصيص الأراضي، وأضافت: “المشروع على الورق رائع، فهو يوفر تعليمًا جيدًا لشريحة من المجتمع تُقبل بشكل كبير على التعليم الخاص المتوسط، ومن المفترض أن يقدم المشروع فرص عمل جديدة ويزيح عبئًا كبيرًا عن كاهل الدولة، لكن لا بد للصيغة التنفيذية أن تأتي لتشعر المستثمرين والحكومة معا بالأمان، وهو الأمر الذي ما زلنا ننتظره”.

فيما طرحت الباحثة غصون توفيق تساؤلات أخرى حول ضمان معايير الجودة التعليمية في المدارس التي سيتم بنائها. كان الشربيني قد أكد أن الوزارة ستراقب العملية التعليمية، وتطبيق معايير الجودة من خلال التأكد من تأهيل المدرسين والرقابة على المناهج والمحافظة على الثوابت الوطنية. إلا أن توفيق رأت ذلك غير كاف: “لم تحدد الوزارة بعد ما هي معايير الجودة هذه، وكيف ستتعامل مع أصحاب المدارس الذين يخالفون هذه المعايير”، وتساءلت: “ما الفائدة التي ستعود على الحكومة والمجتمع من بناء هذه المدارس؟، أعتقد أن أصحاب المدارس الخاصة هم المستفيد الأكبر؛ فللمرة الأولى ستتاح لهم تسهيلات لتخصيص الأراضي لبناء المدارس وسيتمتعون بالحد الأقصى لحق الانتفاع الذي نص عليه القانون”.

وفي حين أكد وزير التعليم أن “الوزارة ملتزمة بتوفير تعليم مجاني لكل أبناء المجتمع”، مضيفًا أنه بعيدًا عن مشروع الشراكة مع القطاع الخاص “هناك تمويل حكومي لبناء 30 ألف فصل دراسي على مستوى الجمهورية، والموازنة المخصصة لبناء المدارس تضاعفت ثلاثة مرات وهو ما لم يحدث من قبل”، رصدت تقارير غير حكومية أوجه القصور في ميزانية التعليم.

كان تقرير أصدره المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، في يونيو الماضي، عن مشروع الموازنة العامة 2016-2017، قد أشار إلى أن مخصصات قطاع التعليم (قبل الجامعي والجامعي) في الموازنة قدرت بـ 103.9 مليار جنيه، ما يمثل 3.2% من إجمالي الموازنة، وهو نصف الإلزام الدستوري الذي وضع حدًا أدنى للإنفاق على التعليم بشقيه قبل الجامعي والجامعي بـ 6%.

وطبقًا لتقرير المركز المصري، فإن 82% من مخصصات الإنفاق على التعليم قد ذهبت لبند الأجور والتعويضات للمعلمين، مقارنة بـ 83.5% في موازنة 2015/2016. في المقابل، زادت نسبة الاستثمار المرتبطة ببناء المنشآت التعليمية من 8.77% من إجمالي مخصصات التعليم بموازنة 2015/2016 إلى 10.48% في مشروع الموازنة الحالي. وأوضح التقرير أن الزيادة في الاستثمارات أتت على حساب مخصصات الأجور التي تعد الحجر الأساسي في إصلاح التعليم.

وأضاف التقرير أنه على الرغم من أن زيادة الإنفاق على المنشآت التعليمية يعد أمرًا إيجابيًا، حيث سيتم من خلاله علاج مشاكل كثافة الفصول، إلا أن الموازنة تجاهلت عناصر مهمة أخرى مثل الإنفاق على تدريب المعلمين وتحسين أجورهم وتطوير المناهج، وهي الأمور التي تجاهلها مشروع الميزانية، الذي شكّل، على حد قول المركز، انعكاسًا “ضيقًا ومحدودًا” عجز عن الاشتباك مع المشاكل الحقيقية للتعليم.

اعلان
 
 
مي شمس الدين